ليست أزمةُ الأصل القضية | وهمُ المحاسبة… حين تتحول السلطة التقديرية إلى حصانةٍ مقنّعة وكيف تُعيد المشروعيةُ بناءَ الدولة من داخل الإدارة؟ .. محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية دولة السودانية اليوم في غياب النصوص، بل في الكيفية التي تُدار بها النصوص.
فالقوانين موجودة، واللوائح متخمة بالمواد، ومفردات “المساءلة” و”المحاسبة” و”الشفافية” تتكرر في الخطاب الرسمي بكثافة تكاد توحي بأن البلاد تعيش في ذروة الانضباط المؤسسي. لكن ما إن يقترب المواطن من الواقع، حتى يكتشف أن كل تلك المفردات لا تتجاوز في كثيرٍ من الأحيان حدود “الديكور الإداري” الذي يمنح الانطباع بوجود دولةٍ تُحاسِب، بينما الحقيقة الأعمق أن بنية الإدارة ذاتها صُمِّمت بحيث تُفلت من المحاسبة.
وهنا تبدأ أصل القضية.
ففي التجربة السودانية، لا تعمل السلطة التقديرية باعتبارها أداةً قانونية تمنح الإدارة مرونةً لتحقيق المصلحة العامة، بل تتحول – في كثير من الأحيان – إلى منطقةٍ رمادية تتعطل فيها المعايير، وتضيع فيها المسؤوليات، ويتحول القرار الإداري من فعلٍ قابلٍ للمراجعة إلى سلطةٍ عصية على المساءلة.
والأخطر من ذلك أن هذا التحول يحدث بصورة “مشروعة” ظاهريًا.
إذ إن الموظف أو المسؤول لا يقول إنه خالف القانون، بل يقول إنه “استخدم سلطته التقديرية”.
والمدير لا يعترف بأنه عطّل الحقوق، بل يصف ما جرى بأنه “تقدير للمصلحة العامة”.
أما المؤسسة، فغالبًا ما تتعامل مع الاعتراضات باعتبارها اختلافًا في وجهات النظر لا تجاوزًا في استخدام السلطة.
وهكذا، لا تختفي المحاسبة دفعةً واحدة، بل تذوب تدريجيًا داخل اللغة الإدارية نفسها.
إن إحدى أخطر الإشكاليات في بنية الإدارة السودانية أنها كثيرًا ما تخلط بين “السلطة التقديرية” و”السلطة المطلقة”.
بينما الفرق بينهما في الفكر الإداري الحديث فرقٌ جوهري.
فالسلطة التقديرية في أصلها ليست امتيازًا شخصيًا للمسؤول، وإنما أداة قانونية مشروطة بغايات محددة؛ أهمها تحقيق العدالة الإدارية، ومراعاة الظروف الواقعية، وضمان المرونة في تطبيق النصوص. لكنها تظل – حتى في أوسع صورها – خاضعة لرقابة المشروعية، ولمبادئ عدم التعسف، وتكافؤ الفرص، والسببية، والانحراف بالسلطة.
غير أن ما يحدث في كثيرٍ من المؤسسات السودانية هو أن “التقدير” يتحول إلى مساحةٍ معزولة عن أي فحص حقيقي.
فتُرفض الطلبات بلا تسبيب.
وتُجمّد الملفات بلا مواعيد.
وتُمنح الامتيازات بمعايير غير معلنة.
وتُعطّل الإجراءات تحت ستار “الدراسة”.
ثم تُغلق كل أبواب الطعن بعبارة واحدة: “هذا أمرٌ تقديري”.
وهنا تتحول السلطة التقديرية من وسيلةٍ لتحقيق العدالة إلى أداةٍ لإنتاج الغموض المؤسسي.
لكن السؤال الأهم ليس: كيف نشأت الأزمة؟
بل: كيف يمكن للدولة أن تستعيد مشروعيتها الإدارية؟
إن الحلول الحقيقية لا تبدأ بالشعارات، بل بالعودة إلى مبدأ “المشروعية” بوصفه الأساس الذي تخضع له الإدارة، لا الاستثناء الذي تتجاوزه.
فالمشروعية ليست مجرد التزامٍ شكلي بالنصوص، وإنما منظومةٌ متكاملة تعني أن كل قرارٍ إداري يجب أن يكون:
مستندًا إلى سند قانوني واضح،
ومسببًا بصورةٍ مفهومة،
وخاضعًا للمراجعة والطعن،
ومتسقًا مع مبدأ المساواة وعدم التمييز.
ومن هنا، فإن أولى خطوات الإصلاح تتمثل في “تقييد السلطة التقديرية بالتسبيب الإلزامي”.
أي ألّا يكون من حق أي جهةٍ إدارية رفض طلبٍ أو تعطيل إجراءٍ أو منح استثناء دون بيان الأسباب القانونية والواقعية التي استندت إليها.
لأن الإدارة التي لا تُفسّر قراراتها، لا يمكن مساءلتها.
أما الحل الثاني، فيكمن في إعادة بناء “الرقابة الإدارية والقضائية” على أساس الفاعلية لا الشكل.
فكثير من أجهزة الرقابة في العالم النامي تتحول مع الزمن إلى مؤسسات توثيق لا مؤسسات تصحيح.
تكتب التقارير، لكنها لا تغيّر السلوك الإداري.
ولهذا، فإن المشروعية الحقيقية تقتضي أن تكون هناك:
آجال قانونية ملزمة للرد على المعاملات،
ومسارات واضحة للتظلم،
وعقوبات على الامتناع عن اتخاذ القرار،
وإمكانية حقيقية للطعن في الانحراف بالسلطة أو إساءة استعمالها.
فأخطر أنواع الفساد ليس دائمًا ما يتم عبر الرشوة المباشرة، بل ما يتم عبر “التعطيل الانتقائي” للحقوق والإجراءات.
كما أن الدولة بحاجة إلى الانتقال من “ثقافة الأشخاص” إلى “ثقافة المؤسسات”.
ففي كثير من البيئات الإدارية السودانية، ترتبط الحقوق بوجود المسؤول المتعاون لا بوجود النظام العادل.
فإذا تغير الشخص، تغيرت المعايير.
وهنا تصبح الإدارة هشّة، لأن الدولة الحديثة لا تُبنى على مزاج الموظف، بل على استقرار القواعد.
ومن الحلول الجوهرية كذلك، رقمنة الإجراءات الإدارية وربطها بمنصات تتبع واضحة، بحيث يصبح من الممكن معرفة: من استلم المعاملة؟
ومن أخّرها؟
ولماذا توقفت؟
وكم استغرقت؟
فالرقمنة ليست رفاهية تقنية، بل أداة لتجفيف الغموض الإداري الذي تنمو داخله شبكات المحاباة والوساطة.
غير أن الإصلاح الأعمق يظل إصلاحًا ثقافيًا قبل أن يكون قانونيًا.
إذ لا يمكن بناء إدارةٍ خاضعة للمشروعية في مجتمعٍ اعتاد النظر إلى القانون باعتباره عائقًا يمكن تجاوزه بالعلاقات.
ولهذا، فإن إعادة الاعتبار لفكرة “الحق العام” تمثل شرطًا أساسيًا لأي تحول مؤسسي حقيقي.
أي أن يشعر الموظف أن سلطته ليست ملكًا شخصيًا، وأن يشعر المواطن أن احترام الإجراءات ليس منحةً من الإدارة بل حقٌ أصيل له.
إن رؤية “الجسر والمورد” ترى أن معركة المشروعية في السودان ليست معركة قانون فقط، بل معركة وعيٍ بالدولة نفسها.
بالفرق بين الدولة التي تُدار بالقواعد، والدولة التي تُدار بالاستثناءات.
وبين الإدارة التي ترى نفسها خادمةً للمرفق العام، والإدارة التي تتعامل مع السلطة باعتبارها مساحة نفوذ.
فكل سلطةٍ لا تُقيَّد بالمشروعية، تتضخم.
وكل قرارٍ لا يُفسَّر، يُثير الشك.
وكل محاسبةٍ لا تصل إلى أصل القرار، تتحول إلى عرضٍ إداري مؤقت.
ولهذا، فإن استعادة ثقة المواطن لا تبدأ من زيادة الخطب عن النزاهة، بل من بناء إدارةٍ يستطيع فيها المواطن أن يتوقع النتيجة نفسها مهما تغيّر الأشخاص.
حينها فقط… تتحول المشروعية من نصوصٍ على الورق إلى عقدٍ حقيقي بين الدولة والمجتمع.
وهنا… أصل القضية.


