(١)
قال دبشليم الملك لبيدبا الحكيم: يا بيدبا، ما بالُ أقوام إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، أكثروا من الصياح، وأطالوا الحديث عن النصر القريب، حتى يخيل للسامع أن الفرج يقف خلف الباب، ثم لا يفتح الباب ولا يخرج أحد؟
فقال بيدبا: أيها الملك السعيد، إن الغريق إذا اشتد عليه الموج، أكثر من التلويح بيديه، لا لأنه بلغ الشاطئ، ولكن حتى لا يبتلعه النهر. وكذلك شأن القادة إذا تراجعت بهم الساحات، فإنهم يستبدلون صوت المدافع بضجيج الكلمات، ويستعيضون عن النصر الحقيقي بوعدٍ مؤجل اسمه (قريباً جداً).
(2)
وفي شأن البطارية التي أوشكت أن تنطفئ قال دبشليم: وكيف رأيت خطاب الرجل؟ قال بيدبا: رأيته يا مولاي كالتاجر الذي فرغ دكانه، فعلق على الباب لافتة كبيرة كتب عليها: (البضائع الفاخرة في الطريق.) فالرجل لم يكن يخاطب خصومه بقدر ما كان يحاول شحن بطارية المعنويات بعدما ظهر في معسكره صوت خافت يقول:(البطارية ضعيفة… يرجى توصيل الشاحن). وكأن خطابه أشبه بطبلٍ يضرب في ليلة مظلمة حتى لا يسمع الناس صوت الريح وهي تقتلع الخيام.
(3)
وفي الأخبار السارة التي ضلت الطريق قال دبشليم: ولِمَ أكثر الرجل من ذكر الأخبار السارة؟ فقال بيدبا: لأن الأخبار السارة يا مولاي تشبه السراب في الصحارى؛ كلما اقترب منها العطاشى ابتعدت أكثر.وقد ظل الرجل يقول: ( ح تسمعوا أخبار سارة قريب). حتى صار (القريب) عند قومه زمناً مطاطاً لا يُعرف أوله من آخره، وربما يمتد أربعين سنة، وهي ذات المدة التي لوّح بها للحرب. فكأنه قال لقومه:(اصبروا على الجوع والعطش والخوف)… فالنصر قادم، فقط لا تسألوا: من أين يأتي؟ ومتى يصل؟
(4)
وأما في الذي نفى عن نفسه التهمة فأثبتها قال دبشليم: وما باله يكثر من القول إنه ليس مليشيا؟فضحك بيدبا وقال:يا مولاي، إن الواثق من نسبه لا يحمل شجرة عائلته في الأسواق. فالذي يقضي نصف خطابه نافياً صفة عنه، إنما يخبر الناس – من حيث لا يدري – أن تلك الصفة تطارده كظله.
(5)
وبشأن الحرب التي اتسعت حتى ابتلعت القاموس قال دبشليم: ومن كان عدوه في الخطاب؟ فقال بيدبا: يا مولاي، لو أصغيت للخطاب لظننت أن الرجل يقاتل: الجيش ،والإسلاميين، والدواعش، والشياطين، والكتائب، والأمن و الاستخبارات، وربما كل من لم يقل له: (ما قصرتوا). حتى خُيل إليّ أن الحرب خرجت من الميدان إلى القاموس نفسه، فصار يقاتل الكلمات قبل الرجال.
(6)
وفي البلاد التي تحارب بلا جيش قال دبشليم: بلغني أنه قال: (ما في حاجة اسمها جيش) فكيف ذلك؟ فقال بيدبا: نعم يا مولاي، وهي كلمة لو سمعها حكماء الحرب لأسقطوا من كتبهم باب الجيوش كله. فبحسب قوله، أصبحت السودان أول بلاد في الدنيا تخوض حرباً بلا جيش، ضد قوة ليست مليشيا في معركة لا يريدها أحد، لكنها قد تستمر أربعين عاماً! وهذه من عجائب زماننا يا مولاي، حيث تهزم الكلمات الحقائق، ولو إلى حين.
(7)
أما في الدولة التي ستُبنى بعد انتهاء الحماس فقال دبشليم: وهل حدثهم عن الدولة التي يعدهم بها؟ قال بيدبا:حدثهم كثيراً يا مولاي، لكنه ترك الأبواب كلها مغلقة… فلم يقل لهم: أين الدستور؟ وأين القانون؟ وأين المؤسسات؟ وكيف يُحكم الناس؟ ومن أين يأتي الخبز والدواء والكهرباء؟ وكأن الدولة عنده خيمة تُنصب بالهتاف، أو مدينة تُبنى بالحماس وحده.
(8)
وفي الخلطة السحرية بين الحرب وحلقة الذكر قال دبشليم: وكيف وجدت لغته؟ قال بيدبا: وجدتها يا مولاي خلطة عجيبة، فيها: الدعاء، والشهداء، والأطفال والنساء، والصبر، و(ما قصرتوا) وبإذن الله، وقريب جداً حتى حسبت الرجل مرةً قائداً عسكرياً، ومرة (شيخ طريقة) ومرة معالجاً نفسياً يحاول إقناع المرضى بأن الألم مجرد سوء فهم.
(9)
وفي السلام الذي يمر عبر أربعين سنة من الحرب قال دبشليم: وهل دعا فى خطابه إلى السلام؟ فقال بيدبا: نعم يا مولاي، لكنه سلام يشبه الطريق الذي يبدأ من الخرطوم وينتهي في آخر الدنيا. فهو يقول نحن لا نريد الحرب.”ط ثم يتحدث بعدها مباشرة عن احتمال استمرارها عشرات السنين.
فذكّرني برجل يقول لجاره: (أنا لا أحب المشاكل… لكن إن بدأت فلن تنتهي حتى يرث الله الأرض ومن عليها)
(10)
وفي جلسة العلاج النفسي الجماعي قال دبشليم: فلمن كان الخطاب إذاً؟ قال بيدبا: الخطلب يامولاى لم يكن للخارج يا مولاي، بل للداخل المرتجف. كان يطمئن المقاتلين، والجرحى، والحاضنة، والمترددين وحتى المتفائلين الذين أوشك التفاؤل أن يغادرهم. وكانت الرسالة الخفية تقول الوضع ممتاز… فقط أغمضوا أعينكم قليلاً عن الواقع.
(11)
ثم قال دبشليم وما خاتمة الحكاية اذن.. قال بيدبا: اعلم يا مولاي أن الحروب الطويلة لا تُنتج الخراب وحده، بل تُنتج أيضاً خطاباتٍ كثيرة الحماس، كثيرة الانفعال، كثيرة الوعود المؤجلة. فإذا رأيت قائداً يكرر أن الأمور تحت السيطرة عشرات المرات، فاعلم أن السيطرة نفسها صارت تحتاج إلى من يرفع معنوياتها.
ولذلك كان الخطاب – في حقيقته – أشبه بمؤتمر إسعاف نفسي عاجل، أكثر منه مشروع دولة أو رؤية لحكم بلاد أنهكتها الحرب.
فقال دبشليم: صدقت يا بيدبا، فإن الولاية الضجيج تكثران دائماً حين تسن السكين للذبح أو يوشك الغريق على الغرق.


