في مقالنا السابق كتبنا عن العلاقة المختلّة بين المواطن والدولة، وكيف تحوّلت مؤسسات كثيرة من أدوات لخدمة الناس إلى مساحات مرهقة تستنزف الوقت والكرامة والثقة.
لكن السؤال الأصعب الذي لا يحب كثيرون الاقتراب منه هو:
> ماذا عن علاقة السوداني بأخيه السوداني نفسه؟
الحقيقة المؤلمة أن أزمة السودان ليست أزمة سلطة فقط، بل أزمة سلوك عام تراكمت عبر سنوات طويلة حتى أصبحت جزءًا من الحياة اليومية.
فالدولة في النهاية لا تهبط من السماء، بل تخرج من المجتمع نفسه، وتحمل كثيرًا من عاداته وثقافته وطريقة نظرته للسلطة والناس والحقوق.
ولعل ذلك ما يجعل الحديث النبوي الشريف شديد القسوة والصدق في آنٍ واحد:
“كما تكونوا يُولّى عليكم”
لأن الحاكم ليس كائنًا منفصلًا عن المجتمع، بل كثيرًا ما يكون صورة مكبّرة لبعض ما في المجتمع نفسه:
• من محاباة.
• واستغلال.
• وإقصاء.
• وحب للسيطرة.
• وتقديم للولاء على الكفاءة.
ولهذا جاء المعنى القرآني الصادم:
﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُمْ﴾
فأحيانًا يكون بعض ما نشتكي منه في الدولة حاضرًا – بصورة أصغر – داخل تفاصيلنا اليومية نحن أيضًا.
بالأمس، وفي أحد مساجد بحري القديمة، وقف احدهم بعد الصلاة ممسكًا بمكبر الصوت، وبعد نحنحة طويلة قال بثقة كاملة:
“نحنا كوّنا لجنة فيها فلان وفلان وفلان… ودايرين من الشباب اتنين… وما ننسى المرأة برضو معانا واخترنا الأخت فلانة وعلانة… واللجنة دي حتؤدي القسم لاختيار أفقر فقراء الحي لتوزيع اللحمة عليهم في العيد… ولو في زول عندو رأي يقول.”
ثم بكل بساطة أغلق المكبر وانهى الأمر ولم يسمع رأي احد وقام بعدها المصلون ليركعوا النافلة.
قد تبدو الواقعة بسيطة للبعض، لكنها في الحقيقة تختصر جانبًا عميقًا من أزمة السودان كلها.
أول سؤال:
● “نحن” دي منو؟
من الذي منحه حق تنصيب أنفسهم أوصياء على الناس؟ ومن قال إن الخير لا يمر إلا عبر بوابة النفوذ الاجتماعي والوجاهة المحلية؟ ومن الذي قرر أصلًا أن كرامة الناس تُقاس بلجنة تعرف “أفقر الفقراء”؟
ثم تأمل العبارة نفسها:
“اللجنة حتؤدي القسم.”
قسم على ماذا بالضبط؟ وعلى من؟ وفي بيت من بيوت الله؟
وكأننا أمام نسخة مصغّرة من عقلية السلطة التي تنتج التعقيد والوصاية والاستعلاء حتى في أعمال الرحمة والتكافل.
الأغرب أن كثيرًا من هذه الممارسات تُقدَّم باسم الخير، بينما تحمل في داخلها شيئًا من التسلط الرمزي على الناس.
فبدل أن يتحول المجتمع إلى مساحة كرامة وتكافل، يتحول أحيانًا إلى مسرح صغير لإعادة إنتاج السلطة نفسها:
○ نفس عقلية الإقصاء.
○ نفس احتكار القرار.
○ نفس صناعة المركز والهامش.
○ نفس تصنيف البحر والنهر
○ ونفس الشعور بأن بعض الناس خُلقوا ليقرروا، والبقية خُلقوا ليستمعوا ويصفقوا.
> أولسنا سودانيون؟
ولذلك ليست المشكلة فقط في “الحكومة”. بل أحيانًا في المواطن الذي يرفض الاستبداد الكبير… ثم يمارسه في دائرته الصغيرة متى ما امتلك مكبر للصوت، أو ختمًا، أو لجنة، أو علاقة، أو نفوذًا اجتماعيًا.
ولهذا يتردد السؤال الشعبي العميق:
“من فرعنك يا فرعون؟”
فيأتي الجواب السوداني البسيط والموجع:
“جنس العمايل البتعملوا فيها دي.”
لأن الفرعنة لا تبدأ دائمًا من القصور، بل أحيانًا تبدأ من داخل النفوس حين تعتاد احتقار الآخر، أو ممارسة الوصاية عليه، أو التعامل معه باعتباره أقل شأنًا أو أقل حقًا.
ولعل أخطر ما أصاب المجتمع السوداني خلال السنوات الأخيرة هو تآكل فكرة “الأخوّة الوطنية” نفسها.
فكثير من الناس صاروا:
○ يتشككون في بعضهم.
○ يتعاملون مع بعضهم بمنطق الجهة والقبيلة والانتماء.
○ يقبلون الآخر غير السوداني بسهولة…بينما يضيقون باب الثقة في وجه ابن بلدهم.
ولهذا كتبنا سابقًا:
“حين يرفض السوداني الآخر السوداني… ويقبل الآخر غير السوداني.”
لأن الأزمة لم تعد سياسية فقط، بل أصبحت أزمة ثقة اجتماعية عميقة.
حتى العمل الطوعي – الذي كان يومًا من أجمل ما يميز السودانيين – بدأ أحيانًا يفقد روحه، حين دخلته:
○ المجاملة والاستعراض والشلليات.
○ المصلحة الشخصية وحب الظهور.
○ والرغبة في التحكم في الناس باسم الخير.
وهنا تصبح الكارثة أكبر:
> تحول المعروف نفسه إلى أداة لإذلال الناس لا لرفعهم.
● فالفقير لا يحتاج فقط إلى اللحم أو المال. بل يحتاج أولًا إلى
الاحترام.
● ويحتاج إلى أن يشعر أن المجتمع يراه إنسانًا كامل الكرامة، لا حالة اجتماعية تُدار عبر اللجان والخطب والميكروفونات.
والفقير هذا جارك واخوك فأين انت من حقه أمام الله ؟
إن أزمة السودان الحقيقية ليست فقط في الاقتصاد أو السياسة أو الحرب.
بل في سؤال أعمق:
> هل نرى بعضنا بشر متساوون في الكرامة؟
لأن الدولة العادلة لا يمكن أن تنشأ داخل مجتمع يمارس الظلم الاجتماعي بصورة يومية ثم يطالب السلطة بالمثالية.
ولا يمكن بناء وطن متماسك إذا كان كل شخص يريد أن يكون “فرعونًا صغيرًا” متى ما امتلك سلطة ما، مهما كانت محدودة.
ولهذا فإن إصلاح السودان لن يبدأ فقط من القصر الجمهوري أو الوزارات أو الاتفاقيات السياسية.
بل يبدأ أيضًا:
• من المسجد.
• ومن الحي.
• ومن اللجنة.
• ومن طريقة حديثنا مع بعضنا.
• ومن احترامنا لكرامة الناس.
• ومن قدرتنا على قبول بعضنا دون وصاية أو استعلاء.
> المجتمع الذي لا يراجع أخطاءه بصدق… سيعيد إنتاج أزماته مهما تغيّرت الحكومات.
فالدولة ليست شيئًا خارجنا بالكامل. بل كثيرًا ما تكون انعكاسًا مكبّرًا لما نمارسه نحن في حياتنا اليومية.
وهنا بالضبط… #أصل_القضية


