Popular Now

منشورات د. أحمد المفتي .. دور الكيانات الدينية ، والقبلية ، والادارات الاهلية ، في سودان الغد

مسارات .. بين الجوار والصراع: قراءة في مقولة د. محمد مختار الشنقيطي عن إيران وإسرائيل .. بقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

من قصص كليلة ودمنه : في دهـاقنة الديوان ولطف الوزيرة .. د. محمد حسن فضل الله

المطلوب من د. سلمى عبد الجبار بعد قبول الاستقالة .. بقلم/ د.احمد الطيب السماني الطيب

لحظات التحوّل الكبرى تختبر الدول ليس فقط سلامة قراراتها، بل نضج مؤسساتها وأخلاقيات العمل العام فيها. وما جرى حول واقعة موظف الأراضي بولاية الخرطوم، وما تلاها من جدل إعلامي وسياسي، أخرج الحدث من إطاره الإداري إلى ساحة الاستقطاب، حتى بدا وكأنه أزمة وجود لا حادثة إجرائية قابلة للمعالجة المؤسسية الرشيدة.
لقد تباينت الآراء بين مناصر ومغاضب، غير أن صراع المحاور السياسية عبث بالقضية وجرّدها من مضمونها المهني، وحوّلها إلى معركة كسر عظم بين كتل متناحرة، في وقت كانت فيه البلاد أحوج إلى التعقّل والاتزان. وفي تقديري، فإن مباشرة د. سلمى عبد الجبار – عضو مجلس السيادة الانتقالي – لأمر الأرض بنفسها كان خطأً إجرائياً، لأن مقتضيات المنصب السيادي تفرض الالتزام الصارم بسلاسل الاختصاص والمرجعية المؤسسية. غير أن معالجة الأمر من قبل السلطة التنفيذية، وبصورة تضخيمية، كانت خطأً أكبر؛ إذ كشفت عن ارتباك في فهم المؤسسية وتكامل الأدوار داخل دولاب الدولة.
من هذا المنطلق، فإن قبول الاستقالة من قبل رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه إدانةً لشخص، بقدر ما هو لحظة تصحيح لمسار عام اختلّ. وقد وُفّقت د. سلمى في تقديم استقالتها؛ لأنها أعادت الاعتبار لقيمة غابت طويلاً عن مؤسسات الخدمة العامة: أدب الاستقالة بوصفه آلية مساءلة أخلاقية قبل أن يكون إجراءً قانونياً. لقد أخطأت في البداية حين تجاوزت المسار المؤسسي، لكنها صحّحت الصورة باستقالةٍ رسمت بها معنى المسؤولية السياسية، وقدّمت درساً عملياً في أن المنصب تكليف لا تشريف.
ما المطلوب من د. سلمى بعد قبول الاستقالة؟
أولاً: بيان توضيحي للرأي العام
من الواجب إصدار بيان متزن وشفاف يوضح ملابسات الواقعة، ويشرح دوافع الاستقالة، دون انفعال أو تراشق، مع تأكيد احترامها لمبدأ الفصل بين السلطات وسلاسل الاختصاص. البيان ليس دفاعاً عن الذات، بل مساهمة في تهدئة الرأي العام وترميم الثقة.
ثانياً: تثبيت قيمة المؤسسية
التأكيد، قولاً وفعلاً، على أن أي معالجة مستقبلية للقضايا العامة يجب أن تمر عبر القنوات المؤسسية، وأن تجاوزها— وحتى بحسن نية—يفتح الباب للفوضى والتسييس.
ثالثاً: تحويل التجربة إلى درس وطني
يمكن لد. سلمى أن تسهم، من موقعها المجتمعي والأكاديمي، في إثراء النقاش العام حول أخلاقيات المنصب، وحدود التدخل، وآليات المساءلة، بما يحوّل الخطأ إلى معرفة نافعة.
توصيات استشرافية للاستفادة من الواقعة:

* إرساء ميثاق للسلوك الوظيفي القيادي يحدّد بدقة صلاحيات شاغلي المناصب العليا وحدود تدخلهم.

* تعزيز استقلالية الأجهزة التنفيذية ومنع تسييس الإجراءات الإدارية.

* تفعيل ثقافة الاستقالة والمساءلة الطوعية كأدوات إصلاح لا كعقوبات.

* ضبط الخطاب الإعلامي وتحييده عن صراعات المحاور عند تناول القضايا الإدارية.

* بناء قدرات القيادات في إدارة الأزمات واتخاذ القرار المؤسسي في عصر تتسارع فيه الضغوط الإعلامية والسياسية.

ختاماً، فإن ما جرى، رغم قسوته، يمكن أن يكون نقطة ضوء في مسار مظلم، إذا أحسنّا قراءته. وقدّمت د. سلمى عبد الجبار، باستقالتها، نموذجاً عملياً لإعادة الاعتبار للمؤسسية، ورسالةً مفادها أن إصلاح الدولة يبدأ بالاعتراف بالخطأ، ثم تصحيحه، لا بتبريره أو تسييسه.

المقالة السابقة

أصل القضية| من سلسلة الجسر والمورد .. قوة خطاب قوى الحرية والتغيير (٤-٨) .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

المقالة التالية

منشورات د. أحمد المفتي .. مهما كبرت الجبهة المدنية السياسية ، فانها لن تساوي 10% ، من الجبهة المدنية غير السياسية ، التي لاهم لها سوي حقوق المواطنين الاساسية !!!

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *