في الثامن والعشرين من فبراير 2026 أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل معاً عملية (الغضب الملحمي) فاغتالتا المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في طهران ، ظانّتَين أن إسقاط رأس النظام يسقط الجسد لكن بعد أكثر من إثنى عشر يومًا من القصف المتواصل، لا يزال النظام الإيراني صامداً، وتُشير تقارير مراكز البحث العالمية إلى أن واشنطن أنفقت 3.7 مليار دولار في أول مائة ساعة فقط ، مع صفر من النتائج الحاسمة لأهداف معلنة
رغم ذلك سمعنا ترامب يعلن نهاية الحرب !! هذه العجلة في دخول الحرب وفى الخروج منها تدعو إلى التدبر والتفكر في الأهداف الحقيقية
السردية الرائجة في الإعلام الغربي تقول نتنياهو هو من أقنع ترامب بضرب إيران، غير أن المتابع المدقق في المشهد يجد هذه الرواية متناقضة لأسباب موضوعية عدة أولها:
ترامب الذى أبدى سخريةً لاذعة علنية من المنطق الإسرائيلى بشأن إسترداد رفات الأسرى من حماس (قائلاً ما معناه : لا أفهم لماذا يريدون جثثاً ؟!) يستحيل أن ينقاد لأساطير إيمانية إسرائيلية عن إيران ؟ بل هو عندى على شاكلة صاحب الجنة القائل : {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً} [الكهف : 36]
وثانيها: شهدت العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية في الفترة الأخيرة توترات واضحة ، إذ أعربت إدارة ترامب عن قلقها من أن سياسات النتن ياهو ستُعيد إشعال حرب غزة وتُزعزع إستقرار حكومات لبنانية وإقليمية ، وقد وصف محللو مركز سوفان الوضع بأن : خلافات ترامب – نتنياهو تُغيّم المشهد الإقليمي مما يجعل التصوير الإعلامي لحلفٍ أعمى بين الطرفين مشكوكاً فيه.
وثالثها: الحرب لم تنشب من فراغ، بل جاءت بعد سلسلة من المحطات الدبلوماسية الكبرى : لقاء ترامب – بوتين فى ألاسكا (أغسطس 2025) ثم قمة ترامب – شى جين بينج فى بوسان (أكتوبر 2025) ثم السيطرة الهادئة لواشنطن على النفط الفنزويلى ، هذا التسلسل يوحى بأن الحرب كانت ثمرة تسويات دولية
القوى العظمى الثلاث يجمعها عدو مشترك: أوربا المستغلة الانتهازية
أمريكا ترى في أوربا منافسا اقتصاديا يستفيد من المظلة الأمنية الأمريكية دون تحمّل تكاليفها الحقيقية ، وترامب قال ذلك صراحةً أكثر من مرة
روسيا تعتبر التوسع الأوربى – الناتوى تهديدًا وجوديًا لها
الصين تنظر إلى أوربا كسوق قابل للاحتواء ، لكنها تخشى غدرها وخبثها وكيدها العظيم
ما يجرى في الشرق الأوسط اليوم هو: حرمان أوربا من شريان الطاقة ، فمضيق هرمز الذى تمر عبره 20% من تجارة النفط العالمية بات شبه مُغلَق، ووصل سعر خام برنت إلى ما فوق 100 دولار للبرميل، بما أوجد أزمة طاقة حادة تضرب ألمانيا وغيرها من الاقتصادات الأوربية الكبرى.
روسيا جنت ثمار ما لم تزرعه ، وصارت صاحبة اليد العليا على أوربا التي أرادت عزلها وحصارها !! روسيا باتت اليوم المورّد البديل الوحيد القادر على إنقاذها من شتاء اقتصادي قاس، وهو ما أكده وزير المجر بيتر سيارتو حين طالب علنا برفع الحظر عن الغاز الروسي بينما وصف المستشار الروسي كيريل دميترييف العقوبات الأوربية على موسكو بأنها (خطأ استراتيجي فادح) مستشهدًا بأن أسعار النفط فوق 100 دولار كشفت هشاشة أوروبا وتبعيتها.
أما الصين فلا تعانى من انقطاع الإمدادات، إذ تضمّنت خطة التنمية الصينية (2026 – 2030) تسريع مشروع قوة سيبيريا 2 لنقل 50 مليار متر مكعب سنويًا من الغاز الروسي، فضلًا عن خط أنابيب الغاز الصينى – الروسى للشرق الأقصى المنتظر تشغيله في يناير 2027 بطاقة 12 مليار متر مكعب ، بمعنى آخر : الصين ربطت نفسها بحبل سرى روسى يغنيها عن هرمز عند الضرورة بينما تشتعل المنطقة، أحكمت واشنطن قبضتها بهدوء لافت على النفط الفنزويلي.
أعادت إدارة ترامب منح شركة شيفرون ترخيصا موسّعا للعمليات في فنزويلا، وتفيد تقارير رويترز بأن واشنطن تسعى لدفع نصيب الحكومة الفنزويلية نقداً بدلاً عن النفط ، مما يمكِّن شيفرون من تصدير كامل الإنتاج.
هكذا ستتحول أمريكا إلى المورّد البديل للنفط لأوربا الضعيفة الجائعة للطاقة وهو ما يعنى:
1. ملء الخزائن الأمريكية بعائدات النفط المباعة بأسعار تتجاوز 100 دولار للبرميل
2. تعويض فشل الرسوم الجمركية على الصين، فارتفاع أسعار البترول يرفع تكلفة التصنيع الصيني ويقلّص تنافسيته أمام الصناعة الأمريكية.
3. إرغام المستثمرين الأمريكان على إعادة توطين الاستثمارات داخل الأراضي الأمريكية بحجة الأمان الاستراتيجي.
4. استكمال غسيل الأموال الهائلة التي نُهبت والتي ستنهب من دول الخليج
تقاسمت الدول العظمى أدوار الإسناد لطرفي الحرب (إسرائيل المعتدية وإيران المدافعة) وبينما أسرت الصين وروسيا مشاركتهما، أعلنتها أمريكا وبدت كشريك أصيل ثم سرعان ما بدت كبائعة لإسرائيل.
المفارقة الصارخة في المشهد الراهن أن إسرائيل – التي كانت الورقة الأمريكية الرابحة في المنطقة لعقود – باتت مصدر قلق لا مصدر قوة :
1. فإسرائيل تنزف اقتصادياً تحت وطأة حروب متواصلة في غزة ولبنان وإيران ، وسكانها يقضون ساعاتهم في الملاجئ، ومازال لديها حروب مجدولة تزيد نزيفها للإعداد والتهيئة.
2. يتصاعد الضغط الداخلي على النتن ياهو وتتحدث التقارير عن (مقامرة النتن ياهو الكبرى) مع احتمال انهيار حكومته.
3. فضيحة إبستين وملفات أخرى مرتبطة بعلاقات إسرائيلية أمريكية مثيرة للجدل تُربك المشهد السياسي في ظل شعار (أمريكا أولًا).
لذا يبدو أن ترامب لا ينوي الانتظار إلى ما لا نهاية ، فقد وصف القرار بشأن توقيت إنهاء الحرب بأنه (قرار مشترك) مع النتن ياهو، لكن لهجته تشي بأنه يريد الخروج من المستنقع بأسرع ما يمكن إيران لم تنهار كما توقع المخططون ، وهذا بحد ذاته زلزال استراتيجي فإيران المنهارة عبء كبير ومكلف على (الصين وروسيا) .. أما إيران الصامدة فنهاية للوجود والنفوذ الأمريكي في المنطقة برمتها
دمرت الضربات (الأمريكية الإسرائيلية) ما تدّعى أنه 5000 هدف وأسقطت الجيش الإيراني (الجوي والبحري) نسبيا .. لكن الحكومة لم تسقط
اعتمد الجيش الإيراني على مبدأ (الدفاع الفسيفسائي اللامركزي) الذي طوّره الحرس الثورى على مدى عقود تحسبا لهذا السيناريو بالذات ، مما أربك الحسابات الأمريكية والإسرائيلية.
انتخب الحرس الثورى على الفور مجتبى خامنئي خلفا لوالده مما أعاد إلى الأذهان قصة استبدال طالبان بطالبان بعد خسارة مليارات الدولارات على مدى 20 عامًا .. الفرق أن ترامب قلل خسائر المال والوقت.
والأهم: صمود إيران أزال الشكوك التي ساورت بعض التيارات الإسلامية حول جدية الموقف الإيراني، وأثبت مصداقية الخطاب الديني – السياسي الإيراني بما لا يقبل الجدل، مما يمهد لتوحيد الأمة بإذن الله.
فالقوى الثلاث العظمى (أمريكا، روسيا، الصين) ليست بحاجة إلى منطقة إسلامية ممزقة بالضرورة، بل ربما يستريح بعضها لوجود تكتل إقليمي منظّم يمكن التفاوض معه.
إيران المنتصرة معنويا تملك رصيدا جديدا يتيح لها جسر الهوة مع محاور إسلامية مختلفة ، وقد أثبتت أن الاستبسال المسلح ليس حكرا على أحد
توحيد الصفوف الإسلامية لم يعد رفاهيةً إيديولوجية ، بل ضرورة استراتيجية في عالم يُعيد رسم خرائطه بالنار.
ما يجرى ليس حرب إيران وحدها، بل هو إعادة رسم خريطة العالم وأوربا تدفع الثمن، وإن لم تتحد الأمة الإسلامية فستدفع الثمن مضاعفاً، إذ ستكون عرضة للاحتلال الأوربي مرة أخرى.
فيا إسلاميى العالم: اتحدوا قبل أن يتحد غيركم عليكم
ويا عرب: انتفضوا وتحرروا ، قبل أن تفقدوا عروشكم ومكانتكم الإسلامية فالفرصة التاريخية لا تطرق الباب مرتين.
قراءة وتوصيف .. موت الغرب في الشرق .. أحمد الزبير محجوب
المقالة السابقة


