Popular Now

السردية الكاملة لتهشم كتلة الدعم السريع الصلبة وخوار قواه .. بروفيسور على عيسى عبدالرحمن

سلسلة الحرب على السودان (47) الحوار السوداني ـ السوداني يدخل مرحلة جديدة: بين تقوية الجبهة الداخلية وتغير موازين الحرب .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. السودان… إذا كان الكل ذكياً فمن هو الغبي؟ .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

من قصص كليلة ودمنه : في دهـاقنة الديوان ولطف الوزيرة .. د. محمد حسن فضل الله

قَالَ دَبْلَشْلِيمُ الفَيْلَسُوفُ: يَا بَيْدَبَا الحَكِيمُ، قَدْ كَثُرَ فِي زَمَانِنَا اخْتِلَافُ النَّاسِ فِي أَمْرِ الدَّوَاوِينِ وَأَحْوَالِ الخِدْمَةِ، وَبَلَغَنِي مَا وَقَعَ فِي مَدِينَةٍ عَلَى شَاطِئِ البَحْرِ مِنْ حَدِيثِ وَزِيرَةٍ أُزِيحَتْ عَنْ مَنْصِبِهَا، وَقَوْمٍ مِنَ المُوَظَّفِينَ بَقُوا فِي مَوَاضِعِهِمْ كَأَنَّ الأَمْرَ لَمْ يَكُنْ. فَهَلْ عِنْدَكَ فِي ذَلِكَ مَثَلٌ يُبَصِّرُ العَاقِلَ بِعَوَاقِبِ التَّدْبِيرِ وَسُوءِ المَشُورَةِ؟
قَالَ بَيْدَبَا الحَكِيمُ: نَعَمْ أَيُّهَا المَلِكُ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنِ اعْتَبَرَ، وَمَثَلُهُ كَمَثَلِ حِكَايَةِ الوَزِيرَةِ وَدَهَاقِنَةِ الدِّيوَانِ.
قَالَ دَبْلَشْلِيمُ: وَكَيْفَ كَانَ ذَلِكَ؟
قَالَ بَيْدَبَا: يُحْكَى أَنَّهُ فِي مَدِينَةٍ عَامِرَةٍ عَلَى شَاطِئِ البَحْرِ تُدْعَى بُورْسُودَانَ، قَامَتْ شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ اسْمُهَا شَجَرَةُ الخِدْمَةِ المَدَنِيَّةِ، تَتَفَيَّأُ بِظِلِّهَا الوِزَارَاتُ، وَتَسْتَظِلُّ بِأَغْصَانِهَا الدَّوَاوِينُ.
وَكَانَ عَلَى أَحَدِ فُرُوعِهَا وَزِيرَةٌ عُرِفَتْ بِاللُّطْفِ وَاللِّينِ، تُحْسِنُ الظَّنَّ بِالنَّاسِ وَتُؤْثِرُ التَّرَيُّثَ فِي الأُمُورِ.
وَكَانَ فِي جُذُوعِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ دَهَاقِنَةٌ مِنْ مُوَظَّفِي الدَّوَاوِينِ، تَمَرَّسُوا بِأَحْوَالِ الإِدَارَةِ، وَعَرَفُوا دَهَالِيزَهَا كَمَا يَعْرِفُ التَّاجِرُ طُرُقَ السُّوقِ. فَكَانُوا إِذَا دَخَلُوا عَلَى الوَزِيرَةِ قَالُوا:
“إِنَّ أَمْرَ الدِّيوَانِ عَظِيمٌ، وَنَحْنُ أَعْلَمُ بِتَفَاصِيلِهِ، فَدَعِي التَّدْبِيرَ لَنَا، وَلَكِ الإِشْرَافُ وَالرِّضَا.”
فَاطْمَأَنَّتِ الوَزِيرَةُ إِلَى قَوْلِهِمْ، وَظَنَّتْ أَنَّ حُسْنَ الظَّنِّ كَافٍ لِإِقَامَةِ العَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ.
غَيْرَ أَنَّ الأَيَّامَ مَضَتْ، وَبَدَأَ الهَمْسُ يَدُورُ فِي أَرْوِقَةِ الدَّوَاوِينِ عَنْ حَوَافِزَ مِلْيَارِيَّةٍ صُرِفَتْ لِبَعْضِ المُوَظَّفِينَ دُونَ سَائِرِهِمْ، وَعَنْ حُقُوقٍ نَالَهَا قَوْمٌ وَحُرِمَ مِنْهَا آخَرُونَ.
ثُمَّ قِيلَ إِنَّ بَعْضَ الدَّوَاوِينِ لَمْ يَعُدْ يَسْمَحُ لِلْمُوَظَّفِ بِمُوَاصَلَةِ عَمَلِهِ إِلَّا إِنْ كَانَ مِنْ شِلَّةِ الوِزَارَةِ وَأَهْلِهَا، فَكَأَنَّ الدِّيوَانَ صَارَ دَارَ قَوْمٍ دُونَ بَقِيَّةِ النَّاسِ.
وَكَانَتِ الوَزِيرَةُ ـ لِمَا عُرِفَ بِهَا مِنَ اللُّطْفِ ـ تَمِيلُ إِلَى التَّهْدِئَةِ وَالتَّرَيُّثِ، وَتَقُولُ:
“لَعَلَّ الأَمْرَ يُصْلِحُ بِالحِكْمَةِ وَالرِّفْقِ.”
غَيْرَ أَنَّ اللُّطْفَ إِذَا جَاوَزَ حَدَّهُ صَارَ تَرَدُّدًا، وَالتَّرَدُّدُ يَفْتَحُ البَابَ لِأَصْحَابِ الحِيَلِ.
فَلَمَّا كَثُرَ حَدِيثُ النَّاسِ وَاشْتَدَّ اللَّوْمُ، اجْتَمَعَ دَهَاقِنَةُ الدَّوَاوِينِ فِي مَجْلِسٍ خَفِيٍّ، وَقَالَ كَبِيرُهُمْ:
“لَقَدْ كَثُرَ الكَلَامُ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُجْعَلَ لِلْخَطَإِ صَاحِبٌ يَحْمِلُ تَبِعَتَهُ.”
فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَى أَنْ تُحَمَّلَ الوَزِيرَةُ مَسْؤُولِيَّةَ مَا وَقَعَ، مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا حَدَثَ إِنَّمَا كَانَ بِتَدْبِيرِهِمْ أَوْ بِسُكُوتِهِمْ.
فَمَا لَبِثَتِ الأَيَّامُ أَنْ حَمَلَتْ خَبَرًا قَصِيرًا:
إِزَالَةُ الوَزِيرَةِ مِنْ مَنْصِبِهَا.
فَانْصَرَفَ النَّاسُ إِلَى حَدِيثٍ جَدِيدٍ، وَبَقِيَ دَهَاقِنَةُ الدِّيوَانِ فِي أَمَاكِنِهِمْ كَمَا كَانُوا.
فَلَمَّا سَمِعَ دَبْلَشْلِيمُ هَذَا قَالَ: وَمَا العِبْرَةُ فِي ذَلِكَ يَا بَيْدَبَا؟
قَالَ بَيْدَبَا:
إِنَّ العِبْرَةَ ـ أَيُّهَا المَلِكُ ـ أَنَّ مَنْ تَوَلَّى أَمْرَ النَّاسِ لَا يَكْفِيهِ حُسْنُ النِّيَّةِ وَحْدَهُ، بَلْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ بَصِيرَةٍ تُفَرِّقُ بَيْنَ النَّصِيحَةِ الصَّادِقَةِ وَالنَّصِيحَةِ الَّتِي تَلْبَسُ ثَوْبَ الصِّدْقِ وَفِي بَاطِنِهَا مَصَالِحُ أَصْحَابِهَا؛ فَإِنَّ الشَّجَرَةَ إِذَا بَقِيَتْ جُذُوعُهَا عَلَى حَالِهَا، فَإِنَّ تَبْدِيلَ الطُّيُورِ عَلَى أَغْصَانِهَا لَا يُغَيِّرُ مِنْ أَمْرِهَا كَثِيرًا.
ثم ابتسم بيدبا وقال:
وَمِنْ طَرِيفِ الأَمْرِ ـ أَيُّهَا المَلِكُ ـ أَنَّ بَعْضَ دَهَاقِنَةِ الدِّيوَانِ لَمَّا سَمِعُوا بِإِزَالَةِ الوَزِيرَةِ قَالُوا فِي مَجَالِسِهِمْ:
“الحَمْدُ لِلَّهِ، قَدْ أُصْلِحَ الخَلَلُ.”
فَقَالَ أَحَدُ العُقَلَاءِ الَّذِينَ شَهِدُوا الحَالَ:
“إِنَّ العَجَبَ لَيْسَ فِي أَنْ تَطِيرَ عُصْفُورَةٌ مِنْ غُصْنِ الشَّجَرَةِ،
وَلَكِنَّ العَجَبَ كُلَّ العَجَبِ أَنْ تَبْقَى الفُؤُوسُ مَغْرُوسَةً فِي جُذُوعِهَا وَالنَّاسُ يَظُنُّونَ أَنَّ الشَّجَرَةَ قَدْ تَعَافَتْ.”

المقالة السابقة

سلسلة مقالات الحرب على السودان .. التقرير الاستراتيجي رقم (10) .. العقوبات الأمريكية على الحركة الإسلامية في السودان .. السياق التاريخي والأبعاد السياسية .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي

المقالة التالية

مسارات .. بين الجوار والصراع: قراءة في مقولة د. محمد مختار الشنقيطي عن إيران وإسرائيل .. بقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *