مقدمة
تشهد الحرب السودانية تطورات متسارعة تكشف بصورة متزايدة حجم التحولات داخل بنية قوات الدعم السريع، سواء على مستوى القيادة أو التماسك الميداني أو شبكة العلاقات الإقليمية الداعمة لها.
وقد جاءت التصريحات الأخيرة المنسوبة إلى القيادي المعروف بـ”السافنا”، إلى جانب الانشقاقات الجديدة داخل الحواضن القبلية والاجتماعية، لتفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد تكون الأخطر في مسار الصراع السوداني.
فالتقارير والتسريبات الأخيرة لم تعد تقتصر على الحديث عن خسائر ميدانية أو تراجع عسكري، بل تجاوزت ذلك إلى الكشف عن حالة تفكك نفسي وتنظيمي داخل قيادة الدعم السريع نفسها، مع تصاعد الاتهامات المتعلقة بالدور الإماراتي في إدارة وتمويل الحرب، وتزايد الحديث عن تصفية قيادات بارزة داخل المنظومة العسكرية للدعم السريع.
وفي هذا السياق، تبدو الحرب وكأنها تدخل مرحلة “إعادة تشكيل التحالفات” و”الفرز الداخلي”، وهي مرحلة غالباً ما تسبق الانهيارات الكبرى في الحروب الأهلية والصراعات المسلحة.
أولًا: دلالات تصريحات “السافنا” وتحول الخطاب الداخلي
تمثل تصريحات “السافنا” الأخيرة تحولًا لافتًا في طبيعة الخطاب الخارج من داخل الدائرة القريبة من الدعم السريع، خاصة أنها تضمنت ثلاث رسائل استراتيجية شديدة الحساسية:
1. التأكيد الضمني على إصابة حميدتي
أعادت التصريحات الأخيرة الجدل حول الوضع الصحي لقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، حيث تم الحديث بصورة غير مباشرة عن إصابته وتدهور حالته النفسية، مع الإشارة إلى أنه أصبح “منهاراً نفسياً ومستلب الإرادة”.
وهذا التوصيف يحمل دلالات تتجاوز البعد الشخصي، لأنه يشير إلى احتمال إنتقال مركز القرار الحقيقي إلى دوائر أخرى داخل الدعم السريع أو حتى إلى جهات خارجية مرتبطة بالدعم والتمويل.
وفي الحروب غير النظامية، فإن اهتزاز صورة القائد الكاريزمي يمثل بداية مباشرة لتفكك الولاءات، خصوصاً في التشكيلات التي تعتمد على الروابط الشخصية والقبلية أكثر من إعتمادها على المؤسسات العسكرية التقليدية.
ثانيًا: الحديث عن احتمال تسليم عبد الرحيم دقلو نفسه
يُعد الحديث المتداول حول إمكانية تسليم عبد الرحيم دقلو نفسه من أخطر المؤشرات التي ظهرت خلال الفترة الأخيرة، لأن عبد الرحيم يمثل عملياً العقل العملياتي والميداني داخل قوات الدعم السريع.
وإذا صحّت هذه المعطيات، فإن ذلك يعني أن:
الخلافات داخل القيادة بلغت مرحلة حرجة.
هناك فقداناً متزايداً للثقة في إمكانية الحسم العسكري.
بعض القيادات بدأت تبحث عن “مخارج آمنة” قبل الانهيار الكامل.
الضغوط الدولية والإقليمية بدأت تؤثر على حسابات القيادات الوسطى والعليا.
كما أن مجرد تداول هذا السيناريو إعلامياً ينعكس سلباً على الروح المعنوية للمقاتلين في الميدان، ويُضعف صورة القيادة أمام الحواضن الاجتماعية والقبلية.
ثالثاً: الإمارات والدعم السريع… من الدعم إلى السيطرة؟
أخطر ما ورد في إفادات “السافنا” هو الحديث المباشر عن دور الإمارات العربية المتحدة في إدارة وتمويل الحرب، مع الإشارة إلى أن أبوظبي أصبحت تمارس نفوذًا شبه كامل على القرار العسكري والسياسي للدعم السريع.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأنها تأتي هذه المرة من داخل البيئة القريبة من الدعم السريع، وليس من خصومه السياسيين أو الإعلاميين.
وتشير المعطيات المتداولة إلى عدة قضايا رئيسية:
1. التمويل والتسليح
تتزايد الاتهامات المتعلقة باستمرار تدفق الدعم المالي واللوجستي، وهو ما ساعد الدعم السريع على مواصلة الحرب رغم الخسائر البشرية والميدانية الكبيرة.
2. إدارة القرار العسكري
تتحدث بعض التسريبات عن تراجع استقلالية القرار داخل الدعم السريع، وتحول بعض القيادات إلى مجرد منفذين لأجندات خارجية مرتبطة بمصالح إقليمية أوسع في السودان والقرن الأفريقي.
3. تصفية القيادات
الحديث عن تصفية شخصيات بارزة مثل عثمان عمليات وعصام فضيل يكشف حجم الصراع الداخلي داخل مراكز القوة، كما يعكس حالة الشك وانعدام الثقة داخل البنية القيادية للدعم السريع.
وفي العادة، فإن عمليات التصفية الداخلية تبدأ عندما تدخل التنظيمات المسلحة مرحلة “الخوف من الاختراق والانهيار”، وهي من أخطر مراحل الصراع الداخلي.
رابعًا: الانشقاقات القبلية وتراجع الحاضنة الاجتماعية
يمثل إعلان الأمير إسماعيل يوسف، المنتمي إلى المسيرية الزرق، انشقاقه عن الدعم السريع تطورًا بالغ الأهمية في المشهد السوداني.
وتنبع أهمية هذا الحدث من عدة إعتبارات:
أنه يأتي من داخل إحدى البيئات القبلية المؤثرة المرتبطة تاريخيًا بمكونات الدعم السريع.
يعكس تراجع الثقة في مستقبل المشروع العسكري للدعم السريع.
يشير إلى بداية تصدع الحواضن الاجتماعية التي شكلت العمود الفقري للتجنيد والتعبئة.
كما أن استمرار الانشقاقات قد يؤدي إلى:
تفكك خطوط الإمداد البشرية.
تراجع القدرة على الحشد القبلي.
تصاعد النزاعات الداخلية بين المكونات القبلية المسلحة.
انتقال بعض القيادات إلى التفاهم مع الجيش السوداني.
خامسًا: تخريج دفعات جديدة من القوات البرية ورسائل الجيش السوداني
في المقابل، فإن تخريج دفعات جديدة من القوات البرية السودانية يحمل رسائل سياسية وعسكرية واضحة، أهمها:
استمرار قدرة الجيش على إعادة بناء قوته البشرية.
تعزيز الثقة في مؤسسات الدولة العسكرية.
التأكيد على أن الحرب أصبحت حرب استنزاف طويلة النفس.
إرسال رسالة بأن المؤسسة العسكرية ما زالت تمتلك القدرة على التجدد والاستمرار.
كما يسعى الجيش السوداني إلى تقديم نفسه باعتباره “المؤسسة الوطنية الجامعة” في مقابل تصوير الدعم السريع كقوة مرتبطة بمشاريع خارجية.
سادسًا: هل تقترب الحرب من مرحلة الحسم؟
رغم صعوبة الحديث عن نهاية قريبة للحرب، إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى عدة تحولات مهمة:
1. انتقال الحرب من مرحلة التوسع إلى مرحلة الدفاع
تبدو قوات الدعم السريع الآن أكثر انشغالًا بالحفاظ على ما تبقى من مناطق النفوذ بدلًا من التوسع العسكري.
2. تصاعد الحرب النفسية
التسريبات المتعلقة بحميدتي وعبد الرحيم والانشقاقات الداخلية أصبحت جزءًا من معركة كسر الإرادة المعنوية.
3. بداية إعادة التموضع الإقليمي
بعض القوى الإقليمية بدأت على ما يبدو مراجعة حساباتها مع استمرار الحرب وتعقّد كلفتها السياسية والإنسانية.
4. تزايد احتمالات التسويات الجزئية
قد تشهد المرحلة القادمة محاولات لعقد تفاهمات محلية أو إقليمية مع بعض القيادات المنشقة أو المجموعات القبلية.
خاتمة
تكشف تصريحات “السافنا” الأخيرة أن الحرب السودانية دخلت مرحلة جديدة عنوانها الأساسي “التفكك الداخلي” داخل قوات الدعم السريع، بالتوازي مع تصاعد الصراع حول النفوذ الإقليمي في السودان.
فالمؤشرات المتعلقة بإصابة حميدتي، والانهيار النفسي داخل القيادة، والحديث عن احتمال تسليم عبد الرحيم دقلو نفسه، والانشقاقات القبلية المتصاعدة، كلها تعكس حالة أزمة بنيوية عميقة داخل الدعم السريع.
وفي المقابل، يحاول الجيش السوداني استثمار هذه المتغيرات عبر تعزيز شرعيته الوطنية، وإعادة بناء قوته العسكرية، وتوسيع دائرة التحالفات الاجتماعية والقبلية.
لكن الأخطر في المشهد السوداني يبقى استمرار التدخلات الإقليمية والدولية، والتي تجعل من الحرب السودانية ساحة صراع مفتوحة تتجاوز حدود السودان نفسه، وتمتد إلى معادلات النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر والإقليم بأكمله.
البريد الإلكتروني: bshair057@gmail.com


