Popular Now

منشورات د. أحمد المفتي .. دور الكيانات الدينية ، والقبلية ، والادارات الاهلية ، في سودان الغد

مسارات .. بين الجوار والصراع: قراءة في مقولة د. محمد مختار الشنقيطي عن إيران وإسرائيل .. بقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

من قصص كليلة ودمنه : في دهـاقنة الديوان ولطف الوزيرة .. د. محمد حسن فضل الله

استراحة رمضانية (2): صفاء القلب مرآة التجلي .. بقلم: د. أحمد الطيب السماني

نواصل في هذه الاستراحة الرمضانية تأمل بعض الأبيات التي تختصر بحكمة الشعر عمق التجربة الروحية للإنسان، وتفتح لنا نافذة للتفكر في معنى صفاء القلب وعلاقته بالقرب من الله تعالى:

إذَا سَكَنَ الغَديرُ عَلَى صَفَاءٍ
وَجُنِّبَ أنْ يُحَرِّكَهُ النَّسيمُ

تَرَى فِيهِ السَّمَاءَ بِلا امْتِرَاءٍ
كَذَاكَ الشَّمْسُ تَبْدُو وَالنُّجُومُ

كَذَاكَ قُلُوبُ أَرْبَابِ التَّجَلِّي
يُرَى فِي صَفْوِهَا اللهُ العَظِيمُ

هذه الأبيات تبني صورة بديعة تبدأ بالطبيعة وتنتهي بالقلب الإنساني. فالشاعر يبدأ بمشهد بسيط: غدير ماء ساكن صافٍ. فإذا خلا من الرياح والاضطراب، أصبح مرآة صافية تعكس السماء بما فيها من شمس ونجوم. لا تشويه في الصورة، ولا ارتباك في الرؤية.

هنا تتحول الطبيعة إلى درس روحي عميق.

فالغدير المضطرب لا يعكس شيئاً بوضوح، مهما كانت السماء مشرقة. وكذلك القلب إذا كان مضطرباً بالشهوات، والهموم، والصراعات، والغفلات؛ فإنه لا يستطيع أن يعكس نور الهداية، مهما كان الحق واضحاً أمامه.

الصفاء شرط الرؤية.

فكما أن الماء لا يعكس السماء إلا إذا سكن وصفا، كذلك القلب لا يدرك معاني الإيمان العميقة إلا إذا تخلّص من كدره الداخلي.

ولهذا جاء البيت الثالث ليكشف المقصود:

كَذَاكَ قُلُوبُ أَرْبَابِ التَّجَلِّي
يُرَى فِي صَفْوِهَا اللهُ العَظِيمُ

والمقصود هنا ليس الرؤية الحسية، وإنما رؤية آثار عظمة الله في القلب: في الطمأنينة، وفي اليقين، وفي السكينة، وفي الإيمان العميق الذي يجعل الإنسان يرى يد الله في كل شيء.

رمضان… شهر تصفية القلوب

لو تأملنا حكمة الصيام، لوجدنا أنها في جوهرها عملية تصفية شاملة للنفس. فالصوم لا يقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل هو تدريب يومي على تهدئة أمواج القلب.

فالإنسان في رمضان يقلل من ضجيج الحياة:
يقلل الطعام، ويكثر الذكر، ويكثر القرآن، وتلين الروح في صلاة التراويح والقيام.

وهكذا تبدأ الأمواج في السكون.

ومع سكون القلب يبدأ الإنسان يرى الأشياء بطريقة مختلفة:
يرى نعم الله بوضوح أكبر،
ويرى أخطاءه بصدق أكبر،
ويرى معنى الحياة بمنظار أعمق.

كلما تقدم العمر احتجنا إلى صفاء أكبر

في مراحل الشباب قد يغلب الاندفاع والحركة، لكن مع تقدم العمر يدرك الإنسان أن أعظم ما يحتاجه ليس كثرة الانشغال، بل سلام القلب.

فالقلب المزدحم بالحسد والقلق والضغائن يشبه ماءً مضطرباً لا يعكس شيئاً. أما القلب الذي تعلّم العفو والرضا والذكر، فهو كالغدير الصافي الذي تعكس صفحته نور السماء.

ومن هنا نفهم سر عظمة بعض الصالحين؛ فليس سرهم في كثرة الكلام، بل في صفاء الداخل.

رسالة هذه الأبيات في رمضان

هذه الأبيات تقول لنا بلغة الشعر:
إذا أردت أن ترى الطريق بوضوح، فابدأ بتصفية قلبك.

خفف من ضجيج الدنيا داخلك،
وأخرج من قلبك ما يعكره من خصومات وهموم،
واجعل لروحك نصيباً من الصمت مع القرآن والدعاء.

عندها فقط يبدأ القلب يعكس نور السماء.

خاتمة

الغدير الصافي يعكس الشمس والنجوم،
والقلب الصافي يعكس نور الإيمان.

ورمضان فرصة سنوية ليهدأ هذا الغدير الداخلي فينا.

فطوبى لمن خرج من هذا الشهر وقلبه أكثر صفاءً،
ونفسه أكثر طمأنينة،
وروحه أقرب إلى الله العظيم.

المقالة السابقة

سلسلة صفقات ترامب ..حرب إيران: حسابات الربح والخسارة في ميزان التحولات الدولية د. الزمزمي بشير عبد المحمود

المقالة التالية

بين جسارة أبا إبراهيم وحزم أبا مجتبى .. بقلم/ اللواء (م) مازن محمد إسماعيل

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *