Popular Now

وجه الحقيقة |المجتمع بعد الحرب: ما الذي تبقى منا؟ .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

رسالة فكرية من مواطن سوداني يحب المملكة العربية السعودية وتخرج في احدي جامعاتها العريقة جامعة الكنز المؤسس الملك عبدالعزيز رحمه الله تعالي .. بقلم/ د.بابكر عبدالله محمد علي

منشورات د. أحمد المفتي .. دور الكيانات الدينية ، والقبلية ، والادارات الاهلية ، في سودان الغد

الفسوق بعد الإيمان وصناعة المصطلحات .. بقلم/ اللواء (م) مازن محمد إسماعيل

📍الكلام هو اللفظ المفيد، واللفظ صوتٌ يشتمل الأحرف الهجائية ويتكون من كلمتين أو أكثر على وجه الحقيقة أو التقدير، وينقسم الكلام إلى اسم (يدُل على معنىً في نفسه دون زمن) ، و فعل (يدُل على معنىً في نفسه مُقيَّداً بالزمن) ، و حرف (وهو كلما ليس باسم ولا فعل ويدل على معنىً في غيره). ويكون الكلام في ست صور: 1️⃣إسمين ، 2️⃣فعل و اسم ، 3️⃣فعل واسمين، 4️⃣فعل وثلاثة أسماء، 5️⃣فعل وأربعة أسماء، 6️⃣جملتين، وهذا يشير إلى أهمية الأسماء التي لا يكون كلامٌ بغيرها ، ولا يفيد بيانٌ بدونها ، فالاسم يُطلق على البشر، والحيوان، والنبات، والجماد، والبلاد، والمعاني، والصفات، والضمائر، والإشارة بالإضافة لاسم الموصول ، ومن ذلك قد نستوعب لماذا كانت الأسماء من أوَّل ما علَّمه ربنا لآدم عليه السلام {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا}.

📍إن أي عملية تزييف أو تزوير أو افتراء للحقائق لابد وأن تتم عبر التلاعب بالإسم ومدلولاته ، أو استغلال جهل المُخاطَب بالاسم ومدولاته (بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، فالتلاعب بالأسماء هو إخراجها عن مدلولاتها الصحيحة أو تدليس هذه المدلولات بتسميتها بغير مسمياتها ، وذلك يقود إلى الخروج من حُسن الإفادة إلى سوء الإفادة ، والتي يترتب عليها سوء الفهم والفعل ، والفسوق لُغَةً هو الخروج عن المألوف والمعتاد والفطرة ، وإخراج الأسماء عن مدلولاتها الصحيحة فسوقٌ يفضي إلى ضلال.

📍أكبر عمليات تزوير للتاريخ والأديان والقِيَم تتم من خلال التلاعب بالأسماء بإحدى وسيلتين: 1️⃣ترجمة الأسماء ، 2️⃣تفسير الأسماء ، رغم أنه من البديهيات أن الأسماء لا تُتَرجم ولا تُعلَّل ، فعلى سبيل المثال الذي سبق أن ضربه الراحل أحمد ديدات عليه رحمة الله: Mr. Black هو السيد بلاك، ولا يمكن أن يكون هو السيد أسود، ولكن كُتب التوراة والإنجيل الحالية ومن بعدها كُتب التاريخ وعهود القانون الدولي والإنساني … عمد مُترجموها ومُفسِّروها إلى خرق هذه القاعدة بشكل ممنهج.

📍إحدى أهم أدوات التلاعب بالأسماء هي تدليسها بصناعة المُصطلحات كبديلٍ عنها ، والاصطلاح كلِمةٌ مُشتقَّةٌ من التصالُح ، ويعني اتفاق قومٍ على تسمية الشيء باسمٍ ما ينقله عن موضوعه الأول ، وإخراج اللَّفظ من معنىً لغويٍّ إلى آخر لمناسبةٍ بينهما، وقيل هو اتفاق طائفةٍ على وضع اللَّفظ بإزاء المعنى، وقيل إخراج الشيء عن معنىً لغويٍّ إلى معنىً آخر لبيان المراد، وقيل هو لفظٌ معيَّنٌ بين قومٍ معينين ، وهذا الذي فتح أكبر أبواب الفسوق بعد الإيمان، واتخذه أهل الباطل رسناً استبهموا به الناس فقادوهم داجنين إلى مَبارِكِ الانحطاط والرذيلة فأناخوهم بها.

📍المدنيَّة Civil في العربية نِسبةٌ إلى المدينة ،وفي الإنجليزية مُشتقَّّة من الحضارة Civilization، والمدينة هي مُرتكز الحضارة، وكلُّ حضاةٍ مدنية .. وليست كلُّ مدنيةٍ حضارة ، ويخلط البعض ما بين الحداثة والمدنية والحضارة ، ولذلك فالمدنيَّة اسمٌ يستتبع الحضارة، والحضارة اسمٌ يتنافى مع التخلُّف والاستبداد، وهي بذلك من المؤكد أنها ضد اغتصاب السلطة بأي قوةٍ أو شرعيَّةٍ سوى التراضي الوطني العام الذي تطوَّر التعبير عنه لصيغة الانتخاب الديمقراطي، وعملية تصوير المدنية كمفهومٍ مناهضٍ للاستيلاء على السلطة بالقوة العسكرية، ولكنه مُتصالحٌ مع الاستيلاء عليها بالقوى الأجنبية ، أو أنه معادٍ لِقِيَم الإسلام والفطرة، ولكنه مُحفِّزٌ للانفلات الأخلاقي والرذيلة والانحلال .. لا يعدو أن يكون تلاعباً بالمصطلح فيُحَرِّفونه من بعد مواضعه بخلاف ما تُعَرِّفه به كل الفلسفات والقوانين والأعراف في العالم.

📍وضع القرآن للمُتَدبِّر خصائص تُمَيِّز مجتمع القرية عن مجتمع المدينة عن مجتمع البادية ، ومن ذلك أن مكة ستبقى قريةً .. بل هي أم القرى مهما تراكم فيها الحدثان وتطاول بها البنيان ، والقرآن جعل من يثرب مدينة ، فقد كان أول ما أنجزه ﷺ عند هجرته إليها عام ٦٢٣م أن وضع بها أوَّل دستورٍ مدنيٍّ مكتوبٍ من ٥٢ مادة وتراضى عليه أهلها باختلاف أديانهم وأعراقهم وظروفهم ، والتزم به ﷺ على امتداد حياته ، واستلهمته من بعده كل الممالك الإسلامية ، وقد أطنب في مدح ذلك الدستور المؤرِّخون والمستشرقون والقانونيون على مدار التاريخ الإسلامي والإنساني ، واعتبره أغلبهم مفخرةٌ من مفاخر الحضارة الإسلامية ومَعلَماً من معالم مجدها السياسي والإنساني ، وتكفي الإشارة لعدل وتسامح وعملية ذلك الدستور بأن الإمبراطورية الإسلامية في أقصى اتساعها لم تتجاوز فيها نسبة المسلمين إلى غيرهم من أهل الملل الأخرى عن ٣٠% من سكانها.

📍الدولة المدنية Civil State هي دولةٌ تُحافظ وتحمي كل أعضاء المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم القومية أو الدينية أو الفكرية ، وتقوم فيها الحقوق على أساس المواطنة المتساوية ، وسيادة القانون ، وتلتزم بمبدأ الديمقراطية ، والفصل بين السلطات ، وتقوم فيها العلاقات على أساس القبول والتسامح والسلام ضمن غِطاءٍ أخلاقي ، وتتفق الدولة المدنية مع الدولة العالمانية في عدم دعوتهما لمفهومٍ ديني للدولة، ولكن فيما تتخذ العالمانية موقف العداء مع الدين ، فإن المدنية لا تعادي الدين، وتتعامل معه كرافدٍ اجتماعي وثقافي، فالعلمانية ترفض إقحام الدين في التشريعات والقوانين حتى ولو كان هو خيار الأغلبية، ويُثبت الواقع المعاش في دول أوربا وأمريكا وإسرائيل انتقائية العالمانيين في تطبيق هذا المبدأ وتكريسه ليكون ضد الإسلام وقِيَمه ، فيما الدولة المدنية تخضع للاستحقاق الديمقراطي في ارتباط الدين بالتشريعات والقوانين، والدولة العلمانية تفرض المساواة على الجميع ، بخلاف الدولة المدنية تفرض العدل والذي قد لا يعني المساواة، ثم أن الدولة العالمانية لا تهتم لنظام الحكم أن يكون ديمقراطياً أو ملكياً أو حِزبياً أو عسكرياً أو برلمانياً .. إلخ ، ولكن الدولة المدنية تشترط شرعيتها الانتخاب الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة.

📍الديمقراطية كلمة إغريقية dēmokratía وتعني حكم الشعب لنفسه عن طريق الانتخاب الذي يمنح السلطة للأكثرية مع حفظ حقوق الأقليات ، ويقابل ذلك الأوليغارشية Oligarchy والتي تعني حكم الأقلية بحيث تكون السلطة السياسية محصورةٌ بيد فئةٍ صغيرةٍ من المجتمع تتميز بالمال أو النَّسَب أو القوة العسكرية أو النفوذ الأجنبي ، وبالنظر إلى تعريفات هذه المصطلحات بحسب العهود والقوانين الدولية والوطنية .. فإنه سيتضح حجم التدليس والتلاعب الذي تقوم به الدول والمنظمات والحكومات والنُّخب والإعلام في إضفاء صفة المدنية والديمقراطية على فئةٍ أو حزبٍ أو نظامٍ أو حكومة .. ونزعها من آخرين ، وذلك وفق ما يتسق ومصالحهم وتحيزاتهم ، وقد سبق أن أثبتنا قطعياً كيف أن كل ديمقراطيات العالم ليست سوى أوليغارشيات تتحكم في مصائر الشعوب (مقال سابق بعنوان الصراع المحموم على جحيم الديمقراطية المحتوم بتاريخ ٣٠ أبريل ٢٠٢٤م) ، وذلك مما يستوجب على المسلمين والسودانيين خاصةً .. استلهام أفضل صِيَغ الشورى التي تناسب العدل واحترام استقلالية رأي الفرد عِوضاً عن الببغائية في تقليد الرجل الأبيض مهما بلغ مستوى فشل نماذجه التي لا تناسب قيمنا وثقافتنا وتاريخنا وظروفنا.

📍إن ذات الإزدواجية في تفسيرات الغرب وأذياله للمصطلحات أعلاه وتلاعبهم بها .. سنجده فاشياً في غيرها من المصطلحات الأخرى التي يتم اجترارها في كل حينٍ وآن .. مثل : الشرعية، السيادة، الثورة، الانقلاب، الخيانة، الإرهاب، الحُرية، حقوق الإنسان، الاستخدام المفرط للقوة، استهداف المدنيين، الأضرار الجانبية، الإفلات من العقاب، الاقتصاد الحُر، الحِمائية التجارية، الحق في الدفاع عن النفس، العدوان، التطرُّف، الإبادة الجماعية، العدالة الوطنية، العدالة الدولية ، الحقوق فوق الدستورية … إلخ ، وهو ما يلبس على الكثيرين مواقفهم ويجعلهم يقاتلون في صفوف أعدائهم ضد أنفسهم، ويكفي مثالاً على ذلك للتوضيح أنه ومنذ مطلع العام الجاري ٢٠٢٥م، وحتى حادثة إطلاق النار على مدرسةٍ ابتدائيةٍ في مينسيوتا قبل أربعة أيام ،والتي قامت بها شاذة جنسية بيضاء متحوِّلة إلى رجل، فقتلت طفلين وأصابت سبعة عشر آخرين .. لتبلغ حوادث إطلاق النار الجماعية الإرهابية في أمريكا خلال ثمانية أشهر فقط ٢٥٧ حادثة إرهابية نفَّذها يهود ومسيحيون ومثليون، ولا توجد إشارة واحدة في أمريكا أو العالم تصف هؤلاء القتلة بالإرهابيين أو تنعت هذه الجرائم بالإرهاب.

📍إن أي حوار لا يقوم على وِحدة مفاهيمية ، وأرضية قِيَمية ومعرفية مشتركة .. سيتحول إلى جدلٍ عقيمٍ لا طائل منه، بل هو نوعُ من النقاش الذي يضر ولا ينفع، ولذلك فإن القرآن وجَّهنا إلى أن هناك من لا يفيد معهم إلا الإعراض والتجاهل، والمؤمن كيِّسٌ فطِن، ولا ينبغي أن تفوته المغازي الفاسدة التي يعمد الباطل إلى تمريرها من خلال مصطلحاتٍ صنعها وأدمن التلاعب بمضامينها، وهذا أسلوبٌ قديمٌ مُتَجدِّد وما انفكَّ أهل الباطل يطوِّرونه كل يوم {لَقَدِ ٱبۡتَغَوُا۟ ٱلۡفِتۡنَةَ مِن قَبۡلُ وَقَلَّبُوا۟ لَكَ ٱلۡأُمُورَ حَتَّىٰ جَاۤءَ ٱلۡحَقُّ وَظَهَرَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَهُمۡ كَـٰرِهُونَ}.

لَعَمرُكَ ما الأَبصارُ تَنفَعُ أَهلَها
إِذا لَم يَكُن لِلمُبصِرينَ بَصائِرُ

وَهَل يَنفَعُ الخَطِّيُّ غَيرَ مُثَقَّفٍ
وَتَظهَرُ إِلّا بِالصَقالِ الجَواهِرُ

٣١ أغسطس ٢٠٢٥م

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | أمن الخرطوم بين السياسة والتخطيط التنموي… بقلم/ إبراهيم شقلاوي

المقالة التالية

مسارات … تأثير التغيرات المناخية على الموارد المائية في السودان .. بقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *