Popular Now

السودان بين تقرير الأمم المتحدة وتصاعد الضغوط الدولية وإعادة تشكيل موازين الحرب (64) .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. باحث في الشؤون الإفريقية والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. السودان.. صناعة الكراهية .. د. محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

وجه الحقيقة | زووم الحوار السوداني.. إبراهيم شقلاوي

الدعم السريع على حافة الهاوية.. هل تقفز إثيوبيا وتشاد إلى أتون حرب السودان؟ بين الاحتضان السري والتدخل المكشوف.. قراءة في حدود المغامرة الإثيوبية التشادية وكلفة إنقاذ مليشيا تنهار .. د. خالد حسين محمد

مقدمة
تتسارع وتيرة الأحداث في السودان بشكل غير مسبوق؛ فبينما تتهاوى معاقل قوات الدعم السريع واحدة تلو الأخرى في كردفان ودارفور، ويتقدم الجيش السوداني بخطى واثقة نحو حسم المعركة، تتكثف في الخفاء تحركات إقليمية ودولية محمومة لإنقاذ المليشيا من مصير بات يبدو محتومًا. اجتماعات في أديس أبابا، واستدعاءات إلى أبوظبي، ومسيّرات تعبر الحدود، وضباط أجانب يقودون عمليات على الأرض السودانية.. مشهد يطرح سؤالًا مصيريًا: هل تتجه إثيوبيا وتشاد نحو تدخل عسكري مباشر ومعلَن لإنقاذ الدعم السريع؟ أم أن حسابات الهشاشة الداخلية وكلفة الحرب ستُبقي الدورين الإثيوبي والتشادي في خانة التسهيل والاحتضان السري؟ في هذا المقال نفكك خيوط المشهد ونجمع أوراقه للإجابة عن هذا السؤال.

بعد الهزائم التي تلقّتها المليشيا في شمال كردفان، حيث سيطر الجيش على الطريق الصادرت وعلى مدن بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة، إلى جانب هجماته في جبل الهشابة وأم عردة، وفي غرب دارفور تم تحرير محلية كَبُس بالكامل، وأصبح الشريط الحدودي مع تشاد تحت السيطرة الكاملة للجيش السوداني، وبذلك قُطعت خطوط الإمداد والتسلل نهائيًا، مع تدمير متحرك قادم من ليبيا عبر تشاد تدميرًا كاملًا، شمل أكثر من مئتي عربة، ثم اجتياح محلية سربا، وفرض الجيش السيطرة الكاملة على وحدة أبو سُرُوج، ودحر عناصر المليشيا في بئر سليبة، والآن أصبح الجيش على أعتاب الجنينة، هذا إلى جانب انشقاقات متكررة لقادة ميدانيين، آخرهم وليس أخيرهم أبوبكر حمودة دحلوب، قائد شعبة استخبارات المهام الخاصة بقوات الدعم السريع في ولاية شمال كردفان، قطاع حمرة الشيخ والمثلث، وعضو مكتبها التنفيذي.

إزاء هذا الانهيار الوشيك، كثُفت التحركات لمحاولة وقفه؛ فكان التواصل الإماراتي مع محمد كاكا، واتصال مسعد بولس بمحمد كاكا، وإصدار الاتحاد الأفريقي بيانًا يدعو فيه إلى احترام سيادة الدول، ثم كانت الاجتماعات في أديس أبابا التي ضمّت أبي أحمد وحميدتي إلى أجهزة استخبارات كلٍّ من الإمارات وإسرائيل وتشاد وإثيوبيا، وممثلين عن قوات حفتر.

وينشأ السؤال هنا: هل تتجه إثيوبيا وتشاد نحو تدخل عسكري مباشر لإنقاذ الدعم السريع؟

الموقف الإثيوبي

مع كل ما يجري من تخوف من انهيار الدعم السريع، وعلى الرغم من الاتهامات بأن الهجمات على النيل الأزرق تُشنّ من قاعدة أصوصا الإثيوبية، وإسقاط الجيش لمسيّرات عبرت من الأراضي الإثيوبية، مع أنباء عن أن ضباطًا إثيوبيين يتولون قيادة العمليات في النيل الأزرق — وهي مؤشرات جدية على انخراط إثيوبي غير رسمي — فإن المرجّح هو عدم تحوّل هذا التدخل إلى تدخل عسكري إثيوبي مباشر ومعلَن، للأسباب الآتية:

