Popular Now

تشظى الوطن: كيف تفتت الأمن الوطني السوداني د. سعد حسن فضل الله .. المستشار بمركز الخبراء العرب للدراسات الصحفية ودراسات الرأى العام

كروت الضغط السودانية على الحكومة الإثيوبية .. مستشار هشام محمود سليمان

وجه الحقيقة | السودان.. تفكك الميدان وهندسة السياسة .. إبراهيم شقلاوي

تشظى الوطن: كيف تفتت الأمن الوطني السوداني د. سعد حسن فضل الله .. المستشار بمركز الخبراء العرب للدراسات الصحفية ودراسات الرأى العام

لم يعد الصراع في السودان مجرد حرب أهلية تدور رحاها بين قوة نظامية واخرى متمردة عليها ، بل تحول إلى ما يشبه حربًا إقليمية منخفضة الشدة تتداخل فيها الأجندات المحلية بالصراعات الجيوسياسية الدولية. فمع دخول الحرب عامها الرابع، لم يعد الأمن الوطني السوداني مهددًا فقط من داخله، بل بات رهينة لتحالفات هشة وصراعات بالوكالة تعيد رسم خريطة البلاد على أسس قبلية وإثنية وجيوسياسية، مهددةً وحدة الدولة ومستقبلها.

من هامش الحرب إلى قلب المعادلة الإقليمية:
كشف مسرح العمليات في ولاية النيل الأزرق عن نموذج صارخ لكيفية تحول المليشيات من لاعب محلي إلى أداة في صراع إقليمي.
هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في الولاءات، بل فتح الباب أمام تدخل أجنبي مباشر. فالادلة التي تملكها الحكومة السودانية بشأن فتح إثيوبيا لحدودها لمعسكرات تدريب مليشيا الدعم السريع، واستخدام مطاراتها لنقل مرتزقة وطائرات مسيرة إماراتية تهاجم البشر والبنى التحتة، تعكس كيف أصبحت المليشيات بوابة
للتدخل الخارجي.
هذا التدخل يضرب السيادة الوطنية في الصميم؛ فعندما تتحول أراضي الدولة إلى ساحة لتصفية حسابات بين دول اقليمية، فإن الدولة نفسها تبدأ في التآكل. ويصبح الأمن الوطني مرهونًا بتوازنات لا علاقة لها بمصلحة السودانيين، بل بموقع سد النهضة أو طرق تهريب الذهب أو النفوذ في البحر الأحمر.

دوامة التفتيت العرقي والجغرافي:
من أخطر تداعيات انتشار المليشيات أنها تعيد إنتاج الدولة على أسس قبلية وجهوية. مستغلة الجماعات العرقية المحلية، ومستفيدة من النزاعات على الأرض والسلطة لتجنيد المقاتلين. وهذا ما يحدث في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، حيث لم يعد ولاء المقاتل للسودان الموحد، بل للقبيلة أو للقائد المحلي الذي يوفر السلاح والمال القادم من الخارج.
هذه الظاهرة تؤدي إلى ما وصفه المراقبون بـتفتيت الدولة حيث تتحول البلاد فعليًا إلى مناطق نفوذ يديرها أمراء حرب بسلطات متصارعة، مما يرجح احتمالية التحول إلى دولة فاشلة أو حتى عدة دويلات داخل حدود السودان المعترف بها. ولذلك يصبح الحديث عن
جيش وطني واحد أو عاصمة موحدة ضربًا من الخيال السياسي، إذ أن خريطة السيطرة على الأرض تتغير باستمرار وفقًا لميزان القوى العسكري المدعوم من الخارج.

حرب الطائرات المسيرة: موت المدنيين وتدمير البنية التحتية:
الأثر الأكثر دموية لتنامي قدرات المليشيات هو تحول طبيعة الحرب نفسها. فالطائرات المسيرة أصبحت السبب الرئيسي لمقتل المدنيين، حيث شكلت 80% من الوفيات في الفترة بين يناير وأبريل من هذا العام. هذه التكنولوجيا لم تعد حكرًا على الجيش النظامي؛ فبدعم من شبكات إقليمية معقدة، امتلكت مليشيا الدعم السريع وحلفاؤها قدرات جوية متطورة.
هذا التطور لا يستهدف فقط الجبهات، بل يمتد لضرب البنية التحتية الحيوية للدولة. فاستهداف محطات الكهرباء وآبار المياه والأسواق والمدارس، والمستشفيات والمطارات والسدود كما يحدث فى مروى والخرطوم وكوستى وغيرها من المدن ، يعتبر تدمير ممنهج لشبكات الحياة والأمن المجتمعي. والصراع أصبح أكثر دموية بسبب تدفق هذه الأسلحة النوعية، مما ينذر بكارثة إنسانية تمتد إلى دول الجوار التي تعاني أصلًا من هشاشة أمنية.

الاقتصاد الأسود والجريمة العابرة للحدود:
لا يقتصر خطر المليشيات المسلحة على الجغرافيا، بل يمتد لضرب مقومات الاقتصاد الوطني. فقد أدى تهريب الذهب عبر الشبكات التابعة لهذه الحركات إلى نزيف مالي يقدر بأربعة مليارات دولار سنويا وهو ما يفاقم انهيار العملة الوطنية ويُفقد الدولة مواردها الحيوية في خضم الحرب. هذا الاقتصاد الأسود يخلق مصالح ذاتية دائمة للحرب، حيث يصبح زعماء الميليشيات والتجار والشبكات الإقليمية مستفيدين من استمرار الفوضى.
الأزمة الأمنية لم تعد حبيسة الداخل السوداني، بل تحولت إلى ممر يربط عدم الاستقرار من الساحل الإفريقي غربًا إلى القرن الإفريقي شرقًا. فعصابات التهريب والمرتزقة الأجانب – بمن فيهم كولومبيون يقاتلون ضمن لواء ذئاب الصحراء يتحركون الآن بحرية في هذه المساحة الشاسعة، مما يخلق منظومة من انعدام الأمن المتبادل تهدد استقرار الإقليم برمته.

الطريق إلى استعادة الأمن:
يتطلب أكثر من مجرد انتصار عسكري فطالما ظلت الميليشيات والحركات المسلحة أدوات رخيصة في أيدي القوى الإقليمية، وطالما وجدت بيئة حاضنة في التهميش والفقر والنزاعات القبلية، فإن السلام سيظل بعيد المنال. فإن أي حل يجب أن يبدأ بقطع تدفق السلاح والمال من الخارج، وخاصة شبكات الدعم الإماراتية ووكلاها والتى كان لها الدور الاساسى في إطالة أمد الحرب.

الأمن الوطني السوداني اليوم ليس مجرد حدود تحرسها الجيوش، بل هو نسيج اجتماعي ممزق، واقتصاد منهوب، وسيادة مخترقة. وإلى أن تتوحد الجهود الدولية بشكل جاد، وليس بشكل دعائي، لكسر شوكة وكلاء الحرب، سيظل السودان ساحة مفتوحة لمن يدفع أكثر، وسيبقى مواطنوه هم من يدفعون الثمن الأخير.

المقالة السابقة

كروت الضغط السودانية على الحكومة الإثيوبية .. مستشار هشام محمود سليمان

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *