مقدمة
تدخل الحرب في السودان مرحلة تتجاوز المواجهات التقليدية على خطوط القتال، مع تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة واستهداف منشآت الكهرباء والوقود في مناطق بعيدة عن جبهات الاشتباك المباشر. وفي تطور لافت، اتهمت الحكومة السودانية إثيوبيا بالسماح باستخدام أراضيها منصاتٍ لإطلاق مسيّرات استهدفت منشآت مدنية وحيوية، مستندةً إلى ما قالت إنه بيانات فنية وصور أقمار صناعية وحطام طائرات جرى اعتراضها.
وتزامنت هذه الاتهامات مع هجمات متتالية على محطات كهرباء في ولايات الجزيرة، وسنار، والقضارف والنيل الأبيض، ثم محطة المرخيات شمال غربي أم درمان، وصولًا إلى محطة المناقل في ولاية الجزيرة يوم 28 أكتوبر، وفق تقارير صحفية سودانية ودولية.
وفي ظل التحولات الميدانية التي شهدتها الحرب، ولا سيما تراجع قوات الدعم السريع عن مناطق في وسط البلاد وشرقها، يبرز سؤال مهم: هل تمثل هذه الهجمات محاولة لتعويض خسائر ميدانية، أم أنها جزء من استراتيجية أوسع لإضعاف المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، وإرباك عودة المواطنين، وإرسال رسائل سياسية إلى الداخل والخارج؟
كما يطرح المشهد سؤالًا آخر بشأن القوى المدنية المتحالفة مع الدعم السريع: كيف تنظر إلى استمرار الحرب واستهداف البنية التحتية؟ وهل تستطيع تقديم مشروع سياسي مستقل عن الحسابات العسكرية لحلفائها؟
أولًا: المشهد الميداني.. من السيطرة على الأرض إلى توسيع نطاق الحرب الجوية
شهدت الحرب السودانية تغيرات واضحة في خريطة السيطرة منذ استعادة الجيش مناطق واسعة في الخرطوم والوسط، بينما بقيت قوات الدعم السريع مسيطرة على معظم إقليم دارفور ومناطق من كردفان، مع استمرار التنافس على مواقع استراتيجية في جنوب كردفان والنيل الأزرق وممرات الربط بين الشرق والغرب.
وتشير تقارير ميدانية وتحليلات نشرتها وسائل إعلام دولية، من بينها الجزيرة، إلى أن كردفان أصبحت من أهم مسارح القتال، بسبب موقعها الذي يربط مناطق سيطرة الجيش في الوسط بمناطق نفوذ الدعم السريع في الغرب. كما ظلت بعض مناطق النيل الأزرق وجنوب كردفان عرضة لتغيرات عسكرية متلاحقة.
وفي هذا السياق، لا تعني خسارة منطقة أو التراجع عنها بالضرورة انتهاء القدرة العسكرية للطرف الذي فقدها؛ إذ يمكنه مواصلة القتال عبر جبهات أخرى، أو استخدام وسائل بعيدة المدى، أو استهداف طرق الإمداد والمنشآت التي تدعم استقرار المناطق المقابلة.
ومن هنا، يمكن قراءة تصاعد هجمات المسيّرات باعتباره انتقالًا جزئيًا في طبيعة المعركة، من محاولة السيطرة المباشرة على المدن والأراضي إلى الضغط على البنية التحتية والقدرة الاقتصادية والخدمية للمناطق التي يسيطر عليها الجيش.
لكن هذا التفسير يظل قراءة تحليلية لدوافع الهجمات، وليس دليلًا قاطعًا على أن جميع العمليات نُفذت بهدف تعويض خسائر ميدانية. فإثبات الدوافع يتطلب معلومات أكثر عن الجهات التي خططت للهجمات والأهداف التي اختارتها والنتائج العسكرية التي أرادت تحقيقها.
ثانيًا: أزمة الكهرباء.. لماذا أصبحت المنشآت الحيوية هدفًا؟
شهدت الفترة الأخيرة سلسلة من الهجمات على منشآت كهربائية في مناطق متعددة. ففي 26 أكتوبر، أفادت تقارير بأن هجمات استهدفت محطات في سنجة والفاو والحواتة ومشكور والجنيد، وتسببت في انقطاعات واسعة للكهرباء في أجزاء من ولايات الجزيرة وسنار والقضارف والنيل الأبيض.
وفي 27 أكتوبر، تعرضت محطة المريخيات شمال غربي أم درمان لهجوم أدى إلى خروجها من الخدمة وتأثر إمدادات الكهرباء في مناطق واسعة، بحسب تقارير نقلت عن مصادر في قطاع الكهرباء. وفي اليوم التالي، تحدثت تقارير عن استهداف محطة كهرباء في المناقل، إلى جانب مواقع لتخزين الوقود.
وقد نسبت مصادر سودانية ودولية عددًا من هذه الهجمات إلى قوات الدعم السريع، فيما أكدت شركة كهرباء السودان وقوع الأضرار والانقطاعات، مع الإشارة إلى أن بعض تفاصيل المسؤولية عن الهجمات لم يتسنَّ التحقق منها بصورة مستقلة.
لماذا الكهرباء تحديدًا؟
لأن الكهرباء ليست خدمة منفصلة عن بقية قطاعات الحياة، بل تمثل عصبًا للمياه والصحة والاتصالات والإنتاج الزراعي والصناعي. وتعطيلها قد يوقف محطات ضخ المياه، ويؤثر في المستشفيات، ويرفع تكاليف الإنتاج، ويعطل الأسواق والخدمات، ويضاعف معاناة المواطنين في المناطق المتضررة.
كما أن استهداف محطات الكهرباء قد يفرض على الدولة إنفاق موارد إضافية على الإصلاح والصيانة، ويؤخر إعادة تأهيل المدن وعودة النازحين، ويضعف الثقة في قدرة المؤسسات على استعادة الخدمات بصورة مستقرة.
ومن الناحية العسكرية، قد يكون تعطيل الكهرباء وسيلة لإرباك الإدارة والخدمات في المناطق الخاضعة لسيطرة الخصم، وإجباره على توزيع موارده بين العمليات القتالية وإصلاح المنشآت وتأمينها. غير أن الأثر الأكبر يقع غالبًا على السكان الذين لا يملكون القدرة على تعويض الخدمات المفقودة.
وتزداد خطورة هذا النوع من الهجمات عندما تتكرر في مناطق بعيدة عن خطوط المواجهة المباشرة، لأن ذلك يوسع دائرة الحرب لتشمل مدنًا ومجتمعات لا تشهد اشتباكات برية مستمرة.
ويظل المبدأ الأساسي هنا أن المنشآت المدنية محمية بموجب القانون الدولي الإنساني، مع مراعاة الأحكام المتعلقة بالأهداف العسكرية والاستخدام المزدوج، وأن أي استهداف يجب أن يخضع لقواعد التمييز والتناسب والاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين.
ثالثًا: اتهامات السودان لإثيوبيا.. تطور يتجاوز حدود الحرب الداخلية
في 28 أكتوبر، أعلنت الحكومة السودانية أنها تمتلك أدلة فنية قالت إنها تربط بعض هجمات المسيّرات بأراضٍ إثيوبية، وعرض مسؤولون سودانيون بيانات عن مسارات الطيران وصور أقمار صناعية وحطام طائرات جرى اعتراضها. وذكرت السلطات، بحسب ما نقلته «سودان تريبيون» و«راديو تمازج»، أن من بين المواقع التي تشير إليها بياناتها مطار بحر دار.
وفي 29 أكتوبر، واصلت وزارة الخارجية السودانية اتهام إثيوبيا بالسماح باستخدام أراضيها لإطلاق المسيّرات، محذرة من أن ذلك قد يهدد أمن السودان واستقرار المنطقة. وأكد مسؤولون سودانيون احتفاظ بلادهم بحقها في حماية أراضيها وأمنها بالوسائل المشروعة.
لكن من الضروري التمييز بين إعلان الحكومة السودانية عن أدلة تقول إنها تمتلكها وبين التحقق المستقل من تلك الأدلة. فقد أشارت تقارير صحفية إلى أن البيانات الفنية ومسارات الطيران المعلنة لم يتسنَّ التحقق منها بصورة مستقلة، كما لم يكن هناك رد إثيوبي جديد مؤكد على الاتهامات الأخيرة وقت نشر تلك التقارير.
وتأتي هذه التطورات في ظل توتر سابق بين الخرطوم وأديس أبابا بشأن اتهامات مماثلة. وكانت إثيوبيا قد رفضت اتهامات سودانية في مايو 2026، ووصفتها بأنها لا أساس لها، كما وجهت بدورها اتهامات إلى السودان بشأن دعم جماعات معارضة لها. ويعكس هذا التبادل حجم التوتر الذي بات يحيط بالعلاقات بين البلدين.
إذا ثبت استخدام الأراضي الإثيوبية في إطلاق هجمات على السودان، فسيكون لذلك أثر يتجاوز الدعم العسكري غير المباشر إلى مسألة أمن الحدود والعلاقات بين الدولتين، وقد يدفع الأزمة إلى مستوى إقليمي أكثر حساسية. أما إذا بقيت الاتهامات دون تحقيق مستقل، فستظل جزءًا من المواجهة السياسية والإعلامية التي ترافق الحرب.
وتكمن أهمية القضية في أن السودان لا يواجه تحديًا عسكريًا داخليًا فحسب، بل يجد نفسه أمام احتمال تداخل الصراع مع حسابات إقليمية تتصل بالنفوذ والحدود وأمن القرن الأفريقي. ولذلك، فإن التعامل مع الاتهامات يحتاج إلى أدلة قابلة للفحص، وتحرك دبلوماسي واضح، وتجنب اتخاذ خطوات تصعيدية لا تستند إلى نتائج موثوقة.
رابعًا: ما الرسالة التي يريد حميدتي إيصالها عبر هجمات المسيّرات؟
في ظل تراجع نفوذ الدعم السريع في مناطق من الوسط والشرق، يمكن قراءة استمرار هجمات المسيّرات على المنشآت الحيوية من خلال عدة رسائل محتملة، مع التأكيد أن هذه القراءة تحليلية ولا تعني معرفة مؤكدة بالنوايا الداخلية لقيادة الدعم السريع.
الرسالة الأولى: إثبات استمرار القدرة على التأثير.
ق تسعى قيادة الدعم السريع إلى إظهار أن تراجعها عن بعض المناطق لا يعني فقدان القدرة على إلحاق أضرار بالمناطق التي يسيطر عليها الجيش. فالهجمات بعيدة المدى تمنح الطرف الذي ينفذها وسيلة لإظهار حضوره العسكري حتى عندما لا تكون قواته البرية قادرة على الوصول إلى الأهداف نفسها.
وبذلك تصبح المسيّرات وسيلة لإيصال رسالة مفادها أن خطوط السيطرة لا توفر بالضرورة حماية كاملة للمدن والمنشآت، وأن الحرب يمكن أن تستمر بأشكال أخرى حتى مع تغير الخريطة الميدانية.
الرسالة الثانية: رفع كلفة إدارة المناطق المستعادة.
تحتاج المناطق التي ستعيدها الجيش إلى استقرار الكهرباء والمياه والأسواق والخدمات، حتى يتمكن المواطنون من العودة وتستأنف المؤسسات أعمالها. وعندما تتعرض هذه الخدمات لهجمات متكررة، ترتفع كلفة إعادة التأهيل وتتعطل بعض مظاهر الحياة الطبيعية.
وقد يكون الضغط على هذه المنشآت محاولة لإبطاء عودة الحياة إلى المدن، أو إظهار أن استعادة الأرض لا تعني بالضرورة استعادة الأمن والخدمات. لكن إثبات أن هذا هو الهدف المباشر للقيادة المنفذة يتطلب أدلة تتجاوز نتائج الهجمات وحدها.
الرسالة الثالثة: التأثير في معنويات السكان والرأي العام.
إن تكرار انقطاع الكهرباء وتضرر منشآت الوقود يضع المواطنين أمام ضغوط يومية تتعلق بالمياه والصحة والمعيشة. وقد يؤدي ذلك إلى تنامي الاستياء من الأوضاع الأمنية والخدمية، حتى في المناطق التي خرجت من المواجهات البرية.
غير أن الأثر السياسي لهذه الهجمات ليس مضمونًا؛ فقد يؤدي استهداف المرافق المدنية إلى زيادة الغضب الشعبي تجاه الجهة التي تُتهم بتنفيذه، بدلًا من إضعاف الثقة في السلطات القائمة.
الرسالة الرابعة: توسيع الضغط الإقليمي والدولي.
قد تكون للهجمات وظيفة تتجاوز الميدان، تتمثل في إبقاء الحرب حاضرة في الحسابات الدولية، وإظهار أن الصراع لم يُحسم، وأن أي تسوية سياسية أو أمنية لا يمكن تجاهل الطرف الذي يملك القدرة على مواصلة العمليات.
أما الاتهامات السودانية لإثيوبيا، فإن صحتها، ستضيف بُعدًا إقليميًا إلى هذه المعادلة. لكن لا يمكن الجزم بوجود تنسيق مباشر بين أي طرف خارجي وقيادة الدعم السريع اعتمادًا على الاتهامات وحدها، ما لم تظهر أدلة مستقلة تؤكد ذلك.
وفي المحصلة، يمكن فهم هذه الرسائل بوصفها محاولة محتملة لتحويل القدرة على تنفيذ هجمات بعيدة المدى إلى ورقة ضغط عسكرية وسياسية، لكن ذلك لا يثبت أن الهجمات ستؤدي بالضرورة إلى تغيير موازين القوى أو تحسين شروط التفاوض.
خامسًا: ما رؤية القوى المدنية المتحالفة مع الدعم السريع؟
تتطلب الإجابة عن هذا السؤال التمييز بين قوات الدعم السريع بوصفها طرفًا عسكريًا، والقوى السياسية والمدنية التي انضمت إلى تحالف «تأسيس» المرتبط بها. فوجود هذه القوى ضمن تحالف واحد لا يعني أن جميعها تتبنى المواقف نفسها في كل القضايا، أو أن لديها رؤية موحدة بشأن العمليات العسكرية واستهداف المنشآت المدنية.
وبحسب تقرير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء الصادر في أكتوبر 2026، يضم تحالف «تأسيس» قوى سياسية وحركات مسلحة ومجموعات مدنية، ويستند إلى ميثاق تأسيسي وُقّع في نيروبي في فبراير 2025. وهذا التكوين المتعدد يجعل من الضروري عدم اختزال جميع مكوناته في موقف واحد دون الرجوع إلى بياناتها وتصريحاتها المحددة.
وتبرز في هذا السياق ثلاثة أسئلة أساسية:
أولًا: هل تمتلك هذه القوى مشروعًا سياسيًا مستقلًا؟
المفترض أن يُقاس استقلال أي تحالف مدني بقدرته على تحديد موقف واضح من وقف الحرب وحماية المدنيين ووحدة البلاد وشكل الحكم الانتقالي، لا بمجرد إعلان مواقف سياسية عامة. كما ينبغي أن يكون قادرًا على التعبير عن اعتراضه على أي ممارسات عسكرية تضر بالسكان، بصرف النظر عن الطرف الذي يرتكبها.
ثانيًا: كيف تتعامل مع استهداف الكهرباء والأعيان المدنية؟
لا يكفي إعلان تأييد الحل السياسي إذا لم يصاحبه موقف واضح من حماية المنشآت المدنية ورفض الهجمات التي تعرض حياة المواطنين للخطر. وفي المقابل، لا يصح نسبة تأييد هذه الهجمات إلى جميع القوى المدنية المتحالفة مع الدعم السريع من دون تصريحات أو أدلة محددة.
ويظل الاختبار الحقيقي لهذه القوى هو مدى استعدادها لاستخدام نفوذها السياسي للمطالبة بحماية المدنيين، والمساعدة في فتح ممرات إنسانية، ودعم وقف إطلاق النار، والقبول بمساءلة مستقلة عن الانتهاكات التي تثبت مسؤولية أي طرف عنها.
ثالثًا: هل تستطيع الفصل بين التسوية السياسية والحسابات العسكرية؟
واجه التحالفات المدنية المرتبطة بأطراف مسلحة تحديًا يتعلق بقدرتها على إثبات أنها ليست مجرد واجهة سياسية للعمل العسكري. ويتطلب ذلك إعلان مواقف واضحة بشأن مستقبل الدولة، ورفض احتكار السلاح للعملية السياسية، وتقديم ضمانات بشأن المشاركة المدنية والتداول السلمي للسلطة.
كما أن رفض بعض المبادرات السياسية أو الاعتراض على شروطها لا يعني بالضرورة رفض الحوار من حيث المبدأ. لكن استمرار الغموض بشأن الموقف من وقف الحرب، والهياكل السياسية الموازية، وحماية المدنيين، قد يزيد الشكوك في قدرة التحالف على تقديم مشروع وطني يحظى بقبول واسع.
إن دور القوى المدنية، سواء كانت متحالفة مع الدعم السريع أو مع الجيش أو مستقلة عنهما، ينبغي أن يتمثل في توسيع فرص السلام، لا في نقل الاستقطاب العسكري إلى المجال السياسي. ويظل معيار الحكم على مواقفها هو ما تعلنه وتفعله فعليًا، لا مجرد انتمائها إلى تحالف معين.
سادسًا: بين الضغط العسكري والتسوية السياسية
تكشف التطورات الأخيرة عن مفارقة أساسية في الحرب السودانية: فكلما اتسعت الهجمات على البنية التحتية، ازدادت الحاجة إلى تسوية توقف القتال، لكن اتساع الأضرار وتراكم الاتهامات والتدخلات الخارجية قد يجعل الوصول إلى هذه التسوية أكثر تعقيدًا.
وقد تحاول الأطراف استخدام قدراتها العسكرية لتحسين موقعها السياسي، إلا أن استهداف المنشآت الحيوية لا يضمن تحقيق مكاسب تفاوضية؛ إذ قد يوسع دائرة الرفض الشعبي، ويزيد الضغوط الدولية ويضعف فرص بناء الثقة اللازمة لأي اتفاق.
وفي المقابل، لا يمكن اختزال الحل في التفوق العسكري أو استعادة المدن وحدها، لأن استقرار السودان يتطلب معالجة الأسباب السياسية والأمنية للحرب، وحماية المدنيين، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وفتح المجال أمام عملية سياسية تشارك فيها القوى المدنية والمجتمعية.
وتبرز هنا أهمية الدور الإقليمي والدولي في التحقق من الاتهامات المتعلقة باستخدام أراضي دول الجوار، والحد من تدفق السلاح، ومنع تحول السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية. كما تبرز ضرورة أن تكون حماية البنية التحتية المدنية جزءًا واضحًا من أي تفاهم لوقف الأعمال العدائية.
تؤكد تطورات أواخر أكتوبر 2026 أن الحرب في السودان تدخل مرحلة تتزايد فيها أهمية المسيّرات واستهداف البنية التحتية، في وقت تتواصل فيه التحولات الميدانية على جبهات كردفان ودارفور والنيل الأزرق.
وتطرح الهجمات على محطات الكهرباء سؤالًا يتجاوز طبيعة السلاح المستخدم إلى الغاية من استهداف الخدمات التي يعتمد عليها المواطنون. فقد تمثل هذه العمليات محاولة لإثبات استمرار القدرة العسكرية والضغط على المناطق التي يسيطر عليها الجيش، لكنها تحمل أيضًا مخاطر تعميق الأزمة الإنسانية وإطالة معاناة السكان.
أما اتهامات السودان لإثيوبيا، فتفتح ملفًا إقليميًا حساسًا يتطلب تحقيقًا مستقلًا ومعلومات قابلة للتحقق، حتى لا تتحول الأزمة إلى مواجهة أوسع بين الدولتين. وفي الوقت نفسه، تواجه القوى المدنية المتحالفة مع الدعم السريع اختبارًا سياسيًا يتمثل في قدرتها على تقديم موقف واضح من حماية المدنيين ووقف الحرب ومستقبل الدولة، بدلًا من الاكتفاء بالمواقف العامة.
وفي نهاية المطاف، لن يُقاس مستقبل الصراع بعدد المسيّرات التي تصل إلى أهدافها، أو بحجم الأضرار التي تلحق بمحطات الكهرباء، بل بقدرة السودانيين على وقف الحرب واستعادة الخدمات وبناء مسار سياسي يحفظ وحدة البلاد وحقوق مواطنيها. فاستهداف البنية التحتية قد يفاقم الضغط العسكري، لكنه لا يقدم وحده حلًا للأزمة السياسية التي دفعت السودان إلى هذه ا لحرب.