– الهشاشة الداخلية الإثيوبية: إذ تنشغل أديس أبابا بملفات داخلية حساسة، مثل توترات ما بعد تيغراي، وتمرد فانو في أمهرا، والخلاف مع مصر حول سد النهضة، الأمر الذي يجعل فتح جبهة عسكرية مع السودان مكلفًا سياسيًا وعسكريًا.
– استضافة حميدتي وخبراء الاستخبارات الإماراتيين والإسرائيليين، مع السماح بأنشطة عبر الحدود بشكل غير رسمي، يحقق لإثيوبيا نفوذًا وأوراق ضغط دون تحمّل تكلفة إعلان الحرب على دولة جارة وعضو في الاتحاد الأفريقي.
– أي انخراط إثيوبي مكشوف لصالح الدعم السريع سيُقرأ في القاهرة كتصعيد إضافي مع مصر ذات العلاقة المتوترة أصلًا مع إثيوبيا، وهو ما تتجنبه أديس أبابا حاليًا.
– مهما بلغت قيمة الضغوط الإماراتية والإسرائيلية، فلن تجعل إثيوبيا تتحمل كلفة حرب ربما تكون عواقبها وخيمة؛ فهي إن بدأت لا يمكن السيطرة عليها، ولا يمكن التنبؤ بمداها.
– الأرجح أن يبقى الدور الإثيوبي في خانة التسهيل والاحتضان السياسي والقاعدي، لا التدخل العسكري المباشر، ويمكن أن يسهم ذلك في انشغال الجيش وتأخير اكتساحه لدارفور، وهو ما ترغب فيه الإمارات.
– الإمارات وإسرائيل قطعتا الأمل في انتصار الدعم السريع، لكن التدخل الإثيوبي غير المباشر يحقق لهما هدفهما الآني، وهو استمرار الحرب، بما يمثّل ضغطًا على الجيش والحكومة لقبول التفاوض، وهو الأمر الذي يحول دون هزيمة الدعم السريع.

الموقف التشادي

أما تشاد، فالمعطيات فيها أكثر تعقيدًا، وتُظهر تناقضًا لافتًا؛ ففي مايو 2026 أفادت تقارير بأن تشاد أغلقت قواعد إماراتية وطردت طاقمًا دبلوماسيًا على خلفية اتهامات بزعزعة الاستقرار، بينما نشهد في أغسطس 2026 نشاطًا إماراتيًا باستدعاء الرئيس محمد كاكا إلى أبوظبي، وسط حديث عن ضغوط لدفع أنجمينا نحو «انخراط مباشر» في الحرب، إثر اتهامات تشادية للجيش السوداني بشنّ غارات داخل الأراضي التشادية استهدفت خطوط إمداد مرتبطة بالدعم السريع.

هذا التذبذب من القطيعة إلى إعادة الانفتاح خلال أشهر قليلة يعكس طبيعة الموقف التشادي؛ فنظام ديبي يوازن بين حاجته إلى الدعم الاقتصادي الإماراتي وبين مخاطر الانخراط في حرب على السودان تستنزفه كثيرًا، وربما تؤدي إلى سقوط نظامه، للأسباب الآتية:

1- التداخل العرقي، وخاصة الانقسام داخل قبيلة الزغاوة الحاكمة في تشاد نفسها، إذ يدعم بعض أفرادها الحركات المسلحة التي هي كلها تقريبًا من الزغاوة.
2- وجود معارضة داخلية قوية ترفض دعم قوات الدعم السريع وتعتبره خطأً حكوميًا كبيرًا.
3- هشاشة الجيش التشادي نفسه، الذي لا يزيد عدد قواته العاملة عن 30 ألفًا.
4- خلافات داخل السلطة التشادية حول مدى الانخراط في الملف السوداني.

ومن ذلك نخلص إلى أن الضغط الإماراتي على تشاد حقيقي ومتصاعد، لكن بسبب ما حدث من توترات مع الإمارات، وما أشرنا إليه من تعقيدات داخل تشاد، فإن أنجمينا ستواصل نهج «الحياد الوظيفي»، باستمرار السماح بممرات لوجستية وعلاج الجرحى وتحركات المرتزقة بشكل غير رسمي، أكثر من إقدامها على إعلان حرب رسمية على السودان أو الزجّ بجيشها النظامي مباشرةً في هذه الحرب.

الخلاصة

بجمع كل هذه الخيوط يمكن أن نخلص إلى الآتي:

1- لا مؤشرات جادة على استعداد لغزو عسكري رسمي من إثيوبيا أو تشاد لصالح قوات الدعم السريع في الأمد القريب؛ فكلا البلدين يواجه هشاشة داخلية تجعل كلفة الانخراط المباشر أعلى من عائده المحتمل.
2- سيستمر استخدام الأراضي والقواعد، وتسهيل ممرات المسيّرات والسلاح والمرتزقة، وتوفير الغطاء الدبلوماسي، وسيستمر الضغط الإماراتي على الدولتين لدفعهما نحو مزيد من الانخراط دون الوصول إلى حد المواجهة المباشرة.
3- تكرار حوادث المسيّرات العابرة للحدود قد يجرّ الطرفين إلى احتكاكات حدودية محدودة، دون أن يكون ذلك قرارًا استراتيجيًا مسبقًا بالتدخل الشامل.
4- من الواضح أن الإمارات تأكدت من هزيمة الدعم السريع إذا سار الأمر على هذه الوتيرة؛ ولذلك تغيّرت استراتيجيتها ليصبح الدعم الإثيوبي التشادي بغرض إطالة أمد الحرب وعدم انتهائها بهزيمة الدعم السريع، وبذلك تستطيع أن تضغط عبر أمريكا بأدواتها لإجبار الحكومة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، فتتحقق أهدافها وأهداف أمريكا.
5- تحرص الإمارات أيضًا، رغم ضغطها على إثيوبيا وتشاد، على عدم تحوّل الحرب إلى حرب مباشرة؛ لأن ذلك سيدعو دولًا أخرى إلى التدخل لمساعدة الجيش السوداني، وهي قادرة على حسم الأمر لصالح السودان، وهذا ما لا تريده الإمارات.
6- كذلك ليس من مصلحة الجيش السوداني في هذا الوقت الدخول في مواجهة مباشرة مع إثيوبيا وتشاد؛ لأن ذلك سيؤخر هزيمة الدعم السريع، فبعد أن تتحقق هزيمة الدعم السريع، فلكل حدثٍ وزمان حديث.

أوراق المعاملة بالمثل

يمكن للسودان استخدام حركات المعارضة داخل إثيوبيا وتشاد كمعاملة بالمثل.

في إثيوبيا

– حركة فانو: اندلع تمرد فانو في عام 2023 باتهام الحكومة بخرق اتفاق بريتوريا مع التيغراي باعتباره خيانة للأمهرا، وقد خلّف التمرد أكثر من 15 ألف قتيل وأكثر من 100 ألف نازح، وقدّرت هيومن رايتس ووتش عدد النازحين في إثيوبيا بنحو 3,3 ملايين شخص.
– شهدت بنية القيادة تطورًا مهمًا في يناير 2026 بتشكيل الحركة الوطنية لفانو أمهرا بقيادة زيمينة كاس، ثم أعلن كاس في أغسطس 2026 تحالفًا مع سبع قوى مسلحة تشمل فصائل من تيغراي وأوروميا والصومالي وبني شنقول – قوموز، بهدف معلَن هو إسقاط أبي أحمد، وهناك جناح بارز بقيادة إسكندر نيغا بقي خارج هذا التوحيد.
– وقد اتهمت الحكومة الإثيوبية رسميًا في أكتوبر 2025 إريتريا والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بتمويل فانو وتوجيهه.
– يقاتل جيش تحرير أورومو (OLA) بقيادة جال مارو في مناطق وليغا، وقد هجّرت الاشتباكات مع الجيش الإثيوبي نحو 1,5 مليون شخص.
– أعادت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (TPLF) تنصيب حكومتها السابقة في مايو 2026 بما يفرّغ اتفاق بريتوريا من مضمونه، واندلع قتال جديد في غرب تيغراي في أغسطس 2026، ومن الراجح استمرار حرب استنزاف مفتوحة تعمل على إضعاف الدولة.
– وهناك تحالف «تسيمدو» الذي يضم نشطاء وأطرافًا وفصائل معارضة، ويجمع شخصيات وجهات من إريتريا وإقليم التيغراي وأطرافًا سودانية وقوميات إثيوبية مختلفة، ويعمل على توحيد الجهود المناوئة للحكومة الفيدرالية الإثيوبية برئاسة أبي أحمد، وتنظر إليه أديس أبابا باعتباره قد يتطور مستقبلًا إلى تنسيق أمني أو عسكري يشكل تهديدًا لاستقرار البلاد.

في تشاد

– حركة التغيير والوفاق (FACT) بقيادة مهمت مهدي، وهي الحركة التي قادت الهجوم من جنوب ليبيا وقتلت الرئيس إدريس ديبي، لكن مشكلة هذه الحركة أن بعض مقاتليها يقاتلون مع الدعم السريع كمرتزقة.
– مجلس القيادة العسكرية لإنقاذ الجمهورية (CCMSR): تأسس عام 2016، وهو من أبرز حركات التمرد النشطة في تشاد، نشأ في شمالها وامتد إلى جنوب ليبيا في إقليم فزان، وهدفه الرئيسي الإطاحة بنظام الحكم في تشاد، ويقوده عيسى علي يوسف.
– نقاط الهشاشة الحقيقية لنظام ديبي هي سياسة وقبلية؛ إذ يوجد انقسام داخل نخبة الزغاوة الحاكمة إزاء الدعم للدعم السريع، إضافة إلى قمع سياسي داخلي. ويظهر هذا الانقسام في قبيلة الزغاوة، مثل حالة عثمان ديلو، شقيق المعارض التشادي يحيى ديلو الذي قُتل في فبراير 2024.
– تشهد الحدود بين البلدين صراعات مستمرة، ومن ذلك هجوم الدعم السريع على معسكر بيراك في يناير 2026، وضربات متكررة على الطينة، واتهام تشاد للجيش السوداني بتدمير رتل داخل إقليم إنيدي الشرقية مكوّن من 200 عربة قادمًا من ليبيا باتجاه دارفور.

السياق التاريخي وإمكانية التوظيف

تستطيع الخرطوم توظيف هذه الأوراق كأوراق ردعية وتفاوضية بالمعاملة بالمثل؛ فقد خاضت الخرطوم وأنجمينا حربًا بالوكالة عبر دعم معارضة كل طرف، وقد وصل إدريس ديبي إلى السلطة عام 1990 بهجوم انطلق من الأراضي السودانية بدعم من الخرطوم، ووصلت هذه الحرب ذروتها في فبراير 2008 حين اقتربت مجموعة من الزغاوة متمركزة في السودان من إسقاط قصر ديبي قبل أن يصدّها تدخل فرنسي.

ويستطيع السودان المعاملة بالمثل حتى من غير كلفة، بتوفير قواعد خلفية وملاذات آمنة، وإمداد المعارضة بالسلاح الإماراتي الذي يغنمه من الدعم السريع، وما تم اغتنامه في جبرة الشيخ وحدها كافٍ لذلك، وكما قال الرئيس جعفر نميري لإثيوبيا في الثمانينيات من القرن الماضي: «البيتو من قزاز ما يجدّع الناس بالحجارة».

خاتمة

تبقى الإجابة عن سؤال هذا المقال محكومة بمعادلة دقيقة: الرغبة موجودة، والضغط متصاعد، لكن القدرة محدودة، والكلفة رادعة. فإثيوبيا وتشاد ستظلان، على الأرجح، رأس حربة الدعم الخفي للمليشيا لا أدوات حرب معلنة، لأن من يفتح باب الحرب مع السودان يعلم أنه قد لا يملك إغلاقه. أما السودان، فقد أثبت على مدار هذه الحرب أنه ليس صيدًا سهلًا؛ فقد صمد وحيدًا ومحاصَرًا في مواجهة سبع عشرة دولة، وانتصر بعزيمة جيشه وشعبه، فكيف به اليوم ومعه حلفاء أقوياء كحلف مكة؟ إن المعركة تقترب من نهايتها، وإن طالت أساليب الإطالة والالتفاف؛ فكل أوراق الضغط والتسهيل لن تغير حقيقة الميدان: الدعم السريع يُهزم، والدولة السودانية تنتصر، ولكل حدثٍ وزمان حديث.

المقالة السابقة

منشورات د. احمد المفتي رقم 6232 .. (بدعم من الذكاء الاصطناعي وتعليقاته في نهاية هذا المنشور) تابع سد النهضة (1165): تحذير مهم للمفاوض السوداني: لا تفرطوا في حقوق السودان في الادارة المشتركة .. ترجمة المنشور 6232 للغة الانجليزية مرفقة

المقالة التالية

وجه الحقيقة | زووم الحوار السوداني.. إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *