Popular Now

سلسلة مقالات استراتيجية .. جيب كفيا كنجي وحفرة النحاس .. جغرافيا الفراغ وزوابع الأهواء (2) .. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

السودان وروسيا: من معركة الميدان إلى الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية.. البرهان يعرض منطقة حرة لموسكو على البحر الأحمر .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود.. باحث مختص في الشأن الأفريقي

وجه الحقيقة | المسيّرات.. حسابات الأمن والسياسة .. د. إبراهيم شقلاوي

سلسلة مقالات استراتيجية .. جيب كفيا كنجي وحفرة النحاس .. جغرافيا الفراغ وزوابع الأهواء (2) .. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

لا يمكن فهم منطق الصراع وأدواته في جيب كفيا كنجي وحفرة النحاس، أو تفسير التحولات الجيوسياسية التي يشهدها هذا المجال الحدودي من خلال اختزالها في نزعات قبلية عابرة أو تنافس تقليدي على الموارد ومناطق النفوذ. كما لا يمكن استيعاب ديناميات التحول العميقة فيه بالاستناد إلى مقاربات رومانسية تفترض أن التعايش التاريخي بين الجماعات السكانية كفيل وحده باحتواء التوترات وإنتاج الاستقرار. فالمسألة، في تقديري، تتجاوز حدود التنافس الاجتماعي إلى بنية استراتيجية مركبة تشكلت عبر قرون من التداخل السكاني، وتجارة الرقيق، وسياسات الفصل الاستعماري، والحروب، والتهجير القسري وإعادة رسم الحدود السياسية. والنتيجة ليست مجتمعاً متجانساً، ولا مجالاً تهيمن عليه مجموعة واحدة، وإنما فسيفساء بشرية تتقاطع فيها المصالح والهويات وذاكرة المظالم، دون أن تمتلك أي مجموعة بمفردها من المقومات ما يكفي لفرض هيمنة مستقرة على المجال بأكمله.
إن هذه المقاربة تستدعي، بحسبان الجغرافيا السياسية ليست مجرد وصف للمكان، بل تحليلاً للعلاقة بين الأرض، والسكان، والسلطة والموارد، قراءة الجيب باعتباره مجالاً تتنافس فيه قوى محلية وإقليمية على إنتاج النفوذ وإعادة تشكيل قواعد السيطرة. وفي رأيي، فإن خطورة كفيا كنجي وحفرة النحاس لا تنبع فقط من موقعهما الحدودي، وإنما من اجتماعهما في بيئة تتراجع فيها قدرة الدولة على ضبط المجال، بينما تتقدم الشبكات القبلية والمسلحة والاقتصادية لتملأ الفراغ. وهذا تحديداً ما يجعل المنطقة جديرة بالتحليل الاستراتيجي، لا بوصفها هامشاً جغرافياً بعيداً عن مراكز القرار، وإنما باعتبارها إحدى النقاط التي قد تتقاطع عندها حسابات الحرب السودانية مع تحولات الأمن في جمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان وإقليم دارفور فى السودان .
يُعد الفيرتيت من أبرز المكونات السكانية الأصلية في هذا المجال، وهو اسم جامع لمجموعات متعددة، من بينها البينغا، والكريش، والكارا أو الغولا واليولو، والبلاندا والفيروغي وغيرها. وهذه الجماعات ليست كتلة إثنية متجانسة، بل تتباين في لغاتها وتقاليدها وامتداداتها الاجتماعية، وتنتمي لغاتها إلى عائلات لغوية مختلفة، من بينها النيلية الصحراوية والنيجرية الكونغولية. وقد ارتبطت أنماط معاشها تاريخياً بالزراعة والصيد واستثمار الموارد الطبيعية في البيئات الغابية وشبه الغابية. ولا يصح ،في هذا السياق، اختزال هذه المجموعات في أصول إثنية واحدة أو إلحاقها آلياً بهويات سكانية مجاورة؛ فلكل منها تاريخها الخاص، وإن تداخلت مساراتها مع جماعات أخرى عبر الهجرة والتجارة والتجاور.
لقد تعرضت مجموعات من هذه المنطقة، خلال مراحل تاريخية مختلفة، لغارات استهدفت استرقاق السكان وتجارة البشر، سواء في سياق التوسعات التي عرفتها سلطنة دارفور أو خلال الحكم التركي المصري، ثم واجهت لاحقاً آثار السياسات الاستعمارية التي أعادت تنظيم العلاقة بين السكان والأرض والسلطة. وفي ظل هذه التحولات، وفرت الغابات والتلال والمناطق الوعرة ملاذات طبيعية ساعدت على حماية المجتمعات المحلية والمحافظة على قدر من استقلالها. ومن ثم، فإن التشتت السكاني لا يمكن تفسيره باعتباره مجرد سمة ثقافية أو نتيجة تلقائية للبيئة؛ فقد كان، في بعض مراحله، استجابة اضطرارية لمخاطر العنف والاسترقاق والإخضاع السياسي. وغني عن البيان أن المجتمعات التي راكمت خبرة طويلة في مواجهة التهديدات قد تطور أنماطاً خاصة في تنظيمها الاجتماعي، وفي علاقتها بالسلطة المركزية، وفي إدارة مواردها ومساحات حركتها.
وعلى الجانب الآخر، توجد مجموعات البقارة العربية، وفي مقدمتها الهبانية والرزيقات، التي ارتبط حضورها في أجزاء من هذا المجال بحركة الرعي الموسمية، والتبادل التجاري والامتدادات الاجتماعية العابرة للحدود. غير أن التحولات الاقتصادية والأمنية المتعاقبة أسهمت في تغيير طبيعة هذا الحضور، بحيث أصبحت بعض الشبكات المرتبطة بهذه المجموعات أكثر انخراطاً في الاقتصاد الحدودي وفي أنماط التعبئة المسلحة. فالهبانية، على سبيل المثال، ترتبط مناطق وجودها بامتدادات تمتد من برام جنوباً باتجاه المناطق الحدودية، بينما تمثل الرزيقات أحد المكونات الاجتماعية التي استندت إليها عمليات التجنيد في قوات الدعم السريع، دون أن يعني ذلك أن جميع أبناء هذه الجماعات يتبنون موقفاً سياسياً أو عسكرياً واحداً.
وتشير روايات محلية وتقارير ميدانية إلى حضور مجموعات عربية أخرى، منها السلامات وبني هلبة والتعايشة، إلى جانب جماعات تنتمي إلى المجال الاجتماعي الأوسع لدارفور، فضلاً عن امتدادات إثنية عبر الحدود تشمل مجموعات في جمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان. ويقتضي التحليل الدقيق التمييز بين الوجود السكاني المستقر، والحركة الموسمية للرعاة، وشبكات التجارة، والتحركات المرتبطة بالنزاع المسلح؛ إذ لا يجوز اعتبار هذه الأنماط المختلفة دليلاً تلقائياً على استقرار جماعة بعينها أو خضوعها لسلطة سياسية محددة.
والنتيجة أن جيب كفيا كنجي وحفرة النحاس أصبحا ملتقى لمجموعات بشرية متعددة، تتجاوز امتداداتها الحدود الإدارية للدول القائمة. وفي تقديري، فإن هذه الحقيقة تفرض إعادة النظر في التصورات التي تتعامل مع الجيب بوصفه وطناً مغلقاً لجماعة واحدة، أو منطقة يمكن إخضاعها لنظام سياسي مستقر من خلال التحالف مع مكون اجتماعي بعينه. فالجغرافيا البشرية هنا أكثر تعقيداً من أن تستوعبها معادلة الهيمنة الأحادية، وأكثر حساسية من أن تحتمل إعادة هندستها بالقوة.
ويكتسب هذا التعقيد بعداً إضافياً عند استحضار السياسات الاستعمارية البريطانية، ولا سيما نظام المناطق المقفولة الذي ترسخ في السودان خلال النصف الأول من القرن العشرين، بهدف تنظيم حركة السكان والاتصال بين المناطق الشمالية والجنوبية وفق اعتبارات إدارية وأمنية. وقد أسهمت هذه السياسات في تكريس الفصل بين مجتمعات متداخلة، وإعادة تعريف المجال الحدودي باعتباره خطاً فاصلاً بين وحدات سياسية وثقافية متمايزة.
وفي هذا الإطار، تورد الروايات التاريخية والمحلية تفاصيل عن تدمير كفيا كنجي القديمة وحرق منازل سكانها وتهجير أعداد كبيرة منهم إلى مناطق أخرى، من بينها ضفاف نهر أم بلاشا، في سياق الإجراءات التي أعادت تشكيل المجال السكاني والحدودي. وتحتاج التفاصيل المتعلقة بحجم التهجير وتوقيته وأسبابه المباشرة إلى توثيق أرشيفي مستقل، لكن الدلالة الاستراتيجية الأوسع تظل جديرة بالاعتبار، فإعادة تنظيم السكان والمجال لم تكن مجرد إجراء إداري محايد، بل تركت آثاراً بعيدة المدى في الذاكرة المحلية وفي علاقة المجتمعات بالأرض والسلطة.
