Popular Now

ابن المقفع يكتب … في ضيق معاش الرعية د.محمد حسن فضل الله

عودة المحكمة الدستورية في السودان.. خطوة نحو دولة سودانية عادلة .. د. نجلاء حسين المكابرابي

قراءات في أحوال الجنوب الليبي .. إقليم فزان بين مطرقة حفتر وسندان دولة الإمارات (4) .. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز إنماء للدراسات الإستراتيجية

قراءات في أحوال الجنوب الليبي .. إقليم فزان بين مطرقة حفتر وسندان دولة الإمارات (4) .. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز إنماء للدراسات الإستراتيجية

جاء التوسع العسكري الذي نفذته قوات خليفة حفتر في الجنوب الليبي في إطار محاولة لبناء منظومة نفوذ تمتد من برقة إلى فزان، وتمنحه أوراق قوة إضافية في التنافس على السلطة الوطنية. غير أن هناك بونًا شاسعًا وفارقًا جوهريًا بين السيطرة على الأرض وبناء نفوذ مستدام؛ فالمعيار الحقيقي لنجاح هذه التحركات لا يتمثل في اتساع رقعة السيطرة العسكرية وحدها، وإنما في قدرتها على تحقيق الاستقرار والأمن والسكينة للسكان، بدلًا من إعادة إنتاج الأزمة في صورة جديدة.
فمنذ عام 2016، بنت قوات حفتر وجودها في الجنوب الليبي عبر استقطاب مجموعات مسلحة وقيادات محلية من خلفيات اجتماعية متعددة، بما في ذلك مجموعات من قبائل أولاد سليمان والطوارق والتبو والزوية، وربط بعض أبناء هذه القبائل بغرف عمليات مشتركة وتمويل مباشر من خليفة حفتر. وقد أتاح هذا التكتيك توسيع شبكة العلاقات العسكرية والاستفادة من المعرفة المحلية بالطرق والمجتمعات، لكنه، من وجهة نظرنا، يحمل في بنيته وأصوله العميقة بذور هشاشته؛ لأن الولاءات التي تُشترى بالمال، وتُبنى على الرواتب والامتيازات والنفوذ على الطرق والموارد، تظل عرضة للتراجع عندما تتبدل الظروف، أو تتراجع الموارد، أو تنشأ خلافات بين الحلفاء. فالعلاقة التي تقوم على المنفعة وحدها قد تنجح في فرض الهدوء لبعض الوقت، لكنها لا تكفي لبناء سلام يحمي الناس ويمنحهم شعورًا بالأمان والانتماء.
ويكشف مسار هذه المقاربة عن طبيعة المشكلة البنيوية التي يعانيها الجنوب الليبي. فعندما تضعف مؤسسات الدولة، تصبح الجماعات من غير الدول والمليشيات القبلية المسلحة قادرة على التفاوض مع القوى الرسمية من موقع القوة، وتتحول الروابط القبلية إلى قنوات لتوزيع الموارد أو ضمان الحماية. ومع مرور الوقت، تنشأ جماعات مصالح متشابكة يصعب تفكيكها، لأن استمرارها يرتبط بمنافع اقتصادية وأمنية وسياسية متبادلة.
وهنا نقول إن وهم الاستقرار النسبي الذي وُصف بأنه ساد فزان لست سنوات بدأ يتداعى في مطلع عام 2025، عندما حلّ حفتر التشكيل العسكري المتمثل في اللواء 128، أحد أبرز القوى القتالية في فزان، وأطاح بقائده العقيد (حسن الزادمة) في محاولة للحد من نفوذه السياسي والأمني ونفوذ قبيلة أولاد سليمان الأوسع. وقد ترتب على هذا الإجراء اندلاع اشتباكات مسلحة في منطقة القطرون بين قوات حفتر ومجموعات مرتبطة باللواء 128، أسفرت عن سقوط عدد من القتلى، تبعتها مواجهات أخرى في حقول كيلينجي الذهبية بعد تسعة أيام.
ورغم قصر مدة الاشتباكات، فإنها كشفت أن الاستقرار المزعوم كان، في جوهره، هدوءًا قسريًا مرتبطًا بوجود قيادة معينة وترتيبات هشة، وليس استقرارًا مؤسسيًا قادرًا على الصمود أمام تغير الولاءات. والأهم أن هذا الانهيار لم يكن مفاجئًا، بل جاء نتيجة منطقية للاعتماد على شخص واحد وقبيلة واحدة بوصفهما حلقة وصل بين حفتر والمجتمعات المحلية. وعندما قرر حفتر تفكيك هذه الحلقة، لم يكن هناك بديل مؤسسي يضمن استمرار الولاء أو يحول دون عودة الصراع المسلح إلى الواجهة.
وتشير تحليلات اقتصاديات الصراع إلى أن هذه الاشتباكات لم تُنهِ سيطرة قوات حفتر على فزان، لكنها أسهمت في إعادة تشكيل المنظومة الإجرامية الإقليمية، إذ دفع العنف بشبكات التهريب إلى الانتقال من القطرون نحو أوباري وتيجاري وسبها ومعبر السلفادور على الحدود الجزائرية-النيجرية، بدلًا من تفكيكها. وهذه واحدة من المفارقات التي ينبغي التوقف عندها؛ فالقوة العسكرية قد تتمكن من فرض سيطرتها على منطقة أو طريق بعينه، لكنها لا تستطيع، بمجرد الانتشار العسكري، إنهاء اقتصاد غير مشروع يجد أسبابه في هشاشة المؤسسات واتساع الحدود وضعف البدائل الاقتصادية.
وفي قلب ترتيبات النفوذ في الكفرة، برزت كتيبة سبل السلام التابعة لقوات حفتر والمنتمية إلى قبيلة الزوي، بوصفها فاعلًا محوريًا. تأسست الكتيبة في الكفرة عام 2012، فيما تشير مصادر أخرى إلى عام 2014، بقيادة هاشم عبد الرحمن الكيلاني، المعروف بهاشم الكيلاني. وقد نشأت، بحسب تقرير «ذا سنتري» (The Sentry)، من رحم الصراعات الإثنية في جنوب شرق ليبيا بين عامي 2012 و2015، حيث برزت بوصفها قوة مسلحة ذات طابع مجتمعي، قبل أن تتطور إلى فاعل مهيمن على الاقتصادين الرسمي وغير الرسمي في المنطقة. وكان هدفها الأول حماية الحدود من تجارة الأسلحة والبشر والمخدرات، قبل أن تنضم لاحقًا إلى كتائب خليفة حفتر.
ولم يكن تحالفها مع حفتر مفاجئًا، بل تعزز بفعل عاملين أساسيين. أولهما القرابة العائلية، إذ إن خليفة حفتر نفسه ينحدر من أم من قبيلة الزوي، وهو ما وثقته تحليلات «ذا سنتري»، التي أشارت إلى أن العلاقات المميزة بين كتيبة سبل السلام وقوات حفتر تعززت بروابط القرابة. أما العامل الثاني، فيتمثل في تداخل المصالح الاقتصادية والأمنية. فبعد اندلاع الحرب التي تخوضها مليشيا الدعم السريع وحلفاؤها في السودان، وتحت ضغط من دولة الإمارات العربية المتحدة وصدام حفتر، أحكمت الكتيبة سيطرتها على شحنات الوقود والتجارة عبر الحدود بين السودان وليبيا، وربطت مصالحها بصورة وثيقة بمصالح قوات الدعم السريع.
أما علاقتها بالإمارات، فهي، وفق هذه القراءة، علاقة ذات عمق استراتيجي وليست مجرد دعم عابر. فكتيبة سبل السلام تؤمّن منطقة مثلث السارة، وهي منطقة حدودية استراتيجية تشهد أعمال إعادة تأهيل لقاعدة جوية بإشراف إماراتي، بما يعزز نفوذ أبوظبي في الجنوب الليبي. وقد وثّق تقرير الأمم المتحدة رقم (S/2026/224) أن الكتيبة أحكمت قبضتها على منطقة الكفرة الاستراتيجية، وأن سيطرتها على سلاسل الإمداد الامارتيه المتجهة إلى قوات الدعم السريع ما كان لها أن تتحقق دون موافقة خليفة حفتر وابنه صدام خدام الإمارات العربية.
وبذلك تحولت الكتيبة من قوة محلية يُفترض أن تضطلع بمهمة حماية الحدود إلى حلقة وصل في شبكة تحالفات إقليمية لنقل الأسلحة والمرتزقة الأجانب، بما في ذلك مرتزقة كولومبيين، من مطار الكفرة إلى مناطق وجود قوات الدعم السريع في السودان. ويكشف هذا التداخل بين المصالح المحلية والمالية والعسكرية الإقليمية عن صعوبة تفكيك هذه الشبكات؛ فاستمرارها لا يرتبط بمصالح القيادات المحلية وحدها، بل يرتبط أيضًا باستراتيجيات فاعلين خارجيين ذوي أجندات عابرة للحدود، وهو ما يجعل الاستقرار في إقليم فزان رهينة لحسابات جيوسياسية تتجاوز كثيرًا مصالح سكانه.
غير أن هذا الدور الأمني اقترن بسجل موثق من الانتهاكات الجسيمة. فقد وثّقت منظمة العفو الدولية، في تقرير صدر في أكتوبر 2025، سلسلة من الانتهاكات ارتكبتها كتيبة سبل السلام وشرطة الكفرة المرتبطة بها ضد أفراد من مجموعة التبو، بين أغسطس وأكتوبر من العام نفسه. وشملت هذه الانتهاكات القتل غير المشروع، والاعتقال التعسفي والإخفاء القسري على أساس الأصل الإثني. ومن بين الحالات الموثقة مقتل رجلين من التبو على يد شرطة الكفرة، ووفاة ثالث بعد تعرضه لهجوم من جماعة مسلحة في منطقة نفوذ الكتيبة، فضلًا عن الاختفاء القسري لثلاثة رجال آخرين على الأقل.
وهذه الانتهاكات ليست آثارًا جانبية يمكن تجاهلها عند تحليل الاستقرار، بل هي جزء من صميم المشكلة؛ لأنها تخلق مظالم جديدة وتعمّق الانقسامات الإثنية، وتجعل أي هدوء في الكفرة هشًا بالضرورة، ما دام يقوم على إخضاع جزء من السكان بالقوة بدلًا من الاستناد إلى شرعية قانونية واجتماعية تحمي الجميع. فالإنسان الذي يتعرض للانتهاك بسبب هويته أو انتمائه لا يفقد إحساسه بالأمان وحده، بل قد يفقد ثقته في المؤسسات التي يُفترض أن تحميه. وعندما تُترك هذه المظالم دون مساءلة، فإنها تتحول إلى وقود لإعادة إنتاج الصراع، سواء من خلال ردود فعل مسلحة أو عبر بحث الجماعات المتضررة عن حلفاء جدد.
ولا يمكن التعامل مع القبائل ككتل موحدة في هذا السياق، لكن يمكن رصد القيادات والتشكيلات التي ارتبطت فعليًا بمنظومة حفتر في فزان. ففي الكفرة، يظل تحالف الزوي الأكثر رسوخًا، وتتجسد أبرز أدواته في كتيبة سبل السلام، وقد مكّن هذا التحالف حفتر من بسط نفوذه على الكفرة والمناطق الحدودية الشرقية. وفي سبها والقطرون، شكّل اللواء 128، بقيادة حسن الزادمة، قبل حله في مطلع عام 2025، العمود الفقري للنفوذ العسكري لحفتر في سبها ومحيطها. وبعد إقالة الزادمة، اندلعت اشتباكات في القطرون وحقول كيلينجي، مما كشف هشاشة هذا التحالف.
وتشير تحليلات «أفريكا إنتلجنس» إلى أن التوترات مع قبيلة أولاد سليمان تضع خليفة حفتر أمام شبكة معقدة من الخصومات والتحالفات المتغيرة. وفي أوباري وغات، انضمت مجموعات من الطوارق إلى قوات حفتر ضمن ترتيبات عكست تداخل الحسابات الأمنية مع المصالح المحلية، ولا سيما في المناطق القريبة من حقول النفط والطرق الحدودية. أما التبو، فتتسم مواقف مجموعاتهم المسلحة بالتعقيد والتباين، إذ اختلفت علاقاتها بقوات خليفة حفتر تبعًا للظروف المحلية. كما دخلت قبائل المقارحة والحساونة والمحاميد والقذاذفة في تحالفات محلية مؤقتة في سبها، لكنها لم تكن كتلًا موحدة، بل تشكيلات وقيادات اتخذت قرارات ظرفية وفقًا لحسابات المصالح والظروف المحيطة بها.
ويُلاحظ أن إعادة الهيكلة التي قادها صدام حفتر خلال عامي 2025 و2026، عبر إدخال اللواء 87 بقيادة محمد مزوغي، المعروف بقربه من الإمارات، والكتيبة 166، جاءت لتقليل احتكار كتيبة سبل السلام للمنطقة مع الحفاظ على السيطرة على الممرات الحيوية. وهذا يؤكد أن منطق التحالفات يظل أداتيًا وقابلًا لإعادة التشكيل بحسب المنفعة.
وفي مقابل منظومة نفوذ خليفة حفتر في الجنوب الليبي، برزت غرفة عمليات تحرير الجنوب، بقيادة محمد وردقو، بوصفها أحد أبرز التحديات المسلحة لحفتر في إقليم فزان. وقد تحولت الغرفة إلى فاعل ميداني منذ يناير 2026، حين نفذت هجمات منسقة استهدفت ثلاث نقاط حدودية، هي منفذ التوم ونقطتا وادي بوغرارة والسلفادور، وأسفرت عن مقتل ثلاثة عسكريين وإصابة آخرين وأسر عدد منهم. وتتمركز المجموعة في مثلث السلفادور الحدودي الوعر مع النيجر، وترفع شعار مقاومة التهميش والتهريب والعودة إلى الحكم العسكري.
ورغم أن مصدرًا عسكريًا في قوات حفتر وصف الغرفة بأنها قوة وهمية وقيد المطاردة، وذكر أن أغلب أفرادها قد جرى القضاء عليهم، فإن استمرار عملياتها، وفق المعطيات الواردة في هذا المقال، يشير إلى أنها ليست مجرد ظاهرة هامشية، بل قد تعكس مظالم قائمة في الجنوب، حتى لو ظلت أدواتها وأجنداتها موضع تساؤل.
وتكمن المفارقة في أن غرفة عمليات تحرير الجنوب، مثلها مثل كتيبة سبل السلام، تنشط في بيئة الاقتصاد غير الرسمي نفسها؛ فهي تتحدث عن استهداف تهريب الوقود والبضائع والبوابات التي تحصل على إتاوات، لكنها تعمل في البيئة ذاتها التي تجعل هذا الاقتصاد ممكنًا. وهذا ما يجعل الصراع بينها وبين حفتر أقرب إلى تنافس على تقاسم الريع ومصادر القوة المرتبطة بالعنف، وليس بالضرورة صراعًا على بناء نموذج مختلف للدولة.
إن فهم هذه المعادلة المتشابكة يقتضي تجاوز السرديات التي تختزل الصراع في مواجهة بين «قوات نظامية وإرهابيين»، أو في مجرد «قبائل متناحرة»، والاستعانة بمفهوم الحروب الجديدة الذي صاغته الباحثة والمفكرة ماري كلودور في مطلع التسعينيات، بوصفه أحد الأطر النظرية القادرة على تفسير ما يجري في فزان.
ترى كلودور أن الحروب التي برزت بعد الحرب الباردة شهدت تحولات جوهرية؛ إذ باتت تُخاض بدرجة متزايدة بين فاعلين من غير الدول، مثل المليشيات والشبكات القبلية والشركات الأمنية الخاصة والمرتزقة. كما بات تمويلها يعتمد على اقتصاد حرب يقوم على النهب والتهريب والاتجار غير المشروع، فيما تُستخدم سياسات الهوية الإثنية والقبلية والدينية أدواتٍ للتعبئة والتجنيد، وتتسع دائرة استهداف المدنيين في البيئات التي تضعف فيها الدولة أو تفقد قدرتها على فرض القانون.
وكل هذه السمات حاضرة في فزان بدرجات متفاوتة. فاقتصاد الحرب، بما يتضمنه من تهريب الوقود والذهب، ولا سيما في كيلينجي، والاتجار بالبشر والأسلحة، وفرض إتاوات غير رسمية على التجارة العابرة للحدود، يمثل أحد العوامل التي تساعد على استمرار التشكيلات المسلحة. كما تظهر سياسات الهوية في الانتهاكات المرتكبة ضد التبو في الكفرة، وفي الخطاب القبلي الذي يُوظَّف لتبرير التحالفات أو الانقسامات، بما يحوّل الهوية من مصدر للانتماء والتكافل الاجتماعي إلى مورد للتعبئة السياسية والعسكرية.
أما ضعف الدولة البنيوي، فلا يمكن تفسيره بمجرد غياب الإرادة السياسية، بل ينبغي النظر إليه أيضًا بوصفه نتيجة لتراكم طويل من الاختلالات التي يعيد اقتصاد الحرب إنتاجها؛ إذ تصبح الجماعات المسلحة المستفيدة من غياب القواعد الموحدة أقل استعدادًا لقبول مؤسسات قادرة على فرض القانون ومساءلة أصحاب النفوذ. وهكذا تتشكل دائرة مغلقة، يؤدي فيها ضعف الدولة إلى توسع اقتصاد الحرب، بينما يسهم استمرار هذا الاقتصاد في إضعاف فرص بناء الدولة.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يطرحه هذا المقال، وهو: هل تقود التحالفات القبلية إلى الاستقرار؟ يجد إجابته في الدروس التي يقدمها مفهوم كلودور عن الحروب الجديدة. فالاستقرار في هذه البيئات لا يُبنى بمجرد استقطاب الفاعلين المسلحين أو إعادة توزيع النفوذ بينهم، وإنما يتطلب تفكيك اقتصاد الحرب الذي يعيد إنتاجهم، ومعالجة الأسباب السياسية، والاقتصادية والاجتماعية التي تجعل استمرارهم ممكنًا.
فطالما ظل مثلث السارة ممرًا للإمداد الإقليمي، واستمر تهريب الذهب والوقود عبر الحدود، واستمرت الأطراف الخارجية، بما فيها الإمارات وغيرها وفق ما تشير إليه التقارير الواردة في هذا المقال، في دعم أطراف الصراع وتأجيج التنافس الإقليمي، فإن أي هدوء سيظل مؤقتًا، وأي تحالف سيبقى رهينة للمصالح المتغيرة. وهذا هو المعنى العميق لفكرة كلودور عن الحروب الجديدة: فالصراع ليس مجرد وسيلة لتحقيق أهداف سياسية، بل قد يتحول إلى نظام اقتصادي واجتماعي تتشكل حوله مصالح تستفيد من استمراره.
ويتطلب بناء الاستقرار الانتقال من سياسة استقطاب الجماعات المسلحة إلى سياسة دمجها في مشروع وطني جامع، عبر إصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية، وضمان خضوع جميع القوات لقواعد قانونية موحدة ورقابة مدنية فعالة، ومنع التمييز في توزيع الموارد والخدمات. كما يقتضي الأمر معالجة ملفات المواطنة والجنسية والتمثيل السياسي، ولا سيما بالنسبة إلى التبو والطوارق الذين عانوا تاريخيًا من التهميش، وضمان عدم استخدام المؤسسات الأمنية لتصفية الحسابات بين الجماعات.
ويجب أن تترافق هذه الإجراءات مع توفير بدائل اقتصادية حقيقية للسكان، وتطوير الخدمات العامة، وتنظيم التجارة العابرة للحدود، وإيجاد فرص عمل تتيح للشباب الانخراط في الاقتصاد المنتج بدلًا من الارتهان لشبكات التهريب أو التجنيد المسلح. كما أن حماية حقوق الإنسان والتحقيق في الانتهاكات ومساءلة المسؤولين عنها تمثل عناصر ضرورية لاستعادة الثقة بين المجتمعات المحلية والمؤسسات العامة. فالمصالحة التي تتجاهل حقوق الضحايا لا تنهي أسباب الخصومة، والتسوية التي تمنح قادة السلاح امتيازات جديدة دون ضمانات قانونية قد تؤجل الانفجار، لكنها لا تمنع تكراره.
إن مستقبل الجنوب الليبي لا يتوقف على قدرة خليفة حفتر أو غيره على توسيع نفوذهم، بل على طبيعة النظام الذي سينشأ من هذه التحولات. فإذا اقتصر التوسع العسكري على إعادة توزيع مناطق النفوذ بين الجماعات المسلحة، المدعومة بتمويل خارجي وأدوات عنف، فإن جذور الأزمة ستظل قائمة، حتى لو تراجعت المواجهات لفترات محدودة. أما إذا أفضى هذا المسار إلى بناء مؤسسات عامة خاضعة للقانون وقادرة على حماية جميع السكان دون تمييز، فقد يشكل نقطة انطلاق حقيقية نحو الاستقرار.
وفي نهاية المطاف، فإن فزان ليست مجرد رقعة صحراوية تتنافس القوى المحلية والإقليمية على السيطرة عليها، بل هي موطن لمجتمعات عاشت طويلًا على طرق التجارة والتواصل بين شمال أفريقيا ووسطها، ولها من الإمكانات الطبيعية والبشرية ما يؤهلها لأن تكون جسرًا للتكامل الإقليمي بدلًا من أن تتحول إلى ساحة للصراعات بالوكالة. غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع يتطلب رؤية تتجاوز الحسابات العسكرية الآنية، وتعترف بأن أمن الحدود لا ينفصل عن أمن السكان، وأن التنمية لا يمكن أن تزدهر في ظل اقتصاد حرب وأن استقرار الإقليم لا يتحقق بإخضاع مكون اجتماعي لمصلحة مكون آخر.
فالمعضلة الاستراتيجية في الجنوب الليبي ليست في تعدد القبائل، ولا في اتساع الصحراء، ولا في تعقيد الحدود وحده، بل في غياب الدولة القادرة على تحويل هذه العناصر من مصادر للتنافس والصراع إلى ركائز للأمن والتنمية والتكامل الإقليمي. وفي رأيي، فإن الاختبار الحقيقي لأي مشروع سياسي أو عسكري في فزان لن يكون في مقدار ما يسيطر عليه من أرض، ولا في عدد التحالفات التي يستطيع عقدها، وإنما في قدرته على جعل الإنسان الليبي، أينما كان انتماؤه، يشعر بأن له مكانًا آمنًا في وطنه، وأن حقوقه لا تحتاج إلى حماية السلاح وأن مستقبله لا ينبغي أن يظل رهينة لصراعات لا تنتهي بين أصحاب النفوذ. فحين يصبح أمن الإنسان وكرامته نقطة البداية في التفكير الاستراتيجي، يمكن للجنوب الليبي أن ينتقل من كونه ساحة لتقاطع المصالح الخارجية إلى فضاء لبناء الدولة والسلام والتنمية.

د. إسماعيل الناير عثمان
مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتجية

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | السودان.. أمن ما بعد الصدمة .. د. إبراهيم شقلاوي

المقالة التالية

عودة المحكمة الدستورية في السودان.. خطوة نحو دولة سودانية عادلة .. د. نجلاء حسين المكابرابي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *