Popular Now

منشورات د. أحمد المفتي .. دور الكيانات الدينية ، والقبلية ، والادارات الاهلية ، في سودان الغد

مسارات .. بين الجوار والصراع: قراءة في مقولة د. محمد مختار الشنقيطي عن إيران وإسرائيل .. بقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

من قصص كليلة ودمنه : في دهـاقنة الديوان ولطف الوزيرة .. د. محمد حسن فضل الله

وجه الحقيقة .. التقينا في طريق الجامعة .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

تستعيد اليوم الجامعات السودانية دورها الطليعي في الاستنارة والوعي و إعادة بناء المشروع الوطني. مستلهمة أبيات (عبد المجيد حاج الأمين) ،التي غناها (عبد الكريم الكابلي)، “هبت الخرطوم في جنح الدجى ضمدت بالعزم هاتيك الجراح … و التقينا في “طريق الجامعة” هذه المعاني تظل رمزًا حيًا للنضال الوطني و النهضة المجتمعية التي تقودها الجامعات في بناء المستقبل و شهادة التاريخ.

بالأمس اصدر رئيس الوزراء ،كامل الطيب إدريس، توجيهات لوزارة التعليم العالي و البحث العلمي، بعودة الجامعات إلى العاصمة الخرطوم. بعد توقف قسري دام عامين بسبب الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 إثر الانقلاب الفاشل لمليشيا الدعم السريع و داعميها المحليين و الإقليميين، لحظة فارقة تعكس تقاطع التحولات السياسية و الاجتماعية و التعليمية في السودان.

و لا يمكن فصل هذا القرار عن السياق الأشمل لمحاولات إعادة بناء الدولة، في ظل واقع يتسم بالهشاشة و التعقيد و تعدد التحديات. لكنه يُعبّر في الوقت ذاته عن سعي حثيث لاستعادة رمزية العاصمة كمركز للسيادة و المعرفة و الاستقرار و تعزيز شرعية الدولة و مؤسساتها الأكاديمية.

و من المهم أن يُنظر إلى هذه العودة ليس فقط كقرار إداري، بل كجزء من مشروع سياسي يسعى لإحياء الدولة من خلال ما تحمله الجامعات من رمزية وطنية و مكانة معرفية في الوجدان الجمعي السوداني. فالجامعات، بما تمثله من فضاءات للنقاش و التفكير و الحراك الطلابي، تظل من أبرز المؤسسات القادرة على إعادة تشكيل المزاج الوطني و صياغة رؤى جديدة للمستقبل، في لحظة يتداخل فيها السياسي بالمجتمعي و الرمزي بالواقعي. و من هنا، تُناط بها مسؤولية التقدم في ركب الاستقرار و إرساء دعائم الأمن و السلام.

و يكتسب هذا القرار أهميته من تزامنه مع مؤشرات أوسع على نية الحكومة الانتقال تدريجيًا من العاصمة البديلة بورتسودان إلى الخرطوم، في مسعى لاستعادة مركزية العاصمة القومية كموقع لصناعة القرار الوطني، وكمركز للحياة المدنية. و تأتي عودة الجامعات في هذا الإطار كمحاولة لإعادة رسم حدود جديدة تعبّر عن انسجام ممكن بين المكونين المدني و العسكري في الوعي العام بعد أن كانت تلك العلاقة محل تجاذب و استقطاب واسع.

غير أن هذا الطموح، رغم وجاهته، يصطدم بواقع قاسٍ، يتمثل في هشاشة البنية التحتية للجامعات، و المخاوف الأمنية التي تحتاج الي ترسيخ و غياب خطة شاملة تضمن عودة آمنة و مستدامة للعملية التعليمية. و قد أدى هذا الواقع إلى انقسام داخل المجتمع الأكاديمي، عبّر عدد من الأساتذة و الطلاب عن تحفظاتهم، للعودة بلا ضمانات حيث جاء الرد من وزارة التعليم العالي التي بدأت مجتهده و مهتمة بهذه العودة.

كما تثير العودة تساؤلات جادة حول مدى استعداد الدولة لتحمل مسؤولياتها تجاه الجامعات و طلابها، من حيث إعادة تأهيل القاعات و المعامل، و توفير بيئة تعليمية آمنة، و تخفيف الأعباء المالية عن كاهل الطلاب. ويُفاقم من هذا التحدي استمرار نزيف الكفاءات الأكاديمية إلى الخارج، في ظاهرة تهدد بانهيار منظومة التعليم العالي، و تُقوّض فرص إعادة بناء الشبكة المعرفية و المؤسسية للدولة، ما لم يتم تبنّي مقاربة إصلاحية حقيقية تنهض بها النخب و تتوافق بموجبها على مشروع وطني جامع لإعادة بناء العملية التعليمية.

من هنا، تبرز الحاجة إلى تحالفات إستراتيجية مع القطاع الخاص و المجتمع المدني و الشركاء الدوليين لتوفير الموارد المالية و التقنية اللازمة لإعادة الإعمار. فالجامعات ليست كيانات منعزلة، بل هي مفاصل حيوية في جسد الدولة تحتاج إلى بيئة حاضنة تضمن استدامتها و تعزيز دورها في مسار إعادة البناء الوطني.

إن عودة الجامعات إلى الخرطوم ليست مجرد استئناف للنشاط الأكاديمي، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الدولة على تفعيل الاستجابات العملية، و بناء الثقة المفقودة مع المجتمعات، خاصة فئة الشباب، التي كانت و لا تزال الأكثر تضررًا من الحرب، والأكثر توقًا إلى أفق وطني جامع يعيد دمجهم في مشروع نهضوي يعبر عن تطلعاتهم.

هذا و بحسب ما نراه من وجه الحقيقة فإن هذه العودة محطة مفصلية في مسار إعادة البناء لكنها تحتاج إلى ما هو أبعد من الشعارات و التصريحات، إلى رؤية سياسية متماسكة، و شراكة مجتمعية واعية، و استثمار جاد في التعليم بوصفه أداة للتحول الاجتماعي و المصالحة الوطنية. ذلك وحده هو الكفيل بإعادة الجامعات إلى سيرتها الأولى، كمنارات للمعرفة، و مراكز للإشعاع الفكري و النهضة المجتمعية.
دمتم بخير و عافية.
الأربعاء 17 يونيو 2025 Shglawi55@gmail.com

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي ، رقم 5561 بتاريخ 18 2025 … حقوق المواطنين أهم من الوزارات يا د. كامل إدريس

المقالة التالية

تداعيات الحرب الإيرانية الإسرائيلية علي السودان والمعالجات المطلوبة .. بقلم/ زهيرعبدالله مساعد

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *