Popular Now

حين يكتب ابن المقفع عن خطاب حميدتي الأخير تحت عنوان (باب الطبل والمعنويات المنكسرة) .. د. محمد حسن فضل الله

وجه الحقيقة | دولة النزاهة أم دولة الملاحقة؟ .. إبراهيم شقلاوي

جذور و أوراق .. مرافئ الحنين … القضارف في رحاب الدوحة .. موفق عبدالرحمن محمد

سلسلة الحرب على السودان (35) | السودان بين التصعيد الإقليمي والتحولات الدبلوماسية .. هل بدأت موازين الحرب والسياسة في التغيّر؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي

مقدمة
تشهد الحرب في السودان مرحلة بالغة التعقيد، تتداخل فيها الأبعاد العسكرية مع الحسابات الإقليمية والدولية بصورة غير مسبوقة. فمع استمرار استهداف المنشآت الحيوية بالعاصمة الخرطوم، وتصاعد الاتهامات المتعلقة بالدعم الخارجي لقوات الدعم السريع، بدأت ملامح تحولات دبلوماسية جديدة تظهر في المشهد، سواء عبر عودة بعض البعثات الدبلوماسية إلى الخرطوم، أو من خلال تصاعد الحراك الدولي حول مستقبل السودان.
وفي المقابل، تتزايد الضغوط على القوى المرتبطة بالحرب، وسط تراجع الخطاب السياسي لبعض المجموعات المدنية والمسلحة التي وجدت نفسها أمام واقع ميداني وسياسي مختلف عن بدايات الصراع.
أولاً: استهداف مطار الخرطوم وتحول المعركة إلى صراع سيادي
لم يعد استهداف مطار الخرطوم الدولي مجرد عملية عسكرية معزولة، بل أصبح رمزاً لصراع أوسع يتعلق بهيبة الدولة السودانية ومحاولة تعطيل عودة الحياة الطبيعية إلى العاصمة.
فمع كل محاولة لإعادة تشغيل المطار واستئناف الحركة المدنية، تتكرر الهجمات بالطائرات المسيّرة، بما يعكس وجود إرادة واضحة لإبقاء السودان في دائرة الفوضى والشلل الاقتصادي والإداري.
وقد دفعت هذه التطورات الحكومة السودانية إلى تصعيد تحركاتها الدبلوماسية، بما في ذلك تقديم شكاوى وتحركات رسمية تجاه قوى دولية مؤثرة، في محاولة لتوسيع دائرة الإدانة الدولية للهجمات على المنشآت المدنية.
ثانياً: واشنطن بين القلق وإعادة الحسابات
التصريحات الأمريكية الأخيرة حول مستقبل السودان تعكس وجود مراجعات داخل دوائر القرار الغربي تجاه مسار الحرب وتعقيداتها الإقليمية.
ففي بداية الحرب، بدا أن بعض القوى الغربية تراهن على إمكانية فرض ترتيبات سياسية جديدة عبر الضغط على المؤسسة العسكرية السودانية، غير أن تطورات الميدان والانقسامات داخل التحالفات المدنية والمسلحة جعلت المشهد أكثر تعقيداً.
كما أن تنامي المخاوف من تحول السودان إلى بؤرة تهدد أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي دفع واشنطن إلى التعامل بحذر أكبر مع مسارات الصراع، خصوصاً بعد تصاعد الحديث عن التدخلات الإقليمية وخطوط الإمداد العابرة للحدود.
ثالثاً: الدعم الخارجي وخطوط الإمداد… الحرب العابرة للحدود
أعادت شهادات بعض المنشقين عن قوات الدعم السريع ملف الدعم الخارجي وخطوط الإمداد إلى الواجهة مجدداً، خاصة في ما يتعلق بالممرات الحدودية والتحركات اللوجستية الإقليمية.
وتشير العديد من التحليلات إلى أن استمرار الحرب بهذا الشكل لم يكن ممكناً دون وجود شبكات دعم وتمويل وتسليح معقدة، ترتبط بمصالح إقليمية ودولية تتجاوز حدود السودان نفسه.
وفي هذا السياق، أصبح الصراع السوداني جزءاً من معادلة أوسع تشمل أمن البحر الأحمر والتنافس الجيوسياسي في القرن الأفريقي، فضلاً عن صراعات النفوذ الإقليمي.
رابعاً: الإمارات وأزمة العلاقات الإقليمية
تزامناً مع تصاعد الاتهامات المتعلقة بالحرب السودانية، برزت نقاشات أوسع حول طبيعة علاقات الإمارات ببعض الدول العربية، في ظل تباينات متزايدة حول ملفات إقليمية متعددة.
وقد ساهمت الحرب السودانية في توسيع دائرة الجدل بشأن أدوار بعض القوى الإقليمية في النزاعات العربية، خاصة مع تكرار الاتهامات المتعلقة بالدعم السياسي أو العسكري أو المالي لأطراف الصراع.
ورغم استمرار النفي الرسمي، فإن تنامي الانتقادات الإقليمية والدولية يعكس وجود أزمة ثقة متصاعدة بشأن طبيعة التدخلات الخارجية في السودان.
خامساً: إثيوبيا وتيجراي… حدود مشتعلة ومخاوف متبادلة
في الجانب الإثيوبي، لا تزال التوترات الداخلية تلقي بظلالها على المشهد الإقليمي بأكمله.
فالتصريحات الصادرة عن جبهة تيجراي بشأن السودان تعكس حساسية المرحلة وتعقيدات العلاقة بين الخرطوم وأديس أبابا، خاصة في ظل الاتهامات المتبادلة والتوترات الحدودية القديمة.
كما أن استمرار عدم الاستقرار داخل إثيوبيا يجعل من الصعب فصل الحرب السودانية عن التوازنات الأمنية في القرن الأفريقي، حيث أصبحت الحدود المشتركة مسرحاً محتملاً لتقاطعات أمنية وعسكرية معقدة.
سادساً: عودة السفارات… رسائل سياسية تتجاوز الدبلوماسية
يحمل رفع إحدى الدول العربية لعلمها في الخرطوم إيذاناً بعودة سفارتها دلالات سياسية مهمة، تتجاوز البعد الدبلوماسي التقليدي.
فالخطوة تعكس وجود قناعة متزايدة لدى بعض العواصم العربية بأن مؤسسات الدولة السودانية لا تزال قادرة على الصمود وإعادة بناء الحد الأدنى من الاستقرار.
كما تمثل العودة التدريجية للبعثات الدبلوماسية مؤشراً على تغير في تقييم الوضع الأمني والسياسي داخل العاصمة، بعد أشهر طويلة من الحرب والفوضى.
سابعاً: أزمة القوى المدنية وانكشاف التناقضات
أحد أبرز التحولات التي كشفتها الحرب يتمثل في أزمة الخطاب داخل بعض القوى المدنية التي انتقلت من شعارات الثورة والتغيير إلى حالة من التشتت والانقسام.
وقد ظهرت انتقادات واسعة لما اعتبره البعض ارتهاناً لبعض المجموعات السياسية لتحالفات خارجية أو رهانات عسكرية أضعفت استقلالية القرار الوطني.
ومع تطاول أمد الحرب، بدأت قطاعات من الشارع السوداني تعيد تقييم مواقفها من عدد من القوى السياسية التي فشلت في تقديم مشروع وطني جامع يوقف الانهيار ويحافظ على مؤسسات الدولة.
ثامناً: السودان بين مشروع الدولة ومشروعات التفكيك
تكشف مجمل التطورات الحالية أن جوهر الصراع لم يعد فقط حول السلطة، بل حول طبيعة الدولة السودانية نفسها.
فهناك مشروع يسعى للحفاظ على وحدة السودان ومؤسساته رغم كل التحديات، يقابله واقع من التدخلات الخارجية والانقسامات الداخلية ومحاولات إعادة تشكيل التوازنات السياسية والجغرافية بالقوة.
غير أن التحولات الميدانية، وتماسك قطاعات واسعة من المجتمع السوداني حول فكرة الدولة الوطنية، بدأت تفرض معادلات جديدة لم تكن متوقعة في بدايات الحرب.

خاتمة
يدخل السودان اليوم مرحلة دقيقة تتداخل فيها الحرب العسكرية مع الحرب الدبلوماسية والإعلامية والاقتصادية، وسط بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.
فاستهداف المنشآت المدنية، وتصاعد الاتهامات بالتدخلات الخارجية، وتبدل المواقف الدولية، كلها مؤشرات على أن الصراع تجاوز حدوده المحلية ليصبح جزءاً من إعادة تشكيل التوازنات في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
ومع ذلك، فإن عودة بعض مظاهر الحياة إلى الخرطوم، واستمرار تماسك قطاعات واسعة من المجتمع والقوات النظامية، يشيران إلى أن الدولة السودانية، رغم الجراح، لا تزال تمتلك القدرة على الصمود وإعادة ترتيب المشهد الداخلي في مواجهة مشاريع الفوضى والتفكيك.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6051 | وجهة نظرنا حول مخرجات ورش عمل عقدت مؤخرًا بالقاهرة عن العدالة المرتجاة

المقالة التالية

علاقة دولة جنوب السودان بالسودان: عتمة استراتيجية أم مستقبل مشرق؟ (1) .. السودان الحديث وتكوين المجال الجيوسياسي (1821–1956) .. د. إسماعيل الناير عثمان .. باحث استراتيجي .. عضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *