Popular Now

منشورات د. أحمد المفتي .. دور الكيانات الدينية ، والقبلية ، والادارات الاهلية ، في سودان الغد

مسارات .. بين الجوار والصراع: قراءة في مقولة د. محمد مختار الشنقيطي عن إيران وإسرائيل .. بقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

من قصص كليلة ودمنه : في دهـاقنة الديوان ولطف الوزيرة .. د. محمد حسن فضل الله

المعلم والمدرس: بين التفهيم والتلقين في ضوء القرآن الكريم .. بقلم/ د. أحمد الطيب السماني الطيب .. مستشار التدريب وأستاذ الإدارة والتنمية

يحتل التعليم في مسيرة الأمم موقعًا محوريًا في صناعة الإنسان، فهو الوسيلة التي تُبنى بها العقول وتُهذّب بها النفوس وتُشكَّل بها الهوية. وفي هذا المضمار، يبرز سؤال جوهري: متى يكون المشتغل بحقل التعليم مدرسًا؟ ومتى يرتقي ليكون معلمًا؟

القرآن الكريم قدّم لنا مفتاحًا بليغًا للتفريق بينهما في قوله تعالى:
﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: 79].
فجعل التعليم غير الدراسة، والمعلم غير المدرس، وإن كان كلٌّ منهما يؤدي دورًا في العملية التربوية.

أولًا: المعلم = يفهّم ويُبصّر.

المعلم في جوهره هو من يُفهم المتعلم، فيأخذ بيده من الجهل إلى العلم ومن الغموض إلى الوضوح. مهمته لا تقف عند حدود نقل المعلومة، بل تمتد إلى تبصير الطالب بالمعنى، ربط الفكرة بالواقع، تحريك العقل نحو التفكير وغرس القيم مع المعرفة.

في الخلاوى ورياض الأطفال، يكون المعلم هو من يربط الحرف بالمعنى، والآية بالسلوك، فيُنشئ الطفل على الفهم قبل الحفظ.

في المدارس، يكون المعلم هو الذي يزرع في الطالب ملكة السؤال والبحث والاكتشاف، فلا يتركه أسير الورقة والقلم، بل يهيئه للحياة.

في الجامعات، المعلم هو الذي يوقظ في الطالب روح النقد العلمي، والبحث المستقل، وتوظيف المعرفة لحل مشكلات المجتمع.

المعلم إذن صانع وعي، ومُرشد طريق، وهادٍ للعقل والروح معًا.

ثانيًا: المدرس = يلقّن ويُحفّظ

أما المدرس فهو الذي يقتصر دوره على التلقين والحفظ. ينقل المعلومة كما هي، دون أن يفسح المجال لتفكيكها أو استيعابها العميق.

في مرحلة الأساس، المدرس هو الذي يجعل الطفل يردد الحروف بلا فهم للمعنى.

في الثانوي، هو من يُكدّس المعارف ويثقل الذاكرة، دون تدريب الطالب على التفكير النقدي أو التطبيق العملي.

في الجامعات، المدرس هو الذي يظل أسير المحاضرة التقليدية، يُملي النصوص ولا يُشرك الطالب في بناء المعرفة.

المدرس هنا ناقل معرفة، لكنه لا يرتقي إلى صناعة عقل أو بناء شخصية.

ثالثًا: التكامل لا التنافر

المعلم والمدرس ليسا بالضرورة ضدين متقابلين، بل هما مرحلتان متكاملتان. فالتلقين والحفظ لهما أهميتهما خاصة في المراحل الأولى (الخلاوى، رياض الأطفال، المراحل الأساسية) إذ تُبنى بها الذاكرة وتُرسّخ الأساسيات. لكن الاقتصار على التلقين دون ترقٍ إلى التفهيم والتبصير، يحوّل العملية التعليمية إلى جمود، ويخرج أجيالًا تحفظ ولا تفكر.

رابعًا: التعليم في عصر تقنية المعلومات: هل نكون معلمين أم مدرسين؟

ونحن نستشرف عصر تقنية المعلومات والذكاء الاصطناعي، يزداد السؤال إلحاحًا: هل نحتاج أن نكون معلمين أم مدرسين؟
الإجابة العلمية أن التقنية الحديثة غيّرت طبيعة دور المشتغل بالتعليم. فقد أصبحت المعلومة متاحة بضغطة زر، ويمكن للطالب أن يصل إلى آلاف المصادر التعليمية في لحظة. هنا يفقد “التلقين” قيمته، لأن الحفظ والاستظهار صار متاحًا عبر التطبيقات والمنصات الذكية.

لكن ما زال للمعلم دور لا غنى عنه:

المعلم هو من يساعد المتعلم على التمييز بين الغث والسمين في بحر المعلومات.

المعلم هو من يغرس القدرة على التفكير النقدي والإبداعي، وهي مهارات لا يمكن للتقنية أن تمنحها آليًا.

المعلم هو من يربط المعرفة بالقيم والأخلاق والسلوك، وهو ما لا تؤديه الآلة.

إذن، في عصر التقنية، نحن أحوج أن نكون معلمين أكثر من مجرد مدرسين. فالتدريس وحده يمكن أن تتكفل به المنصات والبرامج الإلكترونية، بينما التعليم الحقيقي – بمعنى التفهيم والتبصير وبناء الشخصية – يظل مهمة بشرية أصيلة لا تستبدلها التقنية.

خامسًا: الرسالة للعاملين في حقل التعليم

إلى كل من يعمل في مجال التعليم – من معلم الخلاوى، إلى معلمة رياض الأطفال، إلى مدرسي المدارس، إلى أساتذة الجامعات – تذكّروا أن دوركم لا ينحصر في التلقين، بل يتعداه إلى التفهيم، وغرس القيم وتحريك العقول.

كونوا معلمين حينما تفتحون الأذهان وتوقظون العقول.

وكونوا مدرسين حينما تضعون الأساسيات اللازمة للبناء.
لكن الغاية الكبرى أن يتفوق جانب المعلم فيكم على جانب المدرس، فالأمة تحتاج اليوم إلى من يُفهم ويُبصّر أكثر من حاجتها إلى من يلقّن ويُحفّظ.

سادسًا: توصيات عملية للعاملين في التعليم

حتى نواكب عصر التقنية ونتحول من مجرد “مدرسين” إلى “معلمين”، يمكن للعاملين في التعليم اتباع مجموعة من الخطوات العملية:

تنمية مهارات التفكير النقدي: اجعل الطالب يفكر ويسأل ويحلل، لا يكتفي بالتلقي.

الاستفادة من التقنية التعليمية: استخدم المنصات الرقمية والأدوات الذكية، لكن بوصفها وسائل للفهم لا غايات للحفظ.

غرس القيم والأخلاق: اربط المعرفة بالسلوك الإيجابي وخدمة المجتمع.

تشجيع التعلم النشط: حفّز الطلاب على البحث الذاتي والعمل الجماعي والمشروعات التطبيقية.

التطوير المستمر للذات: واصل التعلم والتدريب، فالذي يريد أن يكون “معلمًا”، لا يتوقف عن التعلم.

الانتقال من التلقين إلى التفهيم: اجعل الحفظ وسيلة، لكن اجعل الفهم غاية.

الخاتمة

المعلم يبني العقول، والمدرس يملأ العقول.
المعلم يفتح أبواب الفهم، والمدرس يغلقها بالحفظ.
المعلم يزرع الحياة في المعلومة، والمدرس يكتفي بنقلها.

وفي زمنٍ باتت فيه التقنية قادرة على التدريس، يظل التعليم الحقيقي مهمة بشرية سامية. ولذا، فإننا نحتاج في مدارسنا وجامعاتنا إلى معلمين أكثر من حاجتنا إلى مدرسين؛ معلمين يُضيئون العقول، ويربطون العلم بالقيم، ويقودون الأجيال نحو الإبداع والبناء، اقتداءً بالآية الكريمة:
﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾.
صدق الله العظيم

المقالة السابقة

كيف يجب التعامل مع الاكتشافات العلمية الكبرى؟(2) .. بقلم/ زهيرعبدالله مساعد

المقالة التالية

منشورات د. أحمد المفتي رقم 5660 بتاريخ 16 أغسطس 2025 .. أحد المناوئين للحكومة يثوب إلى رشده ويقول كلامًا سبق أن قلناه ، ويمكن أن يفضي لحل أزمة السودان !!!

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *