Popular Now

وجه الحقيقة | اعتقال فرانكل وصمود السودانيين .. د. إبراهيم شقلاوي

أصل القضية | السودان.. تجربة السياسة أم سياسة التجربة؟ .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6319 بتاريخ 10 أكتوبر 2026 .. لماذا تصر أمريكا والمعارضة على توسيع حظر السلاح لكل السودان رغم أنه غير فعال في دارفور نفسها؟

أصل القضية | السودان.. تجربة السياسة أم سياسة التجربة؟ .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

ليست كل التجارب التي يخوضها السياسيون تتحول إلى خبرة، وليست كل الخبرات التي يكتسبونها تقود إلى تغيير. أحياناً، تكون المشكلة أن التجربة تنتهي عند صاحبها، بينما تظل كلفتها معلّقة في رقبة الدولة والمجتمع.

حين يقول حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، إنه جرّب التمرد وجرّب الحكومة، ثم يضيف أن من لا يريدهم فليذهب إلى التمرد، فنحن لا نقف أمام تصريح عابر فحسب، بل أمام مدخل لقراءة طبيعة السياسة السودانية، وكيف تتداخل فيها السلطة والسلاح والشرعية، وأين تنتهي التجربة السياسية لتبدأ إعادة إنتاج الأزمة؟ وهل نحن أمام تجربة للسياسة، أم أمام سياسة تقوم على إعادة تدوير التجارب؟

في الحالة الأولى، تكون التجربة وسيلة للتعلم، يخوضها الفاعل السياسي، ويقيّم نتائجها ثم يطوّر أدواته ويصحح مساره. أما في الحالة الثانية، فإن التجربة تتحول إلى نمط عمل، تتغير فيه المواقع والأسماء، بينما تبقى القواعد التي أنتجت الأزمة على حالها.

وهنا تكمن المفارقة السودانية إذ ينتقل الفاعل من التمرد إلى المشاركة في الحكم، ثم يتحدث عن تجربته في الاثنين، لكن السؤال الذي يخص الدولة والمواطن لا يتعلق بما تعلمه الفاعل وحده، بل بما تغير في بنية الحكم نتيجة تلك التجربة: هل أصبحت الدولة أكثر قدرة على استيعاب الاختلاف؟ هل تراجعت جاذبية السلاح بوصفه طريقاً إلى السلطة؟ وهل بات الوصول إلى المواقع العامة محكوماً بقواعد مستقرة، أم أن موازين القوة ما زالت تؤدي دوراً حاسماً في تحديد من يحكم ومن يعارض؟
إن التجربة التي لا تغيّر قواعد اللعبة قد لا تكون سوى جولة جديدة في اللعبة القديمة.

من المعارضة إلى التمرد.. أين تضيق السياسة؟

تكتسب هذه الأسئلة أهميتها من تاريخ العلاقة بين الحركات المسلحة والسلطة في السودان حيث لم يكن الانتقال من حمل السلاح إلى التفاوض، ثم إلى المشاركة في الحكم، مساراً استثنائياً في جميع الحالات. وقد أسهمت اتفاقات السلام والترتيبات السياسية في إدخال قوى مسلحة إلى مؤسسات الدولة، لكن التحدي ظل قائماً: كيف ننتقل من تسوية موازين القوة إلى بناء مؤسسات تستوعب الجميع وفق قواعد معلومة؟

هنا ينبغي أن نتوقف عند الفرق بين تجربة التمرد وتجربة الحكم، فهما ليستا مجرد خيارين متكافئين يختبر السياسي أحدهما ثم ينتقل إلى الآخر، إذ يحمل التمرد كلفة بشرية، واجتماعية واقتصادية، ويضع سيادة الدولة ووحدة المجتمع أمام اختبارات قاسية.
وحين يصبح التمرد طريقاً محتملاً للتفاوض على السلطة، فإن المشكلة تتجاوز قرار هذا الفاعل أو ذاك لتصل إلى الحوافز التي تنتجها البيئة السياسية نفسها.

لقد أعادت الحرب في أبريل ٢٠٢٣م طرح سؤال قديم بصيغة أكثر قسوة؛ ماذا يحدث حين تعجز السياسة عن إدارة التنافس على القوة، أو حين تصبح ترتيبات القوة نفسها جزءاً من الأزمة التي يفترض أن تحلها السياسة؟

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الجدل الذي أحاط بالاتفاق الإطاري ومقولة «يا الإطاري يا الحرب» ضمن سؤال أوسع عن الخيارات السياسية الصفرية. لا يعني ذلك أن هذه العبارة وحدها تفسر اندلاع الحرب، أو أن مسؤوليات الأطراف متساوية بل إن الدرس الاستراتيجي هو أن تضييق المجال السياسي حتى يبدو وكأنه لا يتسع إلا لخيار واحد يضعف فرص التسوية، ويجعل التنافس على السلطة أكثر قابلية للانفجار.
السياسة الناجحة ليست التي تنتصر فيها صيغة واحدة، بل التي تمنع اختلاف الصيغ من التحول إلى حرب.

من أين تستمد السلطة مشروعيتها؟

أما الشق الآخر من تصريح مناوي ،المتعلق بمن لا يريدهم في السلطة، فيفتح باباً أكثر حساسية: من يملك حق تعريف الشرعية، وما الأساس الذي تستند إليه؟

حين يقول مسؤول يتولى منصباً عاماً إن من يرفض وجودهم عليه أن يتمرد، فإن السؤال ليس ما إذا كان يحق له الدفاع عن موقعه السياسي بل ما إذا كان الاعتراض على السلطة قد اختُزل في خيار المواجهة المسلحة.
فالشرعية ليست مفهوماً واحداً. هناك شرعية قانونية تتصل بأساس تولي المنصب وحدود صلاحياته، وشرعية سياسية تتصل بالتوافق الذي تستند إليه السلطة، وشرعية شعبية تتصل بمدى تمثيلها للمواطنين واستجابتها لمطالبهم.
وقد تتقاطع هذه المستويات، لكنها لا تتطابق بالضرورة. فشغل المنصب لا يحسم وحده مسألة القبول الشعبي، كما أن امتلاك السلاح لا يمنح صاحبه حق تمثيل المجتمع، ولا يجعل القوة بديلاً عن القانون.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحاً ليس متعلقاً بمناوي وحده، وإنما بكل سلطة في السودان هل تستمد مشروعيتها من مؤسسات الدولة وقواعدها، أم من موازين القوة التي أتاحتها الظروف؟

هذا السؤال لا ينزع الشرعية عن أحد حكماً، ولا يمنحها لآخر تلقائياً، بل يضع الجميع أمام معيار ينبغي أن يكون واحداً وهو الأساس القانوني، والمساءلة والقدرة على تمثيل المواطنين.
فالدولة أوسع من الحكومة، والحكومة أوسع من القوى المشاركة فيها، والاعتراض على السلطة ليس بالضرورة اعتراضاً على الدولة. وإذا لم تستطع السياسة الفصل بين هذه المستويات، فإن كل خلاف على الحكم سيظل مهدداً بأن يتحول إلى خلاف على وجود الدولة نفسها.

حين يدخل التصريح إلى المختبر الإعلامي

في مقالنا السابق، «السودان.. كيمياء الخطاب الإعلامي»، توقفنا عند الكيفية التي تتفاعل بها الكلمات مع السياق، وكيف يمكن لانتقاء جانب من التصريح أن يرجّح معنى على آخر.
وتقدم تصريحات مناوي مثالاً مناسباً لذلك. فمن الممكن أن تركز المعالجة الإعلامية على رفض العودة إلى التمرد، فتقدم التصريح باعتباره رسالة استقرار ومن الممكن أن تركز على دعوة المعترضين إلى التمرد، فتضع مسألة الشرعية وطبيعة العلاقة بين السلطة والمعارضة في الواجهة.

لكن القراءة المتأنية لا تختار إحدى العبارتين وتهمل الأخرى، بل تضعهما معاً، وتفحص السياق الذي وردتا فيه ثم تسأل عن دلالاتهما السياسية.
هنا يظهر الفارق بين الإعلام الذي يتيح للجمهور فهم التصريح ومساءلة مضمونه، والترويج الذي ينتقي منه ما يخدم انطباعاً محدداً. ومع ذلك، لا يجوز أن نجعل طريقة التناول الإعلامي بديلاً عن مساءلة مضمون الخطاب نفسه؛ فالسياق يفسر العبارة، لكنه لا يعفيها من النقد. فالخطاب قد يصنع انطباعاً عن الشرعية، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع شرعية مستدامة.

بالتالي إذا كان الخطاب الإعلامي يؤثر في الطريقة التي يفهم بها الناس السياسة، فإن الممارسة السياسية هي التي تحدد ما إذا كان هذا الفهم سيجد في الواقع ما يؤكده، أم سيصطدم بتناقضاته.

#أصل_القضية…
السودان لا تنقصه التجارب، فقد جرّب أشكالاً متعددة من الحكم، واتفاقات السلام، والتحالفات والانتقالات السياسية، كما دفع أثماناً باهظة لصراعات لم تستطع السياسة احتواءها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا فعلنا بكل هذه التجارب؟ هل حولناها إلى مؤسسات أقوى، وقواعد أكثر عدلاً، ومسارات تتيح تداول السلطة دون اللجوء إلى السلاح؟ أم أننا اكتفينا بتغيير مواقع الفاعلين، بينما تركنا أسباب الأزمة تنتظر جولتها التالية؟
الفرق بين تجربة السياسة وسياسة التجربة هو الفرق بين دولة تتعلم من ماضيها، وساحة يعيد فيها الفاعلون اختبار الأدوات نفسها، فيما تتراكم على المجتمع كلفة المحاولات.
فالسودان لا يحتاج إلى سياسيين يجيدون الانتقال بين مواقع القوة بقدر حاجته إلى نظام سياسي يجعل الدولة أقوى من هذه المواقع، ويجعل الوصول إلى السلطة ممكناً دون حرب، وممارستها خاضعة للمساءلة، ومغادرتها أمراً لا يستدعي التمرد.
وهنا بالضبط #أصل_القضية.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6319 بتاريخ 10 أكتوبر 2026 .. لماذا تصر أمريكا والمعارضة على توسيع حظر السلاح لكل السودان رغم أنه غير فعال في دارفور نفسها؟

المقالة التالية

وجه الحقيقة | اعتقال فرانكل وصمود السودانيين .. د. إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *