Popular Now

سلسلة مقالات الحرب على السودان .. التقرير الاستراتيجي رقم (2) من (10) .. العقوبات الأمريكية على الإخوان المسلمين في السودان بين أخطاء الرهان على الغرب وصراع المصالح الدولية ..إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي

مسارات .. قرار العطا … هل بدأت ساعة تفكيك دولة المليشيات في السودان ؟ .. بقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

قراءة وتوصيف .. موت الغرب في الشرق .. بقلم/ احمد الزبير محجوب

مسارات .. قرار العطا … هل بدأت ساعة تفكيك دولة المليشيات في السودان ؟ .. بقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

في لحظات التحول الكبرى لا تعود القرارات مجرد إجراءات تنظيمية داخل أجهزة الدولة، بل تتحول إلى رسائل سياسية صريحة تعيد رسم حدود القوة والنفوذ. ومن هذا المنطلق يكتسب قرار عضو مجلس السيادة الفريق أول ياسر العطا بدمج القوات المساندة داخل منظومة القوات المسلحة السودانية دلالة تتجاوز الشأن العسكري، ليصبح إعلاناً سياسياً بأن السودان ربما يقف على أعتاب مرحلة جديدة: مرحلة إنهاء دولة المليشيات وإعادة تأسيس دولة الجيش الواحد.
لقد ظل السودان، لعقود طويلة، يعيش في ظل معادلة خطيرة: دولة رسمية في العلن، وقوى مسلحة متعددة في الواقع. ومع مرور الزمن لم تعد هذه التشكيلات مجرد ظاهرة أمنية، بل تحولت إلى جزء من موازين السلطة والنفوذ داخل الدولة نفسها.
فحين يتكاثر السلاح خارج المؤسسة العسكرية، تتآكل هيبة الدولة تدريجياً، ويتحول القرار الوطني إلى ساحة تنازع بين مراكز قوة متعددة. وهنا تكمن المعضلة الكبرى التي واجهت السودان في تاريخه الحديث.
الحقيقة التي كشفتها الحرب
الحرب الأخيرة لم تكشف فقط حجم الدمار الذي يمكن أن يلحق بالدول، بل كشفت أيضاً هشاشة البنية الأمنية عندما تتعدد الجيوش داخل الدولة الواحدة. فقد أصبح واضحاً أن أخطر ما يهدد بقاء الدول ليس العدو الخارجي، بل تفكك احتكار القوة داخلها.
ومن هنا فإن قرار دمج القوات المساندة داخل القوات المسلحة لا يمكن قراءته بمعزل عن هذه الحقيقة. إنه محاولة واضحة لإعادة تعريف من يملك السلاح ومن يملك القرار العسكري في السودان.
معركة إعادة بناء الدولة
لكن هذه الخطوة، رغم أهميتها، ليست مجرد ترتيب إداري داخل المؤسسة العسكرية، بل هي معركة سياسية حقيقية. فهناك شبكات نفوذ تشكلت عبر سنوات حول واقع التعدد المسلح، وهناك مصالح اقتصادية وسياسية ارتبطت ببقاء هذه التشكيلات خارج الانضباط المؤسسي.
ولهذا فإن أي محاولة لتوحيد القوة العسكرية داخل الجيش تعني بالضرورة تفكيك منظومة نفوذ كاملة نشأت في ظل اقتصاد الحرب والفوضى الأمنية.
اختبار الإرادة
السؤال الحقيقي اليوم ليس حول أهمية القرار، فهذه مسألة يكاد يجمع عليها كل من يؤمن بفكرة الدولة. السؤال الأهم هو: هل تملك الدولة الإرادة الكافية لتنفيذ هذا القرار حتى النهاية؟
فدمج القوات يحتاج إلى عملية عميقة من إعادة الهيكلة والتأهيل والانضباط، ويحتاج قبل ذلك إلى قرار سياسي حاسم يضع مصلحة الدولة فوق كل الحسابات الضيقة.

بين دولتين
السودان اليوم يقف بين نموذجين متناقضين:
نموذج الدولة التي تحتكر السلاح عبر جيش وطني موحد،
ونموذج الدولة الهشة التي تتقاسم فيها المليشيات النفوذ والقرار.
ولا يمكن الجمع بين النموذجين في آن واحد. فإما أن تنتصر فكرة الدولة، أو يستمر واقع الفوضى المسلحة الذي دفع السودان أثمانه الباهظة في الدم والاستقرار والتنمية.
لحظة الحقيقة
قد يكون قرار الفريق أول ياسر العطا بداية مسار طويل وصعب نحو إعادة بناء الدولة السودانية. لكنه في الوقت نفسه يضع الجميع أمام لحظة مواجهة مع الحقيقة: لا يمكن بناء دولة حديثة في ظل البنادق المتعددة.
وإذا ما كُتب لهذا القرار أن يُنفذ بجدية وإرادة، فقد يسجل التاريخ أنه كان الخطوة الأولى في تفكيك معادلة الفوضى المسلحة التي ظلت تقيد السودان لسنوات طويلة.
أما إذا تعثر، فإن السودان سيظل يدور في الحلقة ذاتها: دولة تبحث عن نفسها بين البنادق.

المقالة السابقة

قراءة وتوصيف .. موت الغرب في الشرق .. بقلم/ احمد الزبير محجوب

المقالة التالية

سلسلة مقالات الحرب على السودان .. التقرير الاستراتيجي رقم (2) من (10) .. العقوبات الأمريكية على الإخوان المسلمين في السودان بين أخطاء الرهان على الغرب وصراع المصالح الدولية ..إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *