Popular Now

منشورات د. أحمد المفتي .. دور الكيانات الدينية ، والقبلية ، والادارات الاهلية ، في سودان الغد

مسارات .. بين الجوار والصراع: قراءة في مقولة د. محمد مختار الشنقيطي عن إيران وإسرائيل .. بقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

من قصص كليلة ودمنه : في دهـاقنة الديوان ولطف الوزيرة .. د. محمد حسن فضل الله

أصل القضية | نظام فوترة السيادة الجديد(٣-٣) .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

> “السودان الهروب من نظام فوترة السيادة: كيف يكتب السودان دوره قبل أن يُكتب عنه؟”

في العالم الجديد…لم تعد الدول تُحتل فقط بالجيوش.
بعضها يُحتل بطريقة أكثر هدوءًا:
حين تتحول سيادته إلى فاتورة يدفعها للآخرين.
والدول التي لا تدفع ثمن سيادتها بقوتها الذاتية… تدفعه لاحقًا من قرارها، ومواردها، ومستقبلها.

بعد أن كشف الجزء الأول بنية الدولة الوظيفية، وبيّن الجزء الثاني كيف تحولت السيادة في النظام الدولي الجديد إلى فاتورة تُدفع مقابل الدور، نصل الآن إلى السؤال الأكثر حساسية في هذه السلسلة:
هل يستطيع السودان أن يفلت من نظام “فوترة السيادة”؟
ليس السؤال عاطفيًا، ولا محاولة لإعادة إنتاج خطاب السيادة التقليدي.
إنه سؤال يتعلق بمكان السودان في النظام الدولي الذي يُعاد تشكيله الآن.
وهنا تبدأ أصل القضية.

أولاً: السيادة في زمن العقود الدولية
النظام الدولي لم يعد يعمل بالمنطق الذي ساد بعد الحرب الباردة.
لم تعد الشرعية الدولية وحدها كافية لحماية الدول.
ولم تعد الموارد وحدها كافية لصناعة النفوذ.
العالم يتحرك الآن وفق منطق مختلف:
●الدول التي تملك قيمة في النظام الدولي… تبقى.
●والدول التي لا تملك دورًا… يُعاد تعريفها.
□وهنا يظهر ما يمكن تسميته بنظام فوترة السيادة.
في هذا النظام، كل دولة تدفع ثمن موقعها بطريقة ما:
●قوة عسكرية
●اقتصاد مؤثر
●موقع جيوسياسي
●أو وظيفة استراتيجية محددة.
> لكن الفارق الحقيقي ليس في الدفع نفسه… بل في من يحدد شروط العقد.
□الدولة السيادية تتفاوض على دورها.
□أما الدولة الوظيفية فيُحدد دورها من الخارج.

ثانياً: السودان بين الجسر والمورد
وفق رؤية الجسر والمورد،
يمتلك السودان واحدة من أكثر الجغرافيات السياسية تعقيدًا وغنىً في المنطقة.
فهو يقع عند تقاطع ثلاث دوائر استراتيجية:
○البحر الأحمر
○العالم العربي
○العمق الأفريقي
هذه الجغرافيا يمكن أن تنتج أحد مسارين:
□إما دولة جسر
تصنع النفوذ عبر الربط بين العوالم.
□أو دولة مورد
تُستخرج منها القيمة دون أن تتحكم فيها.
> التاريخ السياسي الحديث للسودان كان في معظمه تاريخ المورد.
لكن الإمكانات الكامنة في الجغرافيا السودانية تجعل التحول إلى دولة جسر ممكنًا — إذا أُديرت هذه الجغرافيا بعقل استراتيجي.

ثالثاً: معركة السردية… قبل معركة السياسة
الدول لا تفقد سيادتها فجأة.
إنها تفقدها تدريجيًا حين تفقد قدرتها على تعريف نفسها.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست عسكرية فقط.
إنها معركة سردية الدولة.
●من نحن؟
●ما دورنا؟
●وما القيمة التي نقدمها للعالم؟
> الدول التي لا تجيب عن هذه الأسئلة بنفسها… يجيب عنها الآخرون. وغالبًا بطريقة لا تعجبها.

رابعاً: لماذا يحتاج السودان إلى إعادة كتابة تاريخه؟
واحدة من أخطر المشكلات في الوعي السياسي السوداني
أن تاريخ السودان كُتب في كثير من الأحيان من زوايا الآخرين.
●تاريخٌ يركز على فترات الضعف أكثر من لحظات القوة.
●ويرى السودان في هوامش التاريخ الإقليمي… لا في مركزه.
بينما الحقيقة مختلفة تمامًا.
> السودان لم يكن يومًا فراغًا جغرافيًا.
لقد كان موطن حضارات عظيمة:
●كوش
●مروي
●نبتة
وحكمت هذه الحضارات وادي النيل لقرون طويلة، وشكلت أحد المراكز الحضارية الكبرى في إفريقيا.
> إعادة كتابة تاريخ السودان ليست مشروعًا ثقافيًا فقط. إنها ضرورة استراتيجية. لأن الدول التي تفقد سرديتها التاريخية تفقد تدريجيًا قدرتها على الدفاع عن مكانها في الحاضر.

خامساً: رسالة أبادماك
في هذا السياق يمكن قراءة خطوة لافتة حدثت مؤخرًا.
حين اختار رئيس مجلس السيادة – القائد العام للقوات المسلحة- الفريق أول ركن / عبد الفتاح البرهان ، أن يلقي خطاب عيد الجيش ال٧٢ من معهد الإله أبادماك في (النقعة.) للوهلة الأولى قد يبدو الأمر اختيارًا رمزيًا لموقع أثري، لكن القراءة الاستراتيجية تقول شيئًا أعمق.
●أبادماك في الحضارة المروية كان رمزًا للقوة والحماية.
●واختيار هذا الموقع بالذات يبعث رسالة واضحة:
> أن الدولة السودانية ليست كيانًا طارئًا في الجغرافيا السياسية، بل امتداد لحضارة ضاربة في عمق التاريخ.

□في زمن فوترة السيادة، لا تصبح القوة العسكرية وحدها مصدر الشرعية، بل تصبح السردية التاريخية جزءًا من معركة السيادة.
□الدول التي تعرف جذورها…تفاوض العالم بثقة أكبر.
□أما الدول التي تنسى تاريخها…فتدخل التفاوض وهي تشك في نفسها.

سادساً: كيف يكسر السودان الحلقة؟
الخروج من نظام فوترة السيادة ليس مستحيلاً لكنه يحتاج إلى ثلاث خطوات جوهرية:
●إعادة تعريف وظيفة الدولة من الداخل.
●بناء اقتصاد يمول القرار السياسي.
●صناعة نخبة مرتبطة بمشروع دولة لا بمراكز تمويل.
> السيادة ليست شعارًا. إنها قدرة عملية على قول “لا” حين يجب أن تُقال.

#أصل القضية: معركة المعنى

السودان اليوم يقف أمام لحظة تاريخية نادرة.
ليس لأنه يمر بأزمة فقط، بل لأن العالم نفسه يعاد تشكيله.
في مثل هذه اللحظات، الدول التي تملك فكرة واضحة عن نفسها تعيد بناء موقعها.
أما الدول التي تنتظر أن يكتب الآخرون دورها…فتجد نفسها دائمًا
مجرد بند صغير في عقد دولي كبير.
والسؤال الذي سيحدد مستقبل السودان ليس:
○هل نملك الموارد؟
بل:
○هل نملك الشجاعة لنحدد معنى وجودنا كدولة؟
لأن الدول التي تعرف لماذا وُجدت…
لا تتحول إلى وظيفة.
وهنا أصل القضية.

المقالة السابقة

مسارات .. بين نيران المحاور الكبرى: كيف تنجو الدول العربية من حرب إيران وإسرائيل وأمريكا؟ ..د.نجلاء حسين المكابرابي

المقالة التالية

سلسلة صفقات ترامب ..الحرب على إيران: تحولات موازين القوى وإشكالية التحالفات في الاستراتيجية الأمريكية مقدمة.. د. الزمزمي بشير عبد المحمود

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *