مقدمة
تكشف المعطيات السياسية والعسكرية والإعلامية المرتبطة بالحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران عن صورة مركبة لفشل استراتيجي متعدد الأبعاد. فعلى الرغم من الخطاب الرسمي الذي تحدث عن “تدمير القدرات الإيرانية”، إلا أن الوقائع على الأرض، وتفاعلات الداخل الأمريكي، والمواقف الدولية، تشير إلى عجز واضح عن تحقيق أهداف الحرب، بل وتحولها إلى عبء استراتيجي متصاعد.
أولاً: التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني
أعلن دونالد ترامب تحقيق “نصر عسكري” وتدمير شامل للقدرات الإيرانية، إلا أن هذا الخطاب واجه تحديات واضحة:
استمرار التوتر وعدم إعلان نهاية حقيقية للحرب.
حديث الإدارة الأمريكية نفسها عن “مخارج طوارئ”.
بروز تقارير عن ارتباك داخل دوائر صنع القرار.
هذا التناقض يعكس محاولة تغطية فشل ميداني بخطاب إعلامي.
ثانياً: فشل بناء تحالف دولي فعّال
أحد أبرز مؤشرات الفشل تمثل في موقف حلف شمال الأطلسي، حيث:
رفض معظم الحلفاء المشاركة العسكرية المباشرة.
اكتفوا بالدعم السياسي دون التورط في الحرب.
أبدوا تحفظات واضحة على التصعيد.
كما أن الاتحاد الأوروبي دعا صراحة إلى إنهاء الحرب، وهو ما يعكس غياب الغطاء الدولي اللازم لأي نجاح استراتيجي.
ثالثاً: مأزق الانسحاب المبكر وفقدان الأهداف
إعلان الولايات المتحدة نيتها الانسحاب “قريباً جداً” يمثل اعترافاً ضمنياً بالفشل، ويكشف عن:
غياب استراتيجية طويلة المدى.
عدم القدرة على تثبيت مكاسب ميدانية.
الخوف من الانزلاق إلى حرب استنزاف.
الانسحاب في هذا السياق لا يُقرأ كخيار تكتيكي، بل كضرورة فرضها الفشل.
رابعاً: الارتباك داخل الإدارة الأمريكية
تشير المؤشرات إلى حالة من التخبط داخل واشنطن:
تقديم خيارات عاجلة لإنهاء الحرب.
استقالات في مواقع أمنية حساسة.
تصاعد القلق داخل الدائرة المحيطة بالرئيس.
كما أن التناقضات الإعلامية والتكذيب المتكرر لبعض التصريحات أضعفت مصداقية الإدارة.
خامساً: الضغوط الداخلية وتآكل القاعدة الشعبية
انعكست الحرب سلباً على الداخل الأمريكي:
شعور قطاعات من الشباب بـ“الندم” على دعم القيادة السياسية.
تصاعد الانتقادات للحرب وتكاليفها.
تنامي المخاوف من التورط في صراع طويل.
هذا التآكل الداخلي يمثل أحد أهم عوامل الفشل الاستراتيجي.
سادساً: التصدع في العلاقات مع الحلفاء
أدت الحرب إلى توتر العلاقات مع الحلفاء الغربيين:
خلافات مع بريطانيا ودول أوروبية.
تدخلات دبلوماسية لاحتواء التوتر.
مخاوف من فقدان الدعم لإسرائيل بسبب سياساتها.
هذا التصدع أضعف الجبهة الغربية الموحدة.
سابعاً: الفشل في إدارة ملف الطاقة العالمي
أحد أخطر تداعيات الحرب كان في مجال الطاقة:
ارتباك الأسواق العالمية.
لجوء الولايات المتحدة بشكل غير مباشر إلى شبكات نفط مرتبطة بإيران.
صعوبة تأمين تحالف لحماية مضيق هرمز.
هذا يعكس مفارقة استراتيجية: محاربة إيران مع الاعتماد عليها اقتصادياً.
ثامناً: مؤشرات التآكل العسكري واللوجستي
ظهرت إشارات مقلقة على مستوى الجاهزية العسكرية:
حوادث في معدات استراتيجية مثل حاملات الطائرات.
استمرار العمليات لفترات أطول من المتوقع.
ارتفاع الكلفة اللوجستية.
هذه المؤشرات تعزز فرضية فشل الحسم السريع.
تاسعاً: تحوّل الحرب إلى فخ استراتيجي
مع تصاعد الأحداث، تحولت الحرب إلى ما يشبه “الفخ”:
صعوبة التصعيد دون كلفة كبيرة.
صعوبة الانسحاب دون خسارة سياسية.
تزايد المخاطر الإقليمية.
هذا الوضع يعكس فقدان السيطرة على مسار الصراع.
عاشراً: انعكاسات الفشل على إسرائيل
تأثرت إسرائيل بشكل مباشر من هذا الفشل:
احتمال تراجع الدعم الأمريكي.
تصاعد الضغوط السياسية.
انكشاف محدودية القدرة على الحسم دون دعم كامل.
حادي عشر:
الربط بالسياق الأوسع (السودان نموذجاً)
يتقاطع الفشل في الحرب على إيران مع ملفات أخرى مثل السودان:
انشغال الولايات المتحدة بملفات متعددة أضعف تركيزها.
صدور بيانات أمريكية حول السودان يعكس إعادة ترتيب الأولويات.
تراجع القدرة على إدارة أزمات متعددة في وقت واحد.
وهذا يشير إلى إرهاق استراتيجي أمريكي شامل.
خاتمة:
من الهيمنة إلى إدارة الأزمات
تكشف هذه الحرب عن تحول عميق في طبيعة القوة الأمريكية–الإسرائيلية:
لم يعد التفوق العسكري كافياً لتحقيق الأهداف.
تتزايد أهمية التوازنات الدولية والإقليمية.
يتحول الصراع من “حسم سريع” إلى “إدارة أزمات معقدة”.
إن فشل الحرب على إيران لا يمثل حدثاً عابراً، بل مؤشرًا على بداية مرحلة جديدة في النظام الدولي، تتراجع فيها القدرة على فرض الإرادة بالقوة، لصالح معادلات أكثر تعقيداً تقوم على الردع المتبادل والتوازنات الدقيقة.
التقرير الاستراتيجي(11) .. فشل الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران: من وهم الحسم العسكري إلى مأزق الانسحاب وإعادة تشكيل التوازنات.. د. الزمزمي بشير عبد المحمود.. باحث مختص في الشأن الأفريقي
المقالة السابقة