لقد أسهمت هذه السياسات، إلى جانب الحروب والتحولات اللاحقة، في تحويل منطقة ذات تداخل اجتماعي واسع إلى مجال تتقاطع فيه الحدود السياسية مع تصورات متباينة للانتماء والملكية والحق التاريخي. وهنا تبرز أهمية مقاربة الجغرافي الألماني كارل هاوسهوفر، الذي ربط في كتاباته بين المجال الجغرافي ومتطلبات القوة السياسية، مع ضرورة التعامل النقدي مع إرثه المرتبط بالتوسع الجيوسياسي. فالمغزى الذي يمكن الإفادة منه هنا ليس تبرير التوسع أو الهيمنة، وإنما إدراك أن إعادة تنظيم المجال تترك آثاراً استراتيجية تتجاوز اللحظة التي تُتخذ فيها القرارات. فالحدود التي تُرسم بالقوة قد تتحول إلى مصادر تنازع طويل الأمد عندما لا تتطابق مع أنماط الاستقرار السكاني والتفاعل الاجتماعي.
كما أن الاهتمام الذي أولاه ألفريد ماهان للطرق البحرية وممرات الاتصال ومصادر القوة اللوجستية يتيح استخلاص درس أوسع، يتمثل في أن قيمة الموقع لا تُقاس بمساحته وحدها، بل بما يتيحه من حركة واتصال وتأثير في المجالات المحيطة. وبالقياس على ذلك، تكتسب كفيا كنجي وحفرة النحاس أهمية تتجاوز حجمهما السكاني، لأنهما يقعان ضمن شبكة من المسارات الحدودية التي قد تكتسب قيمة إضافية في ظروف الحرب، سواء لنقل الأشخاص أو السلع أو الموارد أو الإمدادات.
ومن هنا، فإن التفتت الإثني ليس مجرد تفصيل سوسيولوجي، بل أحد العوامل التي تحدد طبيعة السلطة الممكنة في المنطقة. فلا تستطيع مجموعة واحدة، في ظل التكوين السكاني القائم، الادعاء بأنها تمثل جميع السكان، ولا يكفي النفوذ العسكري لأي قوة لإنتاج شرعية سياسية مستدامة. كما أن وجود جماعات مرتبطة اجتماعياً بجنوب السودان أو جمهورية أفريقيا الوسطى لا يعني بالضرورة أنها تعمل وفق أجندة خارجية، وإنما يفرض الانتباه إلى الطبيعة العابرة للحدود للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية.
وبحسبان أن الشرعية السياسية تقوم على التمثيل والمشاركة والقبول الاجتماعي، فإن أي تسوية مستقبلية تتجاهل هذا التنوع ستكون عرضة للاهتزاز. والاستفتاء، أو التسوية القومية، أو الاتفاق بين القيادات المسلحة، لن يضمن وحده حلاً مستداماً ما لم يُحسم السؤال الجوهري: من يمثل السكان، وعلى أي أساس، وبأي ضمانات؟ إن غياب الإجابة الواضحة عن هذه الأسئلة يفتح المجال أمام القوى المسلحة، والوسطاء المحليين والشبكات الاقتصادية لتولي وظائف كانت من اختصاص الدولة، بما في ذلك تسوية النزاعات وتنظيم الحركة وتوزيع الموارد وفرض قواعد الأمن.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الاجتماع الذي عُقد في كفيا كنجي في سبتمبر 2025، بمشاركة ممثلين عن 41 قبيلة واستمر تسعة أيام، وفق المعلومات المتداولة بشأنه، باعتباره مؤشراً على أهمية الوساطة القبلية في إدارة النزاعات المحلية. وقد أُشير إلى أن المشاركين اتفقوا على معالجة الخلافات عبر آليات العرف، وسط دعوات إلى نبذ الانقسام والتمييز، وبحضور قيادات من قوات الدعم السريع.
ومع ذلك، فإن قراءة هذا الحدث تتطلب تجاوز دلالته المعلنة إلى تحليل سياقه السياسي. فقد تعكس الاجتماعات القبلية حاجة حقيقية إلى وقف النزاعات وحماية المصالح المشتركة، لكنها قد تتحول أيضاً إلى أدوات لإعادة توزيع النفوذ، بحسب الجهة التي ترعاها والضمانات التي تحكم مخرجاتها. وفي تقديري، تكمن المسألة الأساسية في التمييز بين الوساطة التي تعزز استقلال المجتمعات المحلية، والوساطة التي تجعلها أكثر اعتماداً على القوة المسلحة التي تتولى رعاية الاتفاقات أو ضمان تنفيذها.
وهنا تبرز فائدة المقاربة التي طورها عدد من مفكري الاستراتيجية المعاصرين، ومنهم كولين غراي، في التأكيد على أن القوة لا تعمل في فراغ، بل تتفاعل مع التاريخ والجغرافيا والسياسة والشرعية. كما أن أفكار جون ياغر في التخطيط الاستراتيجي القائم على تحديد البيئة والغايات والوسائل تساعد على فهم أن السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة امتلاك القدرة على إدارتها، وأن النجاح العملياتي قد يتحول إلى عبء سياسي إذا لم تُدعمه ترتيبات حكم مقبولة محلياً.
ومن هذه الزاوية، فإن قوات الدعم السريع لا تحتاج، لكي توسع نفوذها في مثل هذا المجال، إلى قاعدة إثنية واحدة بالضرورة؛ إذ قد تستفيد من تعدد المكونات ومن التنافس على الموارد ومن الحاجة إلى وسطاء قادرين على تسوية النزاعات. لكن ذلك لا يثبت وحده وجود خطة متعمدة لإدامة الانقسام، بل يوضح آلية محتملة يمكن للقوى المسلحة من خلالها تحويل التفتت الاجتماعي إلى فرصة للنفوذ. فالسيطرة الأكثر فاعلية قد لا تقوم على دمج المكونات في مشروع سياسي مشترك، وإنما على بناء علاقات متفاوتة معها، تتيح للقوة المسلحة الاحتفاظ بدور الحكم والوسيط والضامن.
وفي رأيي، فإن هذا النمط من النفوذ يستحق المقارنة مع تحليلات الجغرافيا السياسية التي قدمها ديفيد هارفي بشأن العلاقة بين المكان وتراكم القوة ورأس المال، ومع بعض تصورات ألكسندر دوغين عن أهمية المجال الجغرافي في تشكيل التنافس بين القوى. غير أن الإفادة من هذه المقاربات ينبغي أن تكون تحليلية ونقدية، لا تبنياً لمقولاتها السياسية؛ إذ إن واقع كفيا كنجي لا يمكن اختزاله في صراع حتمي بين كتل جيوسياسية كبرى، بل يتشكل من تفاعل مصالح محلية، وحسابات عسكرية، وشبكات اقتصادية وظروف إقليمية متغيرة.
كما أن الإشارة إلى مفكرين مثل هرتزل تقتضي التمييز بين السياقات التاريخية المختلفة؛ فمشروعاته القومية نشأت في ظروف مغايرة تماماً، ولا تصلح للمقارنة المباشرة مع تعقيدات المجتمعات الحدودية في السودان. ومع ذلك، يمكن استحضار التجارب التاريخية للمشروعات التي ربطت الأرض بالهوية السياسية لتأكيد حقيقة عامة: أن تحويل المجال الجغرافي إلى أساس لمشروع سياسي حصري، دون مراعاة حقوق السكان وتنوعهم، قد يخلق تناقضات يصعب احتواؤها لاحقاً.
أما كابيلان، في قراءاته للعلاقة بين الجغرافيا والسياسة الخارجية، فيلفت الانتباه إلى أن البيئات الجغرافية الصعبة والحدود المفتوحة تؤثر في حسابات الدول وفي قدرتها على ضبط محيطها. وتزداد أهمية هذا المنظور في منطقة تتداخل فيها الغابات والطرق الترابية ومناطق الرعي والموارد الطبيعية مع ضعف الخدمات والمؤسسات. فالجغرافيا هنا لا تحدد النتائج بصورة آلية، لكنها ترفع تكلفة الحكم وتزيد أهمية شبكات الاتصال المحلية، وتجعل أي فراغ أمني قابلاً للاستثمار من جانب قوى تسعى إلى توسيع نفوذها.
وإذا اتسعت الحرب جنوباً، فمن المرجح أن تتزايد محاولات توظيف الهويات الإثنية في التعبئة السياسية والعسكرية، لكن ذلك لا يعني أن المنطقة تتجه حتماً إلى حرب عرقية شاملة. والأرجح، بحسب المعطيات المتاحة، أن تتخذ المواجهات أشكالاً موضعية ومتقطعة، تتداخل فيها المنافسة على الأرض وممرات الرعي والموارد المعدنية مع التحالفات القبلية وحسابات الجماعات المسلحة. وقد تتغير طبيعة هذه المواجهات تبعاً لموازين القوة، وتدفق السلاح، واتساع شبكات التجنيد، ومدى قدرة المؤسسات المحلية على احتواء النزاعات قبل تحولها إلى صدامات مسلحة.
ويظل السيناريو الأخطر هو أن تتحول حماية الممرات أو تأمين الموارد إلى مبرر لتهجير السكان أو إقصائهم من مناطقهم، وهي مخاطر تفرضها تجارب النزاع السوداني، ولا سيما ما شهدته أجزاء من دارفور من انتهاكات وعمليات نزوح واسعة. غير أن تقييم أي واقعة محددة في كفيا كنجي أو حفرة النحاس يستلزم أدلة مستقلة ومعلومات ميدانية موثوقة، حتى لا تتحول القراءة الاستراتيجية نفسها إلى أداة لإعادة إنتاج الاتهامات غير المحققة أو تعميق الانقسام.
كما أعتقد أن حماية المدنيين لا ينبغي أن تُعامل بوصفها التزاماً إنسانياً منفصلاً عن الحسابات الاستراتيجية، بل باعتبارها شرطاً لتقليص فرص التجنيد القسري، ومنع الانتقام الجماعي، والحفاظ على الحد الأدنى من الثقة بين المجتمعات المحلية. فكلما اتسعت دائرة التهجير والمظالم، أصبح بناء تسوية سياسية أكثر صعوبة، وازدادت قدرة الجماعات المسلحة على استثمار الخوف وانعدام الأمن في توسيع نفوذها.
إن مستقبل جيب كفيا كنجي وحفرة النحاس لن تحدده الجغرافيا وحدها، ولن تحسمه القوة العسكرية بمفردها، بل ستحدده طبيعة العلاقة التي ستنشأ بين السكان والأرض والموارد والسلطة. وفي تقديري، فإن أي مقاربة جادة ينبغي أن تبدأ بالاعتراف بالتنوع السكاني، وتوثيق الحقوق التاريخية، وضمان حرية الحركة والتجارة والرعي وإشراك المجتمعات المحلية في إدارة شؤونها، مع إخضاع الموارد الطبيعية لترتيبات قانونية شفافة تمنع احتكارها بالقوة.
إن التحدي الحقيقي لا يتمثل في ملء الفراغ الجغرافي بقوة مسلحة جديدة، وإنما في إنهاء الشروط التي جعلت الفراغ ممكناً أصلاً. فالدولة التي لا تحضر عبر العدالة والخدمات والمؤسسات ستظل مهددة بأن تحل محلها سلطات موازية، والدولة التي تتعامل مع التنوع باعتباره تهديداً ستدفع المجتمعات إلى البحث عن ضماناتها خارج مؤسساتها. أما الدولة التي تحول الحدود من خطوط للتنافس إلى جسور للتعاون، فيمكنها أن تجعل من هذا المجال نقطة اتصال إقليمي بدلاً من أن يبقى مسرحاً لتنازع المصالح.
وهكذا، فإن جغرافيا الفراغ في كفيا كنجي وحفرة النحاس ليست قدراً محتوماً، وإنما نتيجة تاريخية قابلة للتغيير. وزوابع الأهواء التي تحيط بهذا المجال ليست مجرد انعكاس للخلافات القبلية، بل تعبير عن تنافس أوسع على السلطة والموارد وحق تحديد المستقبل. وما لم تُفهم هذه الحقيقة، فإن كل تسوية تتجاوز جذور الأزمة ستظل هدنة مؤقتة، وكل انتصار عسكري سيبقى عرضة للتحول إلى جولة جديدة من الصراع. أما المقاربة الاستراتيجية الرصينة، فتقتضي إدراك أن استقرار هذا الجيب يبدأ من الإنسان الذي يعيش لهويته في حروب الآخرين.

د. إسماعيل الناير عثمان
مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتيجية

المقالة السابقة

السودان وروسيا: من معركة الميدان إلى الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية.. البرهان يعرض منطقة حرة لموسكو على البحر الأحمر .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود.. باحث مختص في الشأن الأفريقي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *