Popular Now

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6065 | ليس لدينا معلومات ولكننا نشجع المواطنين على دفاع عن حقوقهم

أنثروبولوجيا: اليهود.. دراسة الإنسان والدين والعقيدة والفعالية { 5 من 5 }

أصل القضية | الشرعية… حين تصبح القيمة أعلى من القوة .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

أصل القضية | الشرعية… حين تصبح القيمة أعلى من القوة .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

ليست الشرعية مجرد ختمٍ على ورقة، ولا صندوق اقتراعٍ يُفتح كل عدة أعوام، ولا خطابٍ رسمي يُذاع عبر الشاشات ثم ينتهي أثره بانتهاء البث.

الشرعية في جوهرها هي: “المخزن الأكبر للقيمة داخل الدولة”.
• قيمة المؤسسات.
• قيمة القانون.
• قيمة القرار العام.
وقبل ذلك كله قيمة الإنسان حين يتحدث ويشعر أن صوته لا يضيع في الفراغ.

الدول لا تسقط فقط عندما تُهزم عسكرياً، بل تسقط حين يفقد الناس إيمانهم بأن ما بداخلها يستحق البقاء. وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية.

ففي كثير من المجتمعات التي دخلت دوائر الحرب، أو الانقسام أو الاستبداد، لم يكن الانهيار ناتجاً عن نقص السلاح، بل عن تآكل “المعنى”.
لأن الإنسان يستطيع احتمال الفقر، ويستطيع احتمال القسوة أحياناً، لكنه لا يستطيع طويلاً أن يعيش داخل نظام يشعره بأنه بلا قيمة.
ومن هنا نفهم لماذا تصبح الشرعية أخطر من الثروة، وأعمق من القوة العسكرية.
فالسلطة التي تملك المال دون احترام الناس، تشبه مصرفاً مليئاً بالأوراق النقدية في مدينةٍ فقدت الثقة بعملتها.
والنظام الذي يملك السلاح دون شرعية، يشبه حارساً يقف أمام بابٍ فارغ.
إن أخطر ما تواجهه الأنظمة ليس المعارضة المسلحة دائماً، بل العقول التي تعيد تعريف الواقع.
لأن الرصاصة تستطيع إسكات فرد، لكن الفكرة الجديدة تستطيع إسقاط عصرٍ كامل، ولهذا تخشى الأنظمة الكفاءة أحياناً أكثر مما تخشى السلاح.
السلاح يُواجه بالقوة، أما الكفاءة فتكشف العجز.
والعقل الحر لا يهزم السلطة فقط، بل يفضح هشاشتها الرمزية.
● فالموظف الكفء داخل مؤسسة فاسدة يتحول إلى سؤالٍ أخلاقي.
● والباحث الحقيقي داخل بيئة التضليل يصبح تهديداً وجودياً.
● والمثقف الذي يعيد تعريف المعنى أخطر من ألف مقاتل؛ لأنه يغيّر طريقة رؤية الناس للعالم.
لهذا فإن معركة اليوم لم تعد فقط بين حكومة ومعارضة، ولا بين جيش وتمرد، بل بين من يملك القرار… ومن يملك المعنى.
القرار يستطيع أن يفرض نفسه مؤقتاً، لكن المعنى هو الذي يحدد إلى أين يتجه المجتمع في النهاية.

يشرح باندورا في كتابه (الانفصال الاخلاقي) كيف يستطيع الإنسان أن يمارس الوحشية دون أن يشعر بأنه وحشي.
● كيف يتحول العنف إلى “واجب”.
● والقتل إلى “ضرورة”.
● والإقصاء إلى “حماية للوطن”.
إنها عملية خطيرة يسميها: الانفصال الأخلاقي.
حين يفصل الإنسان أفعاله عن ضميره:
○ فيصبح القامع مقتنعاً بأنه يحمي الاستقرار.
○ ويصبح الفاسد مقتنعاً بأنه يحافظ على الدولة.
○ ويصبح المحرض مقتنعاً بأنه يدافع عن الهوية.
وهكذا لا تنهار الأخلاق دفعة واحدة، بل تُعاد صياغتها لغوياً ونفسياً حتى يبدو الخراب عملاً وطنياً.
ومن أخطر ما أشار إليه باندورا أن الإنسان لا يحتاج دائماً إلى الشر حتى يمارس الشر، بل يحتاج فقط إلى “مبرر”.
وهنا تتجلى خطورة الإعلام المنفلت، والخطاب التعبوي، وصناعة الكراهية، وتقديس الجماعة وتحويل المختلف إلى “خطر وجودي”.
لأن المجتمع عندما يفقد القدرة على رؤية إنسانية خصمه،
يدخل مرحلة الانهيار الأخلاقي الكامل.
وفي السودان ،كما في كثير من الدول المأزومة، لا تبدو الأزمة أزمة موارد فقط، بل أزمة قيمة:
○ قيمة الإنسان.
○ قيمة الكفاءة.
○ قيمة الحقيقة.
○ وقيمة الدولة نفسها.
إذ كيف يمكن لمجتمع أن ينهض بينما تُكافأ الضوضاء أكثر من المعرفة؟
وكيف تستقر دولة بينما يُنظر إلى الكفاءة باعتبارها تهديداً لشبكات النفوذ؟
إن الدول التي تُقصي أصحاب العقول، وتُخوف أصحاب المبادرات، وتحوّل المؤسسات إلى ساحات ولاء لا ساحات كفاءة، إنما تستهلك شرعيتها ببطء، حتى وإن ظنت أنها أكثر قوة.
فالشرعية لا تُنتجها الخطب وحدها، بل تنتجها العدالة، والشفافية، والكفاءة والقدرة على خلق أملٍ عام يشعر معه المواطن أن وجوده له معنى. ومن هنا تظهر الحاجة إلى “عقل جديد”.
● عقل لا يكتفي بإدارة الفوضى، بل يصنع من داخلها قيمة.
● عقل يفهم أن بناء الإنسان يسبق بناء الشعارات.
وأن استقرار الدولة يبدأ من احترام وعي الناس لا من السيطرة عليهم فقط.
وأن الأمم لا تتقدم بعدد البنادق، بل بعدد العقول القادرة على إنتاج المعنى.
إن معركة المستقبل في السودان — وربما في العالم كله — لن تُحسم فقط في الميدان:
● بل في الوعي.
● في المدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسة العامة.
● في قدرة المجتمع على استعادة حسه الأخلاقي.
● وفي قدرته على التمييز بين الدولة بوصفها وطناً، والسلطة بوصفها إدارة مؤقتة.
فالسلطة التي تكسب الثروة دون العقول قد تملك الحاضر لبعض الوقت، لكنها تخسر المستقبل.
أما الشرعية الحقيقية، فهي أن يشعر الإنسان أن صوته له وزن، وأن القانون يحميه، وأن الكفاءة ليست جريمة وأن الوطن ليس ملكاً لفئةٍ أو جماعة، بل مساحة عادلة للجميع.
وهنا بالضبط أصل القضية.

المقالة السابقة

الإصلاح المؤسسي للخدمة المدنية في السودان بين ضرورات الحداثة وتحديات العدالة الاجتماعية.. خارطة طريق لإدارة التحول الإداري والرقمي .. بقلم: د. أحمد الطيب السماني

المقالة التالية

أنثروبولوجيا: اليهود.. دراسة الإنسان والدين والعقيدة والفعالية { 5 من 5 }

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *