ليس منصب الأمين العام للأمم المتحدة مجرد موقع دبلوماسي رفيع تتنافس عليه الدول، ولا مكافأة سياسية تمنحها التوازنات الدولية لمن تراه مناسباً، إنه موقع تتجسد فيه أمانة المجتمع الدولي، وتختبر من خلاله مصداقية المنظمة التي أُنشئت لحماية السلم والأمن الدوليين وصون كرامة الإنسان.
ومن هنا تبرز إشكالية ترشيح دولة الإمارات العربية المتحدة (لانا زكي نسيبة) لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة في وقت تحيط بالدور الإماراتي في الحرب السودانية اتهامات خطيرة وثقتها تقارير حقوقية وتحقيقات دولية، فقد تناولت تقارير بعثة تقصي الحقائق التابعة لمجلس حقوق الإنسان، ومنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش أدلة وقرائن تتعلق بإمداد قوات الدعم السريع بالسلاح، والمعدات والدعم اللوجستي، فضلاً عن شبكات عابرة للحدود ساهمت في استمرار الحرب، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي، لكنها تظل مسائل تستوجب التحقيق والمساءلة الجادة، لا التجاهل أو التوظيف السياسي.
إن المادة 97 من ميثاق الأمم المتحدة تجعل تعيين الأمين العام رهنا بتوصية مجلس الأمن وقرار الجمعية العامة، فيما تؤكد المادة 100 استقلاله عن تعليمات الحكومات، كما تقتضي معايير الاختيار توافر أعلى درجات الكفاءة، والنزاهة والالتزام بمقاصد الميثاق ومبادئه.
وهنا ينبغي التمييز بين المسؤولية القانونية للدولة والمسؤولية الشخصية للمرشح، فلا يجوز تحميلها تلقائياً تبعات أفعال دولتها، لكن من المشروع مساءلتها عن رؤيتها لاستقلال المنصب وموقفها من التقارير الدولية والضمانات التي ستقدمها بشأن التعامل مع الاتهامات الموجهة إلى الدولة التي رشحتها، لا سيما إذا علمنا أن المرشحة كانت تشغل ممثل دولة الإمارات في الأمم المتحدة، وكانت تنفي وتدافع عن دولتها ولا تأبه بالتقارير الدولية والحقوقية التي ترصد تلك الانتهاكات.
إن السؤال الذي ينبغي أن يواجه مجلس الأمن ليس ما إذا كانت المرشحة تمتلك الخبرة الدبلوماسية فحسب، بل كيف يمكن ضمان حياد القيادة الأممية في ملف تتهم فيه الدولة المرشحة بتقديم الدعم لأحد أطرافه؟ فالأمم المتحدة لا تحتاج إلى أمين عام يجيد تمثيل التوازنات الدولية بقدر ما تحتاج إلى أمين عام يستطيع حماية مبادئها من تلك التوازنات، وليس من المقبول أن تتحول معاناة السودان إلى هامش في حسابات اقتسام النفوذ الدولي، أو أن تصبح دماء ضحاياه أقل وزناً من المصالح الدبلوماسية.
إن النزاهة ليست امتيازاً تمنحه الدول لمرشحيها، بل شرطاً أخلاقياً ومؤسسياً لقيادة العالم، فمن يطلب قيادة الضمير الدولي عليه أولاً أن يجيب عن أسئلة الضمير.


