Popular Now

حين يكتب ابن المقفع عن عودة النور قبة و علي السافنا باب (خِصامِ العائِدينَ ولُزومِ الحُكْمِ المَكينِ) .. د.محمد حسن فضل الله

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6059 | الجماهير “لن تحيد” فينبغي أن تستمع النخب السياسية لها منشور جماهيري حقوقي غنائي !!!

من جهة أخرى .. جولات البرهان.. الخرطوم أمان .. عبود عبدالرحيم

حين يكتب ابن المقفع عن عودة النور قبة و علي السافنا باب (خِصامِ العائِدينَ ولُزومِ الحُكْمِ المَكينِ) .. د.محمد حسن فضل الله

قالَ دَبْشَلِيمُ المَلِكُ لِبِيدَبا الفَيْلَسوفِ: (يا بِيدَبا، ما بالُ النَّاسِ قدِ انْقَسَموا في أَمْرِ قَوْمٍ كانوا بالأَمْسِ معَ أَهْلِ التَّمَرُّدِ، ثُمَّ عادوا اليَوْمَ يَطْلُبونَ الوَطَنَ بَعْدَ طُولِ خِصامٍ؟فَفَرِيقٌ اسْتَبْشَرَ بِرُجوعِهِمْ، وعَدَّهُ بابًا يُغْلِقُ أَبْوابَ الحَرْبِ، وفَرِيقٌ آخَرُ صاحَ: لا مَرْحَبًا حتَّى يُقْتَصَّ لِلْمَظْلومِ ويُحاسَبَ المُسِيءُ. فَكَيْفَ يَكونُ الرَّأْيُ في ذَلِكَ؟)
فَقالَ بِيدَبا:
(أَيُّها المَلِكُ السَّعِيدُ، إِنَّ النَّاسَ إذا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِمُ المِحَنُ، اخْتَلَفَتْ وُجوهُ نَظَرِهِمْ وإِنِ اتَّحَدَ مَقْصِدُهُمْ. أَمَّا الَّذِينَ رَحَّبوا بِالعائِدِينَ، فَإِنَّهُمْ نَظَروا إِلى ما وَراءَ الرَّجُلِ لا إِلى الرَّجُلِ نَفْسِهِ؛ أَرادوا انْكِسارَ شَوْكَةِ الحَرْبِ، وقالوا: إِنَّ الطَّائِرَ إذا عادَ إِلى عُشِّهِ، كَفَّ جَناحَهُ عَنِ الخَرابِ.
وأَمَّا الَّذِينَ طالَبوا بِالمُحاسَبَةِ، فَإِنَّهُمْ نَظَروا إِلى دُموعِ الثَّكالى وأَنِينِ المَكْلومِينَ، وقالوا: لا يَصْلُحُ المُلْكُ إذا ضاعَتِ الحُقوقُ، ولا يَطْمَئِنُّ النَّاسُ إذا صارَ الجُرْمُ يُمْحى بِكَلِمَةِ عَوْدَةٍ أَوْ رايَةٍ تُبَدَّلُ.)

فَقالَ المَلِكُ: (فَأَيُّ الفَرِيقَيْنِ أَصْوَبُ رَأْيٍاً؟)
فَقالَ بِيدَبا: كِلاهُما أَصابَ جانِبًا مِنَ الحِكْمَةِ، لأَنَّ البِلادَ لا تُبْنَى بِالسَّيْفِ وَحْدَهُ، ولا بِالصَّفْحِ وَحْدَهُ.
.
وقدْ زَعَموا أَنَّ أَسَدًا دَخَلَتْ في حِماهُ ذِئابٌ عاثَتْ فَسادٍ، فَلَمَّا جاعَتْ وفَرَّقَتْ بَيْنَها النَّوائِبُ، رَجَعَ بَعْضُها يَطْلُبُ الأَمانَ.فَقالَتِ الحَمائِمُ: اقْبَلوهُمْ لَعَلَّ الغابَةَ تَهْدَأُ. وقالَتِ البُومُ: بَلْ حاسِبوهُمْ، فَإِنَّ الذِّئْبَ إذا أَمِنَ العُقوبَةَ عادَ إِلى الِافْتِراسِ.)

فَجَمَعَ الأَسَدُ حُكَماءَ الغابَةِ وقالَ:مَنْ أَلْقى سِلاحَهُ فَذَلِكَ بابٌ لِلسَّلامِ، ومَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ ظُلْمٌ فَذَلِكَ بابٌ لِلْقَضاءِ، ولا يُغْلَقُ بابٌ بِبابٍ.فَعادَ بَعْضُ الذِّئابِ رُعاةً بَعْدَ ضَلالٍ، وسِيقَ بَعْضُهُمْ إِلى الحِسابِ، فَرَضِيَتِ الحَمائِمُ لأَنَّ الحَرْبَ خَفَّ شَرَرُها، ورَضِيَتِ البُومُ لأَنَّ العَدْلَ لَمْ يَمُتْ.

ثُمَّ قالَ بِيدَبا: (واعْلَمْ أَيُّها المَلِكُ أَنَّ الدُّوَلَ لا تَهْلِكُ حِينَ يَخْتَلِفُ النَّاسُ، وإِنَّما تَهْلِكُ حِينَ يُرادُ مِنْهُمْ أَنْ يَخْتاروا بَيْنَ السَّلامِ والعَدْلِ، معَ أَنَّ الحِكْمَةَ في الجَمْعِ بَيْنَهُما.)

فَقالَ دَبْشَلِيمُ: (لَقَدْ أَحْسَنْتَ يا بِيدَبا، غَيْرَ أَنِّي أَرَى في النَّاسِ قَوْمًا إذا عادَ إِلَيْهِمْ رَجُلٌ بَعْدَ خُصُومَةٍ عَظِيمَةٍ، بالغوا في مَدْحِهِ حتَّى كَأَنَّهُمْ نَسُوا ما كانَ مِنْهُ، وأَرَى آخَرِينَ لا يَقْبَلونَ مِنَ المُخْطِئِ تَوْبَةً ولو أَتاهمْ نادِمٍ باكِيٍ. فأَيُّهُما أَقْرَبُ إِلى الرُّشْدِ؟)

فَقالَ بِيدَبا:
(أَيُّها المَلِكُ، إِنَّ الإِفْراطَ في الصَّفْحِ يُفْسِدُ كما يُفْسِدُ الإِفْراطُ في الانْتِقامِ. وقدْ زَعَموا أَنَّ نَهْرًا جارِفًا مَرَّ بِأَرْضٍ فَهَدَمَ الزَّرْعَ وأَغْرَقَ الدُّورَ، فَلَمَّا انْحَسَرَ الماءُ جاءَ قَوْمٌ فقالوا: الحَمْدُ للهِ الَّذي عادَ النَّهْرُ إِلى مَجْراهُ، فلا تَذْكُروا ما مَضى. وجاءَ آخَرونَ فقالوا: بَلِ اطْمُروا النَّهْرَ بِالحِجارَةِ حتَّى لا يَعودَ أَبَدًا. وكانَ في القَرْيَةِ شَيْخٌ حَكِيمٌ، فقالَ لَهُمْ: (لَوْ طَمَرْتُمُ النَّهْرَ هَلَكَتِ الأَرْضُ عَطَشًا، ولَوْ تَرَكْتُمُوهُ بِلا ضِفافٍ عادَ فَأَغْرَقَكُمْ، ولكِنِ ابْنوا لَهُ مَجْرًى وعَدْلٍ وحُدودٍ.)
فَقالَ المَلِكُ: (وما مَعْنى ذَلِكَ في أَمْرِ النَّاسِ؟)
قالَ بِيدَبا: (مَعْناهُ أَنَّ العائِدَ إِلى وَطَنِهِ لا يَنْبَغِي أَنْ يُقابَلَ بِإِغْلاقِ الأَبْوابِ كُلِّها، لأَنَّ اليائِسَ قدْ يَعودُ إِلى الفِتْنَةِ إذا لَمْ يَجِدْ طَرِيقٍ لِلرُّجوعِ. ولا يَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يُتْرَكَ بِلا سُؤالٍ ولا حِسابٍ، لأَنَّ المَظْلومَ إذا رَأَى الظَّالِمَ آمِنٍ امْتَلَأَ قَلْبُهُ حَنَقًا عَلَى الدَّوْلَةِ والنَّاسِ. واعْلَمْ أَيُّها المَلِكُ أَنَّ الحَرْبَ إذا طالَتْ غَيَّرَتْ طَبائِعَ الرِّجالِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ دَخَلَها طَمَعٍ، ومِنْهُمْ مَنْ دَخَلَها خَوْفٍ، ومِنْهُمْ مَنْ ساقَتْهُ العَصَبِيَّةُ، ومِنْهُمْ مَنِ اسْتَبانَ لَهُ الحَقُّ بَعْدَ الضَّلالِ فَعادَ نادِمٍ.فَلَيْسَ سَواءً مَنْ تَلَطَّخَتْ يَداهُ بِالدِّماءِ، ومَنْ كانَ تابِعا لا يَمْلِكُ مِنْ أَمْرِهِ شَيْئا.)

فَقالَ دَبْشَلِيمُ: (فَكَيْفَ تَعْرِفُ المَمالِكُ العادِلَةُ بَيْنَ هَؤُلاءِ؟)
فَقالَ بِيدَبا: (بِالعَقْلِ والقَضاءِ، لا بِالغَضَبِ والهُتافِ. فَإِنَّ العامَّةَ إذا غَضِبَتْ طَلَبَتِ العُقوبَةَ لِلْجَمِيعِ، وإذا فَرِحَتْ طَلَبَتِ العَفْوَ عَنِ الجَمِيعِ، أَمَّا الدَّوْلَةُ الحَكِيمَةُ فَإِنَّها تَزِنُ الرِّجالَ بِمِيزانِ الفِعْلِ لا بِمِيزانِ الضَّجِيجِ.
وقدْ قِيلَ: (إِنَّ النَّارَ تُطْفَأُ بِالماءِ، ولكِنَّ الماءَ إذا جاوَزَ حَدَّهُ صارَ طُوفانًا.)وكذلكَ الرَّحْمَةُ إذا انفَلَتَتْ مِنَ العَدْلِ صارَتْ ضَعْفًا، والعَدْلُ إذا خَلا مِنَ الرَّحْمَةِ صارَ قَسْوَةً تُورِثُ الأَحْقادَ.)

ثُمَّ سَكَتَ بِيدَبا قَلِيلًا وقالَ:(وأَخْوَفُ ما أَخافُهُ عَلَى الأُمَمِ بَعْدَ الحُروبِ، أَنْ تَتَحَوَّلَ الخُصُوماتُ إِلى ثَأْرٍ لا يَنْتَهِي، فَيَنْشَأَ الصِّغارُ عَلَى ذاكِرَةِ الدَّمِ، ويَكْبَروا وهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ الوَطَنَ فَرِيقانِ لا وَطَنٌ واحِدٌ.)
فَقالَ المَلِكُ: (وكَيْفَ يُطْفَأُ ذَلِكَ؟)
قالَ بِيدَبا: (بِصِدْقِ التَّوْبَةِ، وعَدْلِ المُحاكَمَةِ وحِكْمَةِ الخِطابِ، حتَّى يَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّ الدَّوْلَةَ لا تَحْمِي الخائِنَ ولا تُغْلِقُ بابَ الرُّجوعِ لِمَنْ أَرادَ الإِصْلاحَ.)

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6059 | الجماهير “لن تحيد” فينبغي أن تستمع النخب السياسية لها منشور جماهيري حقوقي غنائي !!!

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *