مقدمة:
السودان ساحة تنافس جيوسياسي تتسارع فيها الخطى
في الوقت الذي ما تزال فيه الحرب تحوّل الجغرافيا السودانية إلى مناطق نفوذ متداخلة، تدخل البلاد اليوم مرحلة جديدة من التنافس الدولي والإقليمي. فالسودان لم يعد ساحة صراع داخلي فقط، بل تحوّل إلى عقدة ترتبط بأمن البحر الأحمر، وبخريطة الذهب، وباستراتيجيات القوى الكبرى.
وتشير المعطيات الأخيرة إلى أن الصراع حول السودان يتجاوز حدوده، ليصبح جزءاً من معادلة دولية أكبر تتنافس فيها روسيا والولايات المتحدة وأوروبا والإمارات، ضمن سباق محموم لإعادة تشكيل الخرائط العسكرية والإعلامية والاقتصادية في المنطقة.
عرض السودان لروسيا: قاعدة بحرية تهز توازن البحر الأحمر
كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن السودان تقدّم في أكتوبر الماضي بعرض رسمي لروسيا لإنشاء قاعدة بحرية على البحر الأحمر.
تشير المعلومات إلى أن المقترح يشمل:
- تمركز 300 جندي روسي.
- أربع سفن حربية.
موقع محتمل في بورتسودان أو نقطة ساحلية بديلة. - امتيازات روسية في التعدين والذهب.
- أنظمة دفاع جوي تزوّد بها موسكو الخرطوم.
هذا العرض يشكّل منعطفاً استراتيجياً، لأنه:
يمنح روسيا موطئ قدم جديداً على أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
يضع السودان داخل محور جديد في ظل الحرب.
يزيد مخاوف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من تمدد موسكو في أفريقيا.
وتدرك الخرطوم أن الخطوة قد تُغضب الغرب، لكن صمتها الرسمي حول التسريبات يعكس إدارة حذرة لأوراق تفاوضية في لحظة.
الجيش السوداني بين الحاجة للسلاح ومخاوف العقوبات
نقلت الصحيفة عن مسؤول عسكري سوداني قوله إن السودان بحاجة ماسة إلى إمدادات سلاح حديثة، لكنه أقرّ بأن الدخول في صفقة واسعة مع روسيا قد يخلق توتراً مع الولايات المتحدة وأوروبا.
السودان اليوم محاصر عسكرياً واقتصادياً ما يجعله يبحث عن حلفاء قادرين على تزويده بالسلاح. لكن الانحياز إلى روسيا في هذا التوقيت قد يعيد السودان إلى مربع المواجهة مع المجتمع الدولي، ويحرمه من أي دعم قد يساهم في تسوية سياسية شاملة.
المقترح الأميركي: ثلاثة مسارات لإنهاء الحرب
كشفت مصادر لقناة “الحدث” أن واشنطن طرحت مبادرة من ثلاثة مسارات:
1. مسار عسكري لوقف التصعيد وتهيئة بيئة إنهاء العمليات.
2. مسار سياسي تقوده القوى المدنية، مع استبعاد النظام السابق والإسلاميين بحسب طموحات أبوظبي.
3. مسار إنساني يهدف لفتح الممرات وتخفيف الأزمة.
المبادرة الأميركية تتقاطع مع رغبة واشنطن في:
- منع التمدد الروسي على البحر الأحمر.
- إعادة تشكيل المشهد السياسي بما يتوافق مع رؤيتها وفق مصالحها أولًا وأمنها القومي وضمنه إسرائيل والتي تعد من أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، وحماية إمداداتها النفطية وطرقها التجارية ونفوذها.
- تجميد أي دور للقوى المرتبطة بفترات ما قبل الثورة. وهو الأمر الذي تتبناه أبوظبي وترفضه مصر بشدة.
غير أنّ المبادرة تطرح تحديات كبيرة، أبرزها غياب الثقة بين الأطراف ورفض جهات نافذة لأي عملية سياسية تستبعد مكوناتها.
الإعلام كسلاح: قناة جديدة بتمويل إماراتي لدعم الدعم السريع
كشفت الإعلامية نسرين النمر عن بدء تجهيز قناة فضائية جديدة في دبي، بتمويل كامل من أبوظبي، توصف بأنها داعمة لقوات الدعم السريع.
القناة ستقدّم:
- محتوى سياسي وإخباري مخصص للسودانيين.
- برامج تحليلية وترفيهية موجهة للتأثير في الرأي العام خلال الحرب.
الإعلام أصبح جزءاً أساسياً من معادلة الحرب. تمويل قناة جديدة يحمل عدة رسائل:
- تعزيز النفوذ الإعلامي للإمارات في الملف السوداني مما يوفر حمايتها وحفظ ماء وجهها ودورها في الرباعية إن بغيت.
- توفير منصة دولية تروّج لرؤية قوات الدعم السريع.
- محاولة خلق خطاب بديل في مواجهة الإعلام الحكومي أو المناهض للدعم السريع.
- الخطوة تُنذر بتصعيد إعلامي موازي للمعارك الميدانية.
جدل الرباعية الدولية… ومقال مناوي “الثعابين في الظلال الباردة”
مع تزايد الحديث الدولي عن جهود السلام، انتقد حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي مسار الرباعية الدولية، متسائلاً:
لماذا الآن؟ ولماذا بعد ما حدث في الفاشر؟
وفي مقاله الرمزي “الثعابين في الظلال الباردة”، شبّه الوضع السياسي بوادي جميل يخفي خطراً مميتاً، في إشارة إلى ما يراه محاولات لفرض حلول دولية تتجاهل جوهر الأزمة والانتهاكات التي شهدتها الفاشر.
رسالة مناوي تعكس:
- رفضاً لدور الرباعية إذا لم يعالج جذور العنف. وتلتزم الحياد التام
- تخوفاً من صفقات سياسية “باردة” تحمل بداخله خطراً أكبر.
- محاولة لإعادة وضع دارفور في مركز النقاش الدولي.
- المقال يشير إلى معركة روايات حول من يتحمل مسؤولية الانتهاكات.
خاتمة: السودان بين قواعد البحر الأحمر ومعارك الذهب وحروب الإعلام
المشهد السوداني اليوم ليس صراعاً داخلياً فحسب، بل تقاطعات دولية تتصارع حول:
- القواعد العسكرية في البحر الأحمر.
- ثروات الذهب السوداني.
شكل السلطة المقبلة. - النفوذ الإعلامي الذي يوجّه الرأي العام.
وفي ظل هذا التزاحم، يبقى السودان في مفترق طرق:
- إمّا أن يتحوّل إلى ساحة صراع دائم بين القوى الكبرى،
- أو أن يتجه نحو تسوية وطنية تُعيد إليه سيادته ودوره الاستراتيجي بعيداً عن الاصطفافات الخارجية.
البريد الإلكتروني: bshir057@gmail.com


