Popular Now

من جهة أخرى..الدعوة الإسلامية.. منظمة تسبقها سمعتها .. عبود عبدالرحيم

وجه الحقيقة | عدنا جميعًا… إلا أنتم إبراهيم شقلاوي

مسارات .. قراءة في خرائط النفوذ والتحولات العسكرية في الإقليم .. د.نجلاء حسين المكابرابي

من ويستمنستر إلى الشعبوية:هل تدخل بريطانيا نهاية عصر الحزبين أم بداية إعادة اختراع الديمقراطية؟ .. ميرغني الحبر/ المحامي

لم تكن نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة في بريطانيا مجرد انتكاسة انتخابية لحزبٍ حاكم، بل بدت وكأنها لحظة مراجعة تاريخية للنظام السياسي البريطاني بأكمله. فالصعود اللافت لحزب “إصلاح المملكة المتحدة” بقيادة (نايجل فاراج) مقابل التراجع الكبير لـ حزب العمال البريطاني وخصمه التقليدي حزب المحافظين البريطاني، كشف عن أزمة أعمق من مجرد تبدل المزاج الانتخابي؛ إنها أزمة ثقة في النموذج التقليدي لديمقراطية ويستمنستر نفسها.

لقد اعتادت بريطانيا، لعقود طويلة، على نظام سياسي مستقر يقوم على التداول السلس للسلطة بين حزبين كبيرين، ضمن مؤسسات راسخة وتقاليد دستورية متينة. لكن نتائج الانتخابات الأخيرة توحي بأن ذلك النموذج التاريخي بدأ يفقد قدرته على احتواء التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية العاصفة التي تضرب المجتمع البريطاني منذ سنوات.

ومن اللافت أن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، في مقاله بصحيفة الغارديان، لم يتعامل مع النتائج بوصفها مجرد خسارة انتخابية عابرة، بل أقر بوضوح بوجود حالة إحباط عميق داخل المجتمع البريطاني تجاه الطبقة السياسية والنظام القائم. فقد اعترف بأن الناخبين، على اختلاف انتماءاتهم، يشعرون منذ سنوات بأن السياسة لم تعد قادرة على تحسين حياتهم أو معالجة أزماتهم المتفاقمة.
هذا الاعتراف يحمل دلالة مهمة؛ لأن الأزمة لم تعد مجرد أزمة حزب، بل أزمة ثقة عامة في السياسة التقليدية ذاتها.
فمنذ استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، دخلت بريطانيا مرحلة من الاضطراب السياسي والاجتماعي لم تتوقف تداعياتها. ذلك الاستفتاء لم يكن فقط قرارًا بمغادرة الاتحاد الأوروبي، بل كان انفجارًا لغضب شعبي مكتوم تجاه النخب السياسية والاقتصادية، وكشف عن انقسام عميق بين المدن الكبرى والأقاليم، وبين دعاة العولمة وأنصار الهوية القومية المحافظة.

ثم جاءت الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع الخدمات العامة، وأزمات الهجرة والطاقة، لتعمق شعور قطاعات واسعة من البريطانيين بأن الحزبين التقليديين لم يعودا قادرين على تقديم حلول حقيقية.
في مثل هذه البيئات، تنمو الشعبوية.
لقد استطاع فاراج أن يقدم نفسه بوصفه صوت “البريطاني الغاضب”، مستثمرًا مشاعر الإحباط والخوف من المستقبل، ومخاطبًا الطبقات التي تشعر بأنها مهمشة اقتصاديًا وثقافيًا. وهو مسار لم يعد حكرًا على بريطانيا، بل أصبح ظاهرة غربية عامة تمتد من الولايات المتحدة إلى فرنسا وإيطاليا وغيرها.

غير أن اللافت في خطاب ستارمر أنه حاول تقديم قراءة مختلفة للأزمة؛ فهو يرى أن الناخبين، مهما اختلفت انتماءاتهم الحزبية، تجمعهم هموم واحدة: غلاء المعيشة، والرغبة في الأمن، والبحث عن فرص أفضل للأجيال القادمة. ولذلك دعا إلى عدم الانزلاق نحو استقطاب حاد بين اليمين واليسار، بل إلى بناء “حركة سياسية عريضة” قادرة على توحيد البريطانيين بدلًا من تقسيمهم.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى في المشهد البريطاني الحالي: فبينما يدفع الغضب الشعبي نحو صعود التيارات الشعبوية والقومية، تحاول المؤسسة التقليدية إنقاذ النظام عبر خطاب أكثر واقعية واعترافًا بالأزمة.
لكن السؤال الجوهري يبقى:
*هل ما يزال الوقت متاحًا أمام ديمقراطية ويستمنستر لإعادة اختراع نفسها؟*
فالانتخابات الأخيرة أظهرت بوضوح أن الناخب البريطاني لم يعد يمنح ولاءه التاريخي تلقائيًا لحزب العمال أو المحافظين. لقد أصبح أكثر تقلبًا وأكثر استعدادًا لمعاقبة الجميع والبحث عن بدائل جديدة، حتى وإن كانت راديكالية أو غير مجربة.
وهذا يعني أن بريطانيا قد تكون مقبلة على نهاية فعلية لمرحلة “الحزبين الكبيرين”، والدخول في عصر سياسي أكثر تشظيًا، تتنافس فيه قوى متعددة: الشعبويون، والخضر، والقوميون، والليبراليون، والأحزاب التقليدية المتراجعة. وهو تحول قد يجعل الحكومات المقبلة أقل استقرارًا وأكثر هشاشة.

ومع ذلك، فإن خطورة المشهد لا تعني بالضرورة انهيار الديمقراطية البريطانية، بل ربما تدفعها إلى إعادة بناء نفسها بصورة مختلفة. فبريطانيا ما تزال تمتلك مؤسسات عريقة وقضاءً مستقلًا وإعلامًا مؤثرًا وتقاليد سياسية متجذرة، وهي عناصر قد تساعدها على تجاوز هذه المرحلة المضطربة.
لكن نجاح ذلك مرهون بقدرة النخب السياسية على فهم الرسالة الحقيقية التي بعث بها الناخب البريطاني:
الناس لا يبحثون فقط عن شعارات أيديولوجية، بل عن دولة قادرة على تحسين حياتهم، وتأمين مستقبلهم، واستعادة ثقتهم في السياسة.
لذلك، فإن ما تشهده بريطانيا اليوم ليس مجرد تحول انتخابي عابر، بل لحظة تاريخية فارقة قد تعيد تعريف الديمقراطية البريطانية نفسها:
إما أن تنجح في تجديد عقدها الاجتماعي والسياسي، أو تدخل عصرًا طويلًا من الشعبوية والاستقطاب والتشظي.
وفي الحالتين، يبدو أن بريطانيا التي عرفها العالم طوال العقود الماضية لم تعد هي ذاتها التي تتشكل اليوم أمام أعيننا.

المقالة السابقة

أصل القضية | وهمُ المحاسبة… حين تتحول السلطة التقديرية إلى حصانةٍ مقنّعة وكيف تُعيد المشروعيةُ بناءَ الدولة من داخل الإدارة؟ .. محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

المقالة التالية

مسارات .. قراءة في خرائط النفوذ والتحولات العسكرية في الإقليم .. د.نجلاء حسين المكابرابي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *