Popular Now

منشورات د. أحمد المفتي .. دور الكيانات الدينية ، والقبلية ، والادارات الاهلية ، في سودان الغد

مسارات .. بين الجوار والصراع: قراءة في مقولة د. محمد مختار الشنقيطي عن إيران وإسرائيل .. بقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

من قصص كليلة ودمنه : في دهـاقنة الديوان ولطف الوزيرة .. د. محمد حسن فضل الله

أصل القضية … دبلوماسية الغذاء : عندما تتكلم الجيواستراتيجية .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر .. باحث بمركز الخبراء العرب

حين رست سفينة محمّلة بـ32.5 ألف طن من القمح الأمريكي على أرصفة ميناء بورتسودان، لم تكن مجرد استجابة طارئة لنداء إنساني أطلقه الجوع، بل كانت تعبيرًا حيًّا عن معادلات دولية تتغيّر بهدوء خلف ضجيج البنادق. هذه الشحنة، التي تكفي لإطعام أكثر من ثلاثة ملايين سوداني لمدة شهر، تكشف – لمن يحسن القراءة – أن المساعدات الغذائية لم تعد فعل رحمة، بل فعل سياسة، واستثمار استراتيجي في الجغرافيا المتحوّلة.

أولاً: المساعدات بوصفها أداة لإعادة تعريف النفوذ

في نظام دولي يشهد تشكّل ثنائية قطبية جديدة، تقوده من جهة الولايات المتحدة وشركاؤها الغربيون، ومن الجهة الأخرى قوى صاعدة كالصين وروسيا وتركيا، تتجه أدوات النفوذ إلى أساليب أكثر نعومة، ولكن أكثر تأثيرًا: الغذاء، الطاقة، الموانئ، سلاسل الإمداد، وشبكات الاتصال. وهنا، تبرز المساعدات الغذائية باعتبارها وسيلة لإعادة إنتاج الاصطفافات الدولية، خصوصًا في الدول ذات الأهمية الجيواستراتيجية.

من هذا المنظور، لا يمكن قراءة القمح الأمريكي بمعزل عن السياق الأوسع لإعادة تموضع واشنطن في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، خاصة بعد تزايد النفوذ الصيني في تمويل البنية التحتية، وتنامي الدور الروسي في ملفات الطاقة والأمن.

ثانيًا: السودان من متلقٍ إلى فاعل في معادلة الأمن الغذائي العالمي
في ظل ما يشهده السودان من أزمات مركّبة، فإن تحوّله من طرف منهك إلى مركز للتفاعل مع خرائط التنافس الدولي يتطلب استيعاب لحظة “المحنة-الفرصة”. فبدل أن تكون شحنة القمح مجرد شريان حياة مؤقت، يمكن أن تُوظف كجزء من خطاب سياسي واقتصادي جديد يجعل السودان:

> جزءًا من مبادرة إقليمية للأمن الغذائي بين دول البحر الأحمر والقرن الإفريقي؛

> منصة لتجريب حلول التمويل الذكي للزراعة التعاقدية، بالتنسيق مع مانحين دوليين؛

> مركزًا إقليميًا لتخزين وتوزيع الحبوب، مستفيدًا من موقعه الجغرافي وموانئه.

ثلثًا: الموانئ بوصفها مسارح جديدة للنفوذ الناعم
ليس من قبيل الصدفة أن الشحنات الإنسانية تمر عبر ميناء بورتسودان – الشريان البحري الذي يُعيد إنتاج موقع السودان كـ”عقدة استراتيجية” بين الشرق والغرب. وبينما تنشغل النخب السياسية بالصراع على الخرائط الداخلية، تتحول الموانئ والمعابر والموارد الطبيعية إلى أوراق تفاوض دولي توزّع فيها الأدوار بعيدًا عن المايكروفونات الوطنية.

من هنا، ينبغي على صانع القرار السوداني تبني عقلية “الجسر والمورد”، والتي تعني في هذا السياق:

> استثمار الجسر الجغرافي للسودان كممر ضروري في سلاسل الإمداد الغذائي؛

> تأمين المورد الوطني بإعادة توطين الزراعة المرتبطة بالأمن القومي، لا فقط بالمواسم السياسية؛

> إعادة هندسة المساعدات من حالة الإغاثة إلى مشروع للاستدامة الاقتصادية.

رابعًا: ماذا يعني هذا للسودان في مشهد القطبية المتجددة؟

إذا كانت واشنطن تسعى إلى تحجيم تغلغل بكين في أفريقيا عبر أدوات “الدبلوماسية الغذائية”، فإن السودان – إن أحسن التموضع – يمكنه أن يُوظف هذا التنافس لصالح أجندة وطنية مستقلة، لا تصطف بالكامل مع الشرق أو الغرب، بل تنفتح على شراكات مرنة ذات طابع تكاملي لا تبعي.

وهذا يمكن تحققه إلا من خلال:

١. تشكيل هيئة سيادية للأمن الغذائي ذات بعد دبلوماسي واقتصادي؛

٢. تسليح التفاوض مع المانحين بمعرفة دقيقة بالمصالح الدولية في السودان؛

٣. توجيه الخطاب الوطني نحو تحويل الهشاشة إلى قوة تفاوضية في المحافل الإقليمية.

> السودان لا يحتاج إلى من يطعمه… بل إلى من يعترف بموقعه

أصل القضية ،،، ليست القيمة في عدد الأطنان التي وصلت، بل في ما إذا كنا نملك رؤية استراتيجية لتحويل هذه المعونات إلى عقود نهضوية. فالقوة، كما علمنا التاريخ، لا تُقاس فقط بكم نملك، بل بكيف نُدير ما يُعرض علينا في لحظات الحرج.

وما دامت السفن تصل، فإن السؤال الأهم: هل نحن من يُفرغ حمولتها فقط، أم من يعيد توجيه مسارها؟

المقالة السابقة

ببساطة … لماذا التوجه شرقاً في ظل العقوبات الأمريكية؟ .. بقلم/ د. عادل عبد العزيز الفكي

المقالة التالية

قطاع الطيران الوطني وانسداد الأفق .. بقلم/ كابتن / سيف مرزوق سعد / رئيس الغرفة القومية للنقل الجوى سابقاً

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *