مشروع توسيع حظر السلاح ليشمل كامل الأراضي السودانية ليس قراراً فنياً عادياً، ولا إجراء إنساني بريئ كما يحاول أصحابه تسويقه، بل هو في جوهره مشروع سياسي بالغ الخطورة يستهدف الدولة السودانية في واحدة من أهم أدوات بقائها: قدرتها على الدفاع عن أرضها، وشعبها وسيادتها.
والسؤال الذي يفرض نفسه منذ اللحظة الأولى لماذا السودان كله؟ ولماذا الآن؟ وإذا كان الهدف إيقاف الحرب وحماية المدنيين فلماذا لا يكون الاتجاه إلى تجفيف مصادر السلاح والتمويل التي تغذي الحرب بدلاً من وضع الدولة نفسها تحت حظر شامل؟
إن توسيع الحظر من نطاقه الحالي في دارفور إلى جميع ربوع السودان يعني عملياً فرض قيود واسعة على قدرة الدولة في الحصول على وسائل الدفاع في وقت تواجه فيه حرباً مفتوحة وتهديدات أمنية على مساحات شاسعة من البلاد، وهذه معادلة لا يمكن وصفها بأنها محايدة. ومن هنا تأتي أهمية الموقف الروسي الرافض لهذا المشروع، فموسكو لم تقل إن الحرب يجب أن تستمر ولم ترفض السلام، وإنما رفضت أن يتحول مجلس الأمن إلى أداة لتغيير موازين القوة داخل السودان عبر قرارات دولية تنتقص من قدرة الدولة على الدفاع عن نفسها، والموقف السوداني في هذه القضية يستند إلى منطق واضح: السودان دولة ذات سيادة ومن حقها القانوني والسياسي أن تمتلك الوسائل اللازمة لحماية أراضيها ومؤسساتها ومواطنيها، أما المفارقة الكبرى فهي أن بعض الدول التي ترفع شعار حماية المدنيين هي نفسها التي تنخرط في صراعات النفوذ حول السودان بينما لا نرى الحماس ذاته لتجفيف منابع السلاح والمال التي تطيل أمد الحرب. إذا كان المجتمع الدولي يريد السلام حقاً فليضغط على كل من يسلّح ويموّل ويغذي الحرب، وليدعم حواراً سودانياً خالصا وليعمل على وقف التدخلات الخارجية، أما أن يحاصر السودان بالسلاح والعقوبات ثم يقال إن الهدف هو إنهاء الحرب فذلك أقرب إلى المماحكة السياسية ومحاولة خنق الدولة منه إلى صناعة السلام.
إن السودان لا يرفض السلام لكنه يرفض أن يكون ثمن السلام التنازل عن سيادته وقدرته على الدفاع عن نفسه، ولهذا فإن الموقف الروسي يستحق الدعم، والموقف السوداني يستحق المساندة. لا لحظر شامل يخنق الدولة، نعم لسلام عادل يوقف الحرب، ويمنع التدخل الخارجي ويحفظ للسودان وحدته وسيادته.
حظر السلاح أم حصار السودان؟! موسكو تقول لا والخرطوم ترفض تحويل السيادة إلى ورقة ابتزاز .. مستشار هشام محمود سليمان
المقالة السابقة


