مقدمة
لم تعد الحرب السودانية، بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاعها، مجرد مواجهة عسكرية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وإنما تحولت تدريجياً إلى ساحة صراع مركبة تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والسياسية والإقليمية والدولية.
والسؤال الأكثر أهمية اليوم ليس فقط: من سينتصر عسكرياً؟ وإنما: ما شكل الدولة السودانية التي ستخرج من هذه الحرب؟
فالحرب يمكن أن تنتهي باتفاق سياسي أو بانتصار عسكري أو بتسوية تفاوضية، لكن الخطر الأكبر يتمثل في أن تنتهي الحرب بينما تكون الدولة نفسها قد فقدت مقومات تماسكها، وجيشها الوطني، ومؤسساتها السيادية، وقدرتها على احتكار القوة المنظمة.
ومن هنا تأتي أهمية قراءة التطورات الأخيرة في سياق أوسع؛ فطرح الولايات المتحدة في مجلس الأمن توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل كل الأراضي السودانية، وإدخال الطائرات المسيّرة وتقنياتها ضمن الحظر، لا يمكن عزله عن الصراع الدائر حول مستقبل المؤسسة العسكرية والدولة السودانية.
لكن في المقابل، ينبغي التأكيد على أن مشروع القرار، وفق النصوص والمواقف المعلنة، يقدم نفسه باعتباره وسيلة لوقف تدفق السلاح إلى جميع أطراف الحرب، وليس قراراً معلناً لتفكيك الجيش السوداني. ومن ثم فإن القول بوجود مشروع مباشر لتفكيك الجيش يحتاج إلى إثبات مستقل؛ أما ما يمكن تحليله فهو النتائج المحتملة لمثل هذه السياسات على توازن القوة وعلى قدرة الدولة على حماية نفسها.
وهنا تبدأ القضية الاستراتيجية.
—
أولاً: من حظر السلاح في دارفور إلى حظر السلاح في السودان كله
ظل حظر السلاح المرتبط بدارفور قائماً منذ أكثر من عقدين بموجب نظام العقوبات المرتبط بالقرار 1591، لكن واشنطن طرحت في أغسطس 2026 توسيع نطاقه ليشمل كامل السودان.
المقترح الأمريكي يتضمن، إلى جانب توسيع النطاق الجغرافي، توضيح شمول الحظر للطائرات المسيّرة وأنظمتها وتقنياتها، وزيادة عدد الخبراء المكلفين بمراقبة العقوبات وتعزيز تعاونهم مع فرق أممية أخرى.
وهنا تظهر المفارقة:
إذا كان الهدف هو وقف الحرب ومنع وصول السلاح إلى الأطراف المتحاربة، فإن الإجراء يبدو منطقياً من الناحية النظرية.
لكن السودان ليس دولة مستقرة تواجه تمرداً محدوداً؛ بل دولة تخوض حرباً داخلية واسعة، وتواجه في الوقت نفسه تدفقاً للسلاح والدعم الخارجي إلى أطراف مختلفة.
وبالتالي فإن حظر السلاح الشامل قد تكون له نتائج غير متساوية على أرض الواقع، خصوصاً إذا كانت الأطراف الخارجية قادرة على الاستمرار في توفير الموارد والسلاح بصورة مباشرة أو عبر شبكات غير رسمية.
وهذا هو جوهر المخاوف السودانية.
—
ثانياً: السؤال الأخطر — من يملك القدرة على الاستمرار؟
لا يكفي في أي تحليل استراتيجي أن ننظر إلى نص القرار.
يجب أن نسأل:
كيف سيُطبَّق؟ وعلى من؟ ومن يستطيع الالتزام به؟ ومن يستطيع التحايل عليه؟
فإذا أوقف المجتمع الدولي الإمداد العسكري عن جميع الأطراف بصورة متساوية وفعالة، فإن ذلك يمكن أن يسهم في دفع الطرفين نحو التسوية.
أما إذا أصبح الحظر أكثر فعالية على الدولة ومؤسساتها الرسمية، بينما استمرت قنوات الدعم غير الرسمية في العمل لصالح القوات غير الحكومية، فإن النتيجة قد تكون مختلفة تماماً.
وهنا يكمن الخطر.
فالدولة الحديثة لا تستطيع الدفاع عن حدودها وأمنها الداخلي من دون مؤسسة عسكرية وأمنية قادرة على الحصول على السلاح والصيانة والذخائر والتقنيات اللازمة.
أما الجماعات المسلحة، فقد تعتمد على شبكات تهريب، أو دعم خارجي، أو اقتصاد حرب، أو مصادر غير رسمية للسلاح.
ومن ثم فإن التطبيق غير المتوازن لأي حظر قد يتحول من أداة لإنهاء الحرب إلى عامل لإعادة تشكيل ميزان القوة داخل الدولة.
ثالثاً: هل الهدف هو إنهاء الحرب أم إعادة تشكيل الدولة؟
هذه هي المسألة التي تحتاج إلى نقاش سوداني عميق.
فالمجتمع الدولي يعلن أن هدفه هو حماية المدنيين وإنهاء الحرب ومنع تدفق السلاح.
وهذا هدف مشروع من حيث المبدأ.
لكن التجارب الدولية أثبتت أن العقوبات والحظر عندما تتداخل مع الصراعات الداخلية قد تنتج نتائج تتجاوز الهدف المعلن.
وفي الحالة السودانية، فإن أي سياسة تؤدي إلى إضعاف قدرة القوات المسلحة على أداء وظائفها الأساسية، من دون الوصول في الوقت نفسه إلى نزع سلاح القوى المسلحة الأخرى، قد تخلق فراغاً أمنياً.
والفراغ الأمني في الدول الهشة لا يبقى فراغاً طويلاً.
إما أن تملأه مؤسسة الدولة، أو تملؤه القوى المسلحة، أو تتدخل فيه القوى الإقليمية والدولية.
ولهذا فإن المشكلة ليست في مبدأ منع السلاح بحد ذاته، وإنما في كيفية تطبيقه والجهة التي ستتحمل كلفته الاستراتيجية.
—
رابعاً: الاتهامات المتعلقة بالأسلحة الكيميائية
يتزامن ذلك مع عودة ملف الأسلحة الكيميائية إلى الواجهة.
فواشنطن جددت اتهاماتها للسودان باستخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب، بينما تؤكد الحكومة السودانية رفضها لهذه الاتهامات، وتقول إن لجنة وطنية للتحقيق لم تجد أدلة تثبتها، كما طالبت بالتحقق الميداني المستقل.
وهنا يجب الفصل بين أمرين:
الأول: ضرورة التحقيق الجاد في أي ادعاء يتعلق باستخدام أسلحة محظورة دولياً.
الثاني: خطورة تحويل الاتهام غير المحسوم إلى أداة سياسية تستخدم لتوسيع العقوبات أو عزل الدولة أو إضعاف مؤسساتها.
فالأسلحة الكيميائية من أخطر الملفات في النظام الدولي، وأي إثبات موثوق لاستخدامها يستوجب المحاسبة.
لكن العدالة تقتضي أيضاً أن تكون عملية التحقق مستقلة وشفافة وقابلة للفحص، وأن لا تتحول القضية إلى حكم سياسي مسبق.
وهذا ما يجعل مطالبة السودان بالتحقيق الميداني المباشر قضية مهمة ينبغي التعامل معها بجدية.
خامساً: مندوب السودان في جنيف يفتح معركة أخرى
في جنيف، حذر مندوب السودان الدائم حسن حامد حسن من تسييس عمل مجلس حقوق الإنسان، وانتقد محاولات توسيع حظر السلاح، معتبراً أن بعض الأنشطة السياسية للمنظمات لا تدخل مباشرة ضمن ولاية المجلس.
وتكشف هذه المواجهة أن المعركة لم تعد عسكرية فقط.
هناك معركة في:
مجلس الأمن، مجلس حقوق الإنسان، منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، المؤسسات الدولية المعنية بالعقوبات؛ الإعلام الدولي، مراكز الدراسات، مسارات التفاوض والمنابر السياسية التي تبحث مستقبل السودان.
وهذا يعني أن الحرب على السودان أصبحت حرباً على الرواية، وعلى الشرعية، وعلى صورة الدولة، وعلى مستقبل مؤسساتها.
سادساً: واشنطن بين الوساطة والضغط
يثير الدور الأمريكي سؤالاً بالغ الأهمية.
فمن جهة، تتحرك إدارة ترامب عبر مبعوثها ومسؤولها عن الملف الأفريقي والعربي، مسعد بولس، وتطرح نفسها طرفاً يسعى إلى وقف الحرب.
ومن جهة أخرى، تدفع واشنطن باتجاه توسيع حظر السلاح على السودان.
كما أن بولس تحدث مؤخراً عن احتمال وجود شبكات تجارية خاصة تسهّل تدفق السلاح إلى أطراف الحرب، مع نفيه توجيه اتهام مباشر لحكومة إقليمية بعينها بتأجيج الحرب.
وهنا تظهر معضلة الوساطة الأمريكية:
كيف يمكن لواشنطن أن تكون وسيطاً مقبولاً لدى السودانيين، وفي الوقت نفسه طرفاً يدفع باتجاه قرارات دولية يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في ميزان القوة داخل الحرب؟
السؤال لا يعني رفض الوساطة الأمريكية من حيث المبدأ، لكنه يعني أن الوسيط يحتاج إلى قدر كبير من الثقة والحياد المدرك من الأطراف السودانية.
سابعاً: لماذا تبرز مصر والسعودية وروسيا في المشهد؟
في مقابل الضغوط الغربية، تظهر قوى إقليمية ودولية أخرى بصورة مختلفة.
مصر تنظر إلى السودان باعتباره جزءاً من منظومة الأمن القومي العربي والمصري، وترتبط أمنياً وجغرافياً بمسألة وحدة السودان وسلامة مؤسسات الدولة.
والسعودية تنطلق بدرجة أكبر من أهمية أمن البحر الأحمر والاستقرار الإقليمي، إلى جانب دورها في مسار جدة وجهود الوساطة.
أما روسيا، فقد اتخذت موقفاً رافضاً لأي إجراءات جديدة يمكن أن تؤثر في الجيش السوداني، وهو ما ظهر بوضوح في موقفها من المقترح الأمريكي لتوسيع حظر السلاح.
وهكذا تتشكل أمام السودان معادلة دولية أكثر تعقيداً:
واشنطن والغرب — من جهة،
روسيا والصين — من جهة أخرى،
القوى العربية والإفريقية — من جهة ثالثة، والسودان نفسه في قلب الصراع.
لكن المشكلة أن السودان لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد ساحة لتنافس الآخرين.
—
ثامناً: الحوار السوداني ـ السوداني هو نقطة التحول
في مقابل تدويل الأزمة، تبرز مبادرة الحوار السوداني ـ السوداني باعتبارها محاولة لإعادة القضية إلى الداخل.
وقد أُعلنت ترتيبات واسعة للحوار، مع تأكيد أن اللجنة المعنية بتهيئته ستتواصل مع مختلف القوى السياسية والمجتمعية، بما فيها القوى الرافضة للحوار.
كما وصلت الآلية الخماسية إلى الخرطوم لدعم تهيئة العملية السياسية، مع التأكيد على أن دورها تيسيري، بينما تكون إدارة العملية سودانية.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين:
التيسير الدولي للحوار شيء،
والوصاية الدولية على مستقبل السودان شيء آخر.
السودانيون يحتاجون إلى مساعدة دولية وإقليمية لإنهاء الحرب، لكنهم يحتاجون في الوقت نفسه إلى أن تكون ملكية القرار السياسي سودانية.
تاسعاً: الانشقاقات داخل الدعم السريع ورسالة الميدان
وفي الجانب العسكري، تأتي أخبار استسلام قيادات من الدعم السريع للجيش وانضمام عناصر أخرى إلى القوات المسلحة لتكشف أن ميزان الحرب ليس ثابتاً، وأن هناك تحولات داخل بنية القوات المتحاربة.
لكن هذه الأخبار، مهما كانت دلالتها، لا ينبغي أن تُقرأ بمعزل عن الصورة الأكبر.
فالحرب لا تُحسم فقط بعدد المنشقين.
بل تُحسم بقدرة الدولة على إعادة بناء مؤسساتها، وبقدرة الجيش على الحفاظ على تماسكه، وبمدى قدرة المجتمع على رفض الانقسام، وبمدى نجاح العملية السياسية في إنتاج تسوية وطنية.
عاشراً: من تفكيك الجيش إلى تفكيك الدولة — الفرضية الأخطر
هنا نصل إلى جوهر السلسلة.
هل هناك مشروع دولي وإقليمي معلن لتفكيك الجيش السوداني ثم تفكيك الدولة؟
حتى الآن، لا توجد في المصادر التي تم التحقق منها وثيقة دولية معلنة تقول صراحة إن الهدف هو “تفكيك الجيش السوداني ثم تفكيك الدولة”.
ولذلك فإن تقديم هذه الفكرة باعتبارها حقيقة مثبتة سيكون غير دقيق.
لكن توجد سياسات وتطورات يمكن أن تنتج، إذا اجتمعت بصورة غير متوازنة، نتائج تصب في اتجاه إضعاف الدولة:
– توسيع حظر السلاح ليشمل كل السودان.
– الضغط الدولي المتزايد على المؤسسة العسكرية.
– العقوبات الفردية والمؤسساتية.
– تدويل ملفات حقوق الإنسان.
– الاتهامات المتعلقة بالأسلحة الكيميائية.
– استمرار الدعم الخارجي للأطراف المسلحة.
– تعدد المبادرات الدولية والإقليمية.
– محاولة التأثير في شكل النظام السياسي القادم.
– تصاعد خطاب الحكم المدني خارج إطار التوافق الوطني.
– استمرار الحرب بما يستنزف مؤسسات الدولة واقتصادها ومجتمعها.
هذه العناصر لا تثبت وجود “مؤامرة” بالمعنى القانوني، لكنها تستحق الدراسة باعتبارها بيئة استراتيجية يمكن أن تؤدي إلى إضعاف الدولة إذا لم تُدار بصورة متوازنة.
الحادي عشر: السيناريو الأخطر
السيناريو الأخطر ليس بالضرورة أن ينتصر طرف على آخر.
بل أن تنتهي الحرب إلى:
جيش ضعيف + قوى مسلحة متعددة + اقتصاد منهار + تدخلات خارجية + مناطق نفوذ + أزمة سياسية مستدامة.
عندها لن تكون المشكلة في من يحكم الخرطوم.
المشكلة ستكون:
هل ستظل هناك دولة سودانية موحدة قادرة على ممارسة سيادتها على كامل أراضيها؟
وهذا هو الفارق بين إنهاء الحرب وإنقاذ الدولة.
—
الثاني عشر: السودان أمام اختبار السيادة
السودان اليوم أمام اختبار تاريخي: ليس المطلوب رفض المجتمع الدولي، وليس المطلوب رفض الوساطة وليس المطلوب رفض التحقيق في الانتهاكات، ولكن المطلوب هو رفض الانتقائية وازدواجية المعايير، والمطالبة بتطبيق أي قرار على جميع الأطراف بصورة متساوية ورفض تحويل حماية المدنيين إلى مدخل لإعادة هندسة الدولة السودانية من الخارج.
وفي الوقت نفسه، يجب على الدولة السودانية أن تقدم للعالم رؤية واضحة:
– وقف الحرب.
– حماية المدنيين.
– مكافحة الإفلات من العقاب.
– محاسبة مرتكبي الجرائم أياً كانت مواقعهم.
– ضبط السلاح خارج مؤسسات الدولة.
– إعادة بناء القوات المسلحة والمؤسسات الأمنية وفق أسس وطنية.
– إطلاق حوار سوداني شامل.
– الحفاظ على وحدة السودان.
– منع التدخلات الخارجية.
– وإعادة بناء الدولة على أساس المواطنة والقانون.
—
خاتمة استشرافية
السودان يقف اليوم أمام مفترق طرق.
فإذا تحولت الضغوط الدولية إلى وقف حقيقي لتسليح جميع الأطراف، فقد تصبح العقوبات والحظر وسيلة لإنهاء الحرب.
أما إذا أصبحت أدوات الضغط أكثر تأثيراً على مؤسسات الدولة، بينما ظلت قنوات الدعم غير الرسمي للقوى المسلحة مفتوحة، فقد تكون النتيجة عكسية: إطالة الحرب، وإضعاف الدولة، وتعميق الانقسام.
ولهذا فإن المعركة القادمة قد لا تكون معركة الخرطوم أو الفاشر أو كردفان وحدها.
إنها معركة:
من يملك القرار السوداني؟
ومن يحدد شكل الدولة السودانية بعد الحرب؟
وهل يخرج السودان من الحرب دولةً موحدة ذات جيش وطني واحد، أم يخرج منها كياناً سياسياً هشاً تتوزعه مراكز القوة والنفوذ؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد مستقبل السودان لعقود قادمة.


