قد يصدر القرار من مكتب واحد، لكن مصيره قد يتحدد في عقول الملايين. وقد تمتلك مؤسسة سلطة اتخاذ القرار، لكنها لا تملك وحدها القدرة على ضمان قبوله أو كسب ثقة الناس به. ففي عالم تتسارع فيه المعلومات وتتغير فيه القناعات، لم يعد كافياً أن تعرف المؤسسات ما تريد فعله، بل أصبح عليها أن تفهم كيف يرى المجتمع ما تفعله ولماذا يقبله أو يعترض عليه.
فالسلطة تستطيع إصدار القرار، لكن الرأي العام يستطيع التأثير في كلفته، وفرص نجاحه وما يترتب عليه من ثقة أو تراجع في القبول. ومن هنا، لم يعد فهم اتجاهات المواطنين ترفاً بحثياً، بل ضرورة لكل مؤسسة تريد أن تقرأ الواقع كما هو، لا كما تتمنى أن يكون.
وهنا تبرز أهمية استطلاعات الرأي العام فهي ليست مجرد أسئلة تُطرح على الناس، أو أرقام تُجمع لتحديد نسبة المؤيدين والمعارضين. حين تُصمَّم وفق أسس علمية، فإنها تساعد على اكتشاف ما وراء المواقف، دوافعها، مصادر القلق، ترتيب الأولويات والبدائل التي يراها المواطنون أكثر ملاءمة لواقعهم.
فالفرق كبير بين أن نعرف موقف المواطن، وأن نفهم الأسباب التي صنعت ذلك الموقف.
وهذه المسافة بين التصنيف والفهم تكتسب أهمية خاصة في السودان، حيث طغت على جانب من نقاشاتنا تسميات مثل (قحاتة) ، و(كيزان) ، و(فلول) ، و(دولة ٥٦) و (دولة البحر والنهر) . وبمرور الوقت، أصبح بعضنا يقرأ موقف الآخر من خلال الخانة التي وضعه فيها، بدلاً من الاستماع إلى ما يقوله فعلاً.
لكن هل تختصر هذه التصنيفات مجتمعاً بتنوع السودان؟ وهل يعني الاختلاف السياسي أن الناس يختلفون في كل شيء، أو أن الانتماء إلى تيار معين يجعل جميع أفراده يتبنون المواقف نفسها؟
قد نختلف في تفسير الأزمة السياسية، أو الاقتصادية أو الاجتماعية، لكننا نتفق جميعا على ضرورة تأمين مستقبل أبنائنا، وتحسين المعيشة، واستعادة الخدمات وتحقيق الأمن. وقد يتبنى شخصان الخطاب السياسي نفسه، بينما تختلف أولوياتهما وتصوراتهما للحلول.
هذه المساحات لا تظهر بوضوح حين نكتفي بتقسيم المجتمع إلى معسكرات متقابلة لكنها تصبح قابلة للاكتشاف عندما نطرح أسئلة تتجاوز الانتماءات إلى التجارب والاحتياجات والتوقعات.
بدلاً من أن نسأل المواطن مع أي معسكر أنت؟ يمكن أن نسأله ما القضية الأكثر إلحاحاً بالنسبة إليك؟ ولماذا؟ وما الحل الذي تثق في قدرته على تحسين واقعك؟
ليس الهدف إلغاء الخلاف السياسي أو تجاهل المسؤولية عن المواقف والأفعال، بل التمييز بين ما نفترضه عن الناس وما تكشفه إجاباتهم بالفعل. فاستطلاعات الرأي الجادة لا تصنع توافقاً مصطنعاً، ولا تضمن أن يتفق الجميع وإنما تساعدنا على فهم مواضع الاتفاق والاختلاف، بعيداً عن الأحكام المسبقة.
ولنتأمل واقعاً سودانياً ملموساً، إذا أرادت جهة مسؤولة تحديد الأولوية الأكثر إلحاحاً للمواطن، فهل تبدأ بتحسين المعيشة، أم بتوفير الخدمات الصحية، أم معالجة تحديات القبول الجامعي وما تثيره من تساؤلات لدى الطلاب وأسرهم، أم بتعزيز الأمن؟
قد يقدم المسؤول تقديره، ويطرح الخبير رؤيته، وتعرض منصات التواصل مواقف متباينة. لكن أياً من ذلك لا يكفي وحده لإثبات ما يراه المجتمع أولوية.
هنا يقدم الاستطلاع المنضبط أداة تساعد على التمييز بين الانطباعات والاتجاهات التي تكشفها البيانات. غير أن موثوقية نتائجه تتوقف على صياغة الأسئلة، وطريقة اختيار المشاركين، ومدى تمثيلهم للفئات المستهدفة، وشفافية التحليل. فالتصويت الإلكتروني المفتوح قد يكشف اتجاهات المشاركين فيه، لكنه لا يمثل تلقائياً جميع السودانيين، مهما بلغ عدد الإجابات.
وتزداد أهمية هذه المعرفة في ظل الحرب، التي لم تغيّر ظروف المعيشة وحدها، بل أعادت ترتيب احتياجات الأسر وتوقعاتها. لذلك لا ينبغي افتراض أن أولويات المواطن ظلت ثابتة، أو أن تجربة فئة من السكان تكفي لفهم تجارب الآخرين. نحن بحاجة إلى بيانات تساعد على رصد هذه التحولات، وتضع تقديرات المؤسسات أمام واقع الناس الفعلي.
وفي هذا الإطار، يبرز دور مركز الخبراء العرب للخدمات الصحفية ودراسات الرأي العام في استكشاف اتجاهات المواطنين تجاه القضايا التي تمس حياتهم. فالمؤسسات البحثية المتخصصة تستطيع الإسهام في تحويل الآراء المتفرقة إلى مؤشرات قابلة للدراسة، بما يتيح للباحثين وصنّاع القرار فهماً أعمق للأولويات المجتمعية، شريطة الالتزام بالمنهجية العلمية والوضوح في عرض النتائج وحدودها.
عزيزي المواطن، إن مشاركتك في استطلاع للرأي ليست مجرد إجابة عن سؤال، إنها فرصة لإيصال تجربتك إلى مساحة أوسع من النقاش العام. عبّر عن رأيك كما هو، لا كما تتوقع أن يرغب الآخرون في سماعه فالمعرفة الجادة تبدأ حين نمنح الناس فرصة التعبير، ثم نحسن الإصغاء إلى ما يقولونه.
●ندعوك إلى المشاركة في الاستطلاع عبر الرابط التالي:
🔗 شارك برأيك:
https://forms.gle/rmj8E7Le6KX7UQZ3A
في «الجسر والمورد»، ننظر إلى صوت المواطن باعتباره مورداً وطنياً، وإلى المعرفة باعتبارها جسراً يصل بين الواقع والقرار. فكلما فهمنا المجتمع بصورة أدق، ازدادت قدرتنا على تحديد الأولويات، وتصميم الحلول، وبناء سياسات أقرب إلى احتياجات الناس.
قد يبدأ التغيير بقرار، لكن القرار الأفضل قد يبدأ بسؤال صحيح، وإجابة صادقة ومعرفة تحترم عقل المواطن.
#أصل_القضية ،نعبر بالوعي… لنبني بالمعرفة.


