تتسارع التحولات الجيوسياسية في القرن الأفريقي على نحو يضع السودان في قلب معادلة إقليمية ودولية معقدة، حيث لم تعد الحرب الدائرة داخل حدوده صراعاً معزولاً، بل ساحة لتقاطع مشاريع النفوذ والتحكم في الممرات الاستراتيجية والموارد الحيوية. ومع اتساع نطاق العمليات العسكرية وامتدادها نحو الأقاليم الحدودية، تتعاظم مؤشرات انتقال الصراع إلى مرحلة جديدة تتداخل فيها الأجندات الإقليمية مع رهانات القوى الكبرى.
في هذا السياق، برزت تقارير متواترة وموثقة حول إنشاء معسكرات تدريب في إقليم بني شنقول-قمز الإثيوبي، بالقرب من الحدود السودانية، تُستخدم لتأهيل عناصر ميليشيا الدعم السريع إلى جانب مرتزقة أجانب من إثيوبيا وجنوب السودان ودول أخرى في تطور يضيف بعداً عابراً للحدود للصراع. وتشير هذه المعطيات إلى نمط من الدعم اللوجستي والتقني الذي أسهم في فتح جبهة قتال في إقليم النيل الأزرق، وهو ما يمثل تحولاً مهماً في طبيعة العمليات العسكرية، إذ ينقل المواجهة من نطاقها التقليدي إلى مساحات جديدة ذات حساسية استراتيجية عالية.
وتُقرأ هذه التطورات في إطار تقاطع المصالح بين أديس أبابا وأبوظبي في منطقة القرن الأفريقي، حيث تتداخل حسابات الموانئ والطاقة والنفوذ الإقليمي مع مسارات الصراع السوداني. فإثيوبيا، التي تسعى إلى إعادة تعريف موقعها الجيوسياسي عبر الوصول إلى منفذ بحري وتعزيز حضورها الاقتصادي، تجد نفسها في مواجهة بيئة إقليمية متوترة، بينما تواصل الإمارات توسيع شبكاتها اللوجستية والاستثمارية على امتداد الساحل الغربي للبحر الأحمر وخليج عدن، مستفيدة من هشاشة الدول بتغزية الصراعات وتمويلها.
في المقابل، تعكس التحركات السعودية المتزايدة تجاه السودان والصومال توجهاً لبناء منظومة إقليمية قائمة على استقرار الدول الوطنية وتأمين خطوط الملاحة في البحر الأحمر، وهو ما يضعها في مسار متقاطع مع المشاريع التي تعتمد على توظيف الفاعلين المسلحين من غير الدول. ويكتسب هذا التنافس بعداً إضافياً مع الحضور الإسرائيلي في أرض الصومال، المرتبط بالاستحواذ الأمني في البحر الأحمر وباب المندب.
وفى المقابل تواصل مصر النظر إلى استقرار السودان باعتباره جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي، في ظل الارتباط الوثيق بين وحدة الدولة السودانية ومعادلة الأمن المائي في حوض النيل. كما تتحرك تركيا وقطر عبر أدوات اقتصادية ودبلوماسية للحفاظ على موطئ قدم في منطقة تشهد إعادة توزيع مستمرة لموازين القوى.
أما على الصعيد الدولي، فإن الولايات المتحدة والصين وروسيا تنخرط في المنطقة وفق مقاربات مختلفة، لكنها تلتقي عند حقيقة مركزية هي الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر والقرن الأفريقي في النظام العالمي. فواشنطن تسعى إلى حماية طرق التجارة ومنع خصومها من ترسيخ وجود عسكري دائم، بينما تركز بكين على تأمين استثماراتها المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق، في حين ترى موسكو في القرن الإفريقي مدخلاً لتعزيز حضورها عبر أدوات أمنية واقتصادية.
اتساع نطاق الحرب التي تخوضها القوات المسلحة السودانية والقوات المساندة لها وجموع الشعب السوداني ضد ميليشيا الدعم السريع والدول التي تقف من وراءه باتجاه الحدود مع ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان يضاعف من مخاطر تحولها إلى صراع إقليمي مفتوح، خاصة في ظل الأوضاع الهشة في هذه الدول، والتي تعاني أصلاً من نزاعات داخلية وتدفقات مستمرة للسلاح والمقاتلين الأجانب. ويعني ذلك أن أي انفلات أمني في السودان ستكون له ارتدادات مباشرة على فضاء الساحل والصحراء والقرن الأفريقي معاً.
في هذا المشهد، تظل المؤسسة العسكرية السودانية الفاعل الرئيسي في الحفاظ على تماسك الدولة في مواجهة ميليشيا الدعم السريع المدعومة بشبكات إمداد خارجية. وقد أدى استمرار الحرب إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي ليشمل إدارة الحدود، وبناء التحالفات، وتفعيل الدبلوماسية متعددة المسارات، إلى جانب البعد العسكري.
السيناريوهات المستقبلية تتراوح بين احتواء الصراع عبر تسوية سياسية شاملة تحقق للشعب السوداني تطلعاته ، أو استمرار حرب الاستنزاف بما يحول السودان إلى ساحة تنافس بالوكالة، أو انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع في حال تداخلت النزاعات الحدودية مع الصراع الدولي على الممرات والموارد.
أمام هذه التحديات، تبدو الحاجة ملحة لتبني مقاربة سودانية شاملة تقوم على توحيد الجبهة الداخلية، وتفعيل الحضور الدبلوماسي في المحيطين الإقليمي والدولي، وبناء شراكات استراتيجية متوازنة، إلى جانب إطلاق مشروع وطني لإعادة الإعمار يعيد الثقة في مؤسسات الدولة ويعزز قدرتها على الصمود.
في الختام ، يقف السودان أمام لحظة مفصلية لا تتعلق فقط بمآلات الحرب الجارية، بل بموقعه في خريطة التوازنات الجديدة في القرن الأفريقي. فإما أن ينجح في التحول من ساحة للصراع إلى فاعل رئيسي في معادلة الاستقرار الإقليمي، أو يظل رهينة لتقاطعات المشاريع الخارجية وصراعاتها المفتوحة.
السودان ومعضلة التوازنات الجيوسياسية في القرن الأفريقي .. د. إسماعيل الناير عثمان .. باحث استراتيجي وعضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية
المقالة السابقة


