Popular Now

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6374 | الانتخابات الأمريكية تقدم أهم الدروس: المعيشة هي أولوية المواطنين حيثما كانوا

السودان بين تطورات الميدان وتحولات المواقف الإقليمية والدولية: الانتخابات الأمريكية ومستقبل مبادرات السلام وتحركات مسعد بولس .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود

هل المعركة على الأرض وحدها؟! .. زهير عبدالله مساعد

السودان بين تطورات الميدان وتحولات المواقف الإقليمية والدولية: الانتخابات الأمريكية ومستقبل مبادرات السلام وتحركات مسعد بولس .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود

لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، بل أصبحت ساحة تتداخل فيها الحسابات الإقليمية والدولية، وتتقاطع فيها المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية، إلى جانب المعركة الإعلامية والدبلوماسية التي باتت تؤثر بصورة متزايدة في مسارات الحرب والتفاوض.

وتأتي تطورات يومي 4 و5 نوفمبر 2026 في ظل متغيرات مهمة، أبرزها تولي السودان منصب الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية للمرة الثالثة في تاريخ الجامعة، والتطورات المتعلقة بالترتيبات الأمنية لقوات مالك عقار، وما أثير بشأن شبكات الإعلام والحرب النفسية المساندة للدعم السريع، فضلاً عن التحولات المحتملة في السياسة الأمريكية عقب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، ومستقبل المبادرات الأمريكية والغربية وتحركات مسعد بولس.

وتطرح هذه التطورات سؤالاً أساسياً: هل بدأت مواقف بعض القوى الإقليمية والدولية تتغير تجاه الأزمة السودانية، وهل يمكن أن تؤدي نتائج الانتخابات الأمريكية إلى إضعاف قدرة إدارة ترامب على فرض رؤيتها للحل في السودان؟

أولاً: تطورات العمليات العسكرية والميدانية

تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة

استمرت الهجمات بالطائرات المسيّرة على عدد من المواقع العسكرية والمنشآت الحيوية، حيث تعرضت مدينة الدمازين بولاية النيل الأزرق لهجمات مكثفة خلال ليلتي 3 و4 نوفمبر، استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت مدنية، وسط إعلان مصادر عسكرية اعتراض موجات من المسيّرات بواسطة الدفاعات الجوية. وتزامن ذلك مع إعادة انتشار للقوات في منطقة السالي عقب مواجهات ميدانية.

وتأتي هذه التطورات في سياق توسيع استخدام الطائرات المسيّرة في الحرب، وتحولها إلى أداة مؤثرة في استهداف المدن والمنشآت الحيوية، وليس فقط المواقع العسكرية.

استمرار المعارك في كردفان

شهدت مناطق شمال وغرب كردفان تجدد المواجهات بين الجيش والقوات المتحالفة معه من جهة، وقوات الدعم السريع من جهة أخرى. وأفادت تقارير ميدانية بحدوث تحركات للجيش باتجاه الخوي والنهود، بعد السيطرة على أم مراحيك ومناطق مجاورة، وفقاً لمصادر عسكرية نقلت عنها صحيفة سودان تريبيون.

وفي المقابل، تحدثت تقارير حقوقية عن سقوط ضحايا مدنيين نتيجة قصف منطقة أم بادر ومصدر للمياه في شمال كردفان، مع الإبلاغ عن مقتل امرأتين وإصابة عشرة أشخاص، وتدمير أجزاء من محطة مياه الكَبْجَرك.

استمرار الانتهاكات في دارفور

أفادت شبكة أطباء السودان باحتجاز قوات الدعم السريع 135 من الكوادر المهنية والأكاديمية في مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور، بينهم 47 من العاملين في القطاع الطبي و88 من المعلمين وأساتذة الجامعات، مطالبة بالسماح للمنظمات الإنسانية بزيارة المحتجزين والكشف عن أوضاعهم.

ويمثل احتجاز الكوادر الطبية والتعليمية تحدياً إضافياً أمام ما تبقى من الخدمات الأساسية في دارفور، ويزيد من تعقيدات الوضع الإنساني والاجتماعي في المناطق المتأثرة بالحرب.

استمرار الحرب الاقتصادية واستهداف الكهرباء

تتواصل الهجمات على محطات الكهرباء والتحويلات، في وقت تواجه فيه المنظومة الكهربائية السودانية تراجعاً كبيراً في قدرتها الإنتاجية والتشغيلية. وقد أشار تقرير لوكالة أسوشيتد برس إلى أن الهجمات الأخيرة طالت نحو 15 محطة تحويل منذ بداية أكتوبر، وأثرت في إمدادات المياه والمستشفيات والمخابز والقطاع الزراعي.

وتزداد خطورة هذه الهجمات في المدن التي تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين، خصوصاً القادمين من الفاشر ومناطق دارفور، حيث يؤدي انقطاع الكهرباء إلى تعطيل الخدمات الصحية والمياه والاحتياجات اليومية للسكان.

الترتيبات الأمنية لقوات مالك عقار

كشف نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار أن الترتيبات الأمنية الخاصة بقوات الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، التي يقودها، مع القوات المسلحة وصلت إلى مراحلها النهائية.

وجاء ذلك عقب اجتماع مع رئيس هيئة الأركان الفريق أول ياسر العطا، تناول أيضاً تطورات العمليات العسكرية ومسار المواجهات.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية في سياق إعادة تنظيم القوات المتحالفة مع الجيش، وتوحيد القيادة والتنسيق العسكري، بما يتيح الانتقال من حالة التحالفات الميدانية إلى ترتيبات أمنية أكثر استقراراً في إطار مؤسسات الدولة.

ثانياً: التحركات السياسية والدبلوماسية السودانية

السودان يتولى منصب الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية

في تطور دبلوماسي مهم، أدى السفير بدر الدين علي الجعيفري، في 4 نوفمبر 2026، القسم أمام الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي، بمناسبة توليه منصب الأمين العام المساعد للجامعة ومدير الصندوق العربي للمعونة الإفريقية.

ويُعد الجعيفري ثالث دبلوماسي سوداني يتولى هذا المنصب منذ تأسيس الجامعة العربية.

وتحمل هذه الخطوة دلالات تتجاوز التعيين الإداري، فهي تعكس استمرار حضور السودان في مؤسسات العمل العربي المشترك، وتتيح له مساحة إضافية لتعزيز علاقاته العربية والإفريقية، في وقت يحتاج فيه إلى توسيع تحركاته الدبلوماسية وحشد الدعم لمواقفه بشأن الحرب ووحدة الدولة ومؤسساتها.

تحرك جديد للأمانة العامة للجامعة العربية

بالتزامن مع ذلك، عيّن الأمين العام للجامعة العربية السفير زيد الصبان مبعوثاً شخصياً له للشؤون السودانية، بهدف تكثيف الاتصالات مع الأطراف السودانية وتقريب وجهات النظر، والعمل على تهيئة الظروف لحوار وطني شامل بقيادة وملكية سودانية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها تعكس توجهاً نحو تنشيط الدور العربي في ملف السودان، وعدم ترك مسار التسوية السياسية محصوراً في المبادرات الغربية أو الرباعية الدولية.

زيارة البرهان إلى قطر

وصل رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى الدوحة يوم 5 نوفمبر في زيارة عمل، وكان في استقباله وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية محمد بن عبد العزيز الخليفي.

ومن المنتظر أن تتناول الزيارة العلاقات الثنائية، وتطورات الحرب في السودان، والقضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

وتأتي الزيارة في إطار التحركات السودانية الرامية إلى توسيع دائرة التشاور مع الدول العربية، والاستفادة من العلاقات القطرية في دعم الجهود السياسية والإنسانية المتعلقة بالأزمة السودانية.

استمرار التوتر السوداني الإثيوبي

تواصلت تداعيات أزمة القنصلية السودانية في أصوصا، حيث أعلنت الخرطوم إغلاق القنصلية الإثيوبية في القضارف، في خطوة مقابلة للقرار الإثيوبي بإغلاق القنصلية السودانية وطرد ستة دبلوماسيين من أصوصا.

ويأتي هذا التصعيد على خلفية الاتهامات السودانية لإثيوبيا بالسماح باستخدام أراضيها في إطلاق مسيّرات تابعة للدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أديس أبابا، كما تنفي الإمارات تقديم الدعم العسكري للدعم السريع.

ويضع هذا التطور العلاقات بين البلدين أمام مرحلة أكثر تعقيداً، مع ضرورة عدم تحول الخلاف الدبلوماسي إلى مواجهة حدودية مفتوحة.

ثالثاً: الحرب الإعلامية وشبكات التأثير الخارجي

تقرير وكالة الأناضول بشأن المنصات الإعلامية

أثار التقرير الذي نشرته وكالة الأناضول التركية في 4 نوفمبر اهتماماً واسعاً، بعد حديثه عن وجود 68 منصة إعلامية تعمل في إنتاج المحتوى والتأثير الإعلامي المرتبط بالحرب السودانية، مستهدفاً بصورة خاصة معنويات الجيش السوداني والرأي العام.

ووفقاً لما نقلته وسائل إعلام سودانية عن التقرير، فإن هذه المنصات تعمل من مواقع مختلفة، بينها الولايات المتحدة، مع الإشارة إلى وجود نشاط إعلامي في ولاية بنسلفانيا، وتمويل خارجي تتهم المصادر الإمارات بتوفيره.

كما أشار التقرير إلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وإعادة تدوير المقاطع المصورة والمواد القديمة، لإنتاج محتوى متجدد يتناسب مع تطورات العمليات العسكرية.

وتضمن التقرير اتهامات بشأن شبكات التنسيق والتمويل والإشراف الخارجي، وهي معلومات ينبغي التعامل معها باعتبارها نتائج منسوبة إلى التقرير، وليست حقائق قضائية أو تحقيقاً مستقلاً مكتملاً في جميع تفاصيلها.

الإعلام باعتباره جبهة موازية للحرب

تكشف هذه القضية عن أهمية الحرب الإعلامية في الصراعات الحديثة، حيث لم يعد التأثير مقتصراً على العمليات العسكرية، بل امتد إلى تشكيل الوعي العام، والتأثير في مواقف المجتمع الدولي، وإنتاج روايات سياسية وإعلامية يمكن توظيفها في الضغط الدبلوماسي.

وتبرز هنا مسؤولية المؤسسات السودانية في تطوير خطاب إعلامي مهني، يعتمد على المعلومات الموثقة، والتوثيق البصري للانتهاكات، والسرعة في الرد على الأخبار المضللة، وتقديم رواية متماسكة للرأي العام الدولي.

فغياب الحضور الإعلامي المنظم يترك فراغاً يمكن أن تستفيد منه أطراف أخرى في توجيه النقاش الدولي حول الحرب.

رابعاً: التحولات المصرية والغربية في التعامل مع الأزمة السودانية

تصريحات أماني الطويل ومراجعة سياسة الإقصاء

أثارت تصريحات الباحثة المصرية الدكتورة أماني الطويل، بشأن ضرورة إشراك الإسلاميين السودانيين في الحوار السياسي، نقاشاً حول التحولات المحتملة في المقاربة المصرية للأزمة السودانية.

فقد اعتبرت أن استبعاد الإسلاميين من الحوار لا يساعد على الوصول إلى توافق سياسي مستدام، وأن تجاوز الأزمة يتطلب حواراً مدنياً واسعاً يضم مختلف المكونات السياسية والاجتماعية السودانية.

وتكتسب هذه التصريحات أهميتها من أنها تأتي في سياق نقاش مصري متزايد حول جدوى الرهان على إقصاء مكونات سياسية سودانية ذات حضور اجتماعي وتنظيمي، ومدى تأثير ذلك في فرص التسوية.

لكن من الضروري التمييز بين تصريحات الباحثة وبين صدور تحول رسمي معلن في السياسة المصرية؛ فالمواقف التحليلية لمراكز الدراسات لا تعني بالضرورة أنها أصبحت سياسة حكومية معتمدة.

التحركات الفرنسية والبريطانية تجاه الإسلاميين السودانيين

من التطورات التي تستحق المتابعة ما أثير بشأن اتصالات فرنسية مع بعض الفصائل الإسلامية السودانية في القاهرة، وكذلك تقارير عن لقاءات سابقة لممثلين بريطانيين مع شخصيات من حزب المؤتمر الوطني.

وإذا تأكدت هذه الاتصالات بصورتها المتداولة، فإنها تعكس مراجعة غربية محتملة لسياسة التعامل مع الأزمة السودانية، وإدراكاً بأن الوصول إلى تسوية سياسية لا يمكن أن يعتمد على استبعاد مكونات سياسية واجتماعية مؤثرة.

كما تطرح هذه التحركات سؤالاً حول ما إذا كانت بعض العواصم الغربية بدأت تتجه نحو توسيع دائرة اتصالاتها مع القوى السودانية، بدلاً من حصر الحوار في مجموعات مدنية محددة.

ومع ذلك، لا تتوافر حتى الآن بيانات رسمية فرنسية أو بريطانية منشورة تؤكد تفاصيل تلك اللقاءات وأجندتها، ولذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها تقارير متداولة تحتاج إلى مزيد من التحقق.

مراجعة مقاربة الرباعية واستبعاد الإسلاميين

تواجه المبادرة الرباعية، التي تضم الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات، إشكالية تتعلق بمدى قدرتها على إنتاج تسوية مقبولة لدى مختلف القوى السودانية.

فإصرار بعض الأطراف على استبعاد الإسلاميين، أو التعامل مع مكونات سياسية بعينها باعتبارها خارج دائرة الحوار، يثير تساؤلات حول شمولية المبادرة ومدى واقعيتها.

كما أن التباين في مصالح الدول المشاركة في الرباعية يظل عاملاً مؤثراً في قدرتها على الوصول إلى موقف موحد من قضايا وقف الحرب، ومستقبل القوات المسلحة، وترتيبات الانتقال السياسي.

ومن هنا تبرز أهمية الحوار السوداني الشامل، الذي لا يخضع لحق النقض السياسي من أي طرف خارجي، ولا يحول التسوية إلى وسيلة لإعادة توزيع السلطة وفق موازين النفوذ الإقليمي.
خامساً: الانتخابات الأمريكية وتأثيرها على السودان

نتائج انتخابات التجديد النصفي

شهدت الولايات المتحدة في 3 نوفمبر 2026 انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وأسفرت النتائج عن فوز واسع للحزب الديمقراطي، واستعادته السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، في انتكاسة سياسية كبيرة للرئيس دونالد ترامب والحزب الجمهوري.

وأشارت نتائج رصدتها وكالة رويترز إلى تراجع الجمهوريين في نحو 99% من المقاطعات التي اكتمل فرز معظم أصواتها، مع مكاسب ديمقراطية واسعة في ولايات ومناطق كانت محسوبة تقليدياً على الجمهوريين.

وهذه النتيجة لا تعني نهاية إدارة ترامب، لكنها تعني تغيراً مهماً في البيئة السياسية الأمريكية خلال العامين الأخيرين من ولايته.

هل ستضعف نتائج الانتخابات قدرة ترامب على التأثير في الملف السوداني؟

الإجابة نعم، ولكن بصورة غير مباشرة وتدريجية.

فسيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس ستمنحهم أدوات أوسع لمراقبة الإدارة الأمريكية، واستدعاء المسؤولين، وفتح التحقيقات، ومراجعة الموازنات والاعتمادات المالية، وممارسة الضغط بشأن السياسة الخارجية.

ويمكن أن ينعكس ذلك على ملف السودان من خلال عدة مسارات:

• زيادة الرقابة على أداء الإدارة الأمريكية في التعامل مع الحرب السودانية.

• توسيع النقاش داخل الكونغرس بشأن الاتهامات المتعلقة بالدعم الخارجي لقوات الدعم السريع.

• الضغط باتجاه مراجعة العلاقات الأمريكية مع الدول المتهمة بالتدخل في الحرب.

• زيادة المطالبات بإجراءات أكثر وضوحاً بشأن حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

• الحد من قدرة الإدارة على تمرير تشريعاتها وبرامجها السياسية دون تفاوض مع المعارضة الديمقراطية.

لكن يجب الانتباه إلى أن السياسة الخارجية الأمريكية تظل من اختصاص السلطة التنفيذية بدرجة كبيرة، ويحتفظ الرئيس بصلاحياته الدستورية في إدارة الدبلوماسية والأمن القومي واستخدام الأوامر التنفيذية.

كما أن نتائج الانتخابات لا تدخل آثارها التشريعية الكاملة حيز التنفيذ إلا مع انعقاد الكونغرس الجديد في يناير 2027.

انعكاسات الهزيمة الجمهورية على مبادرات ترامب في السودان

قد تؤدي النتائج الانتخابية إلى إضعاف قدرة ترامب على تسويق مبادراته الخارجية باعتبارها إنجازات سياسية شخصية، كما ستزيد من حساسية إدارته تجاه الانتقادات الداخلية المتعلقة بالحروب والتدخلات الخارجية.

ومن المحتمل أن تتأثر المبادرة الأمريكية بشأن السودان بثلاثة عوامل:

• أولاً: انشغال البيت الأبيض بالاستحقاقات الداخلية، ومواجهة الكونغرس الديمقراطي، وإعادة ترتيب الأولويات السياسية والاقتصادية.

• ثانياً: زيادة الرقابة على التحركات الخارجية للإدارة، خصوصاً إذا ارتبطت المبادرات بتفاهمات مع دول تواجه اتهامات بشأن دعم أطراف الحرب.

• ثالثاً: احتمال سعي الإدارة إلى تحقيق تقدم في ملفات السلام الخارجية، ومن بينها السودان، لتقديم نتائج سياسية يمكن الدفاع عنها أمام الرأي العام الأمريكي.

ومع ذلك، لا يعني تراجع الجمهوريين أن الإدارة ستتخلى عن مبادرتها السودانية؛ فقد تلجأ إلى تكثيف الدبلوماسية المباشرة لتجنب تحول السودان إلى ملف إضافي للمواجهة الحزبية داخل واشنطن.

سادساً: مسعد بولس والمبادرة الأمريكية ومستقبل التحركات الغربية

تحركات مسعد بولس ومسار الرباعية

يظل مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، أحد أبرز الشخصيات الأمريكية المنخرطة في الملف السوداني.

وقد شارك في 23 سبتمبر 2026 في اجتماع تنسيقي رفيع المستوى بين الاتحاد الأفريقي والرباعية والخماسية، إلى جانب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف.

وأكد الاجتماع ضرورة تنسيق المسارات الإنسانية والسياسية والأمنية، والعمل على هدنة إنسانية ووقف الأعمال العدائية، وصولاً إلى حوار سياسي سوداني شامل، مع التأكيد على وحدة السودان وسيادته ورفض تقسيمه.

كما سبق لبولس عقد لقاءات مع وزيري خارجية السودان ومصر في نيويورك خلال سبتمبر، في إطار البحث عن مسار يؤدي إلى وقف الحرب وتحقيق سلام دائم.

وتقوم المقاربة الأمريكية المطروحة على هدنة إنسانية، ووقف إطلاق النار، ثم الانتقال إلى عملية سياسية مدنية.

هل تتغير حسابات مسعد بولس بعد الانتخابات؟

من المرجح أن تتأثر البيئة السياسية التي يعمل فيها بولس، لكن ليس بالضرورة أن يتغير دوره أو يتوقف مسار المبادرة.

فالانتخابات لا تسحب من الرئيس سلطته في تعيين مستشاريه أو توجيه السياسة الخارجية، كما أن ملف السودان يظل ضمن صلاحيات الإدارة التنفيذية.

لكن التغير الأهم يتمثل في أن أي مبادرة أمريكية جديدة ستواجه بيئة أكثر تعقيداً، تتطلب مراعاة مواقف الكونغرس الجديد، وتجنب الاتهامات بالانحياز إلى أطراف إقليمية معينة.

وهنا تبرز أهمية ثلاثة ملفات:

• مدى استعداد واشنطن للتعامل مع الاتهامات المتعلقة بالدعم الخارجي للدعم السريع بصورة أكثر جدية.

• مدى قبول الإدارة الأمريكية بتوسيع المشاركة السودانية في الحوار، وعدم اختزاله في أطراف مدنية محددة.

• مدى استعداد بولس لإعادة صياغة المبادرة بما يضمن وقف الحرب، وحماية مؤسسات الدولة، والتوصل إلى تسوية لا تفرض على السودان من الخارج.

الموقف الأوروبي والأمم المتحدة

تتحرك العواصم الأوروبية، خصوصاً فرنسا وبريطانيا وألمانيا، ضمن مسار تنسيقي مع الاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة والأمم المتحدة، يستهدف وقف الحرب ودعم حوار مدني سوداني شامل.

وقد أكد الاجتماع الوزاري الذي عقد في نيويورك في 30 سبتمبر 2026 ضرورة تنسيق المبادرات الدولية، ودعم وقف الأعمال العدائية، وتيسير المساعدات الإنسانية، والحفاظ على وحدة السودان، ودعم عملية سياسية يقودها السودانيون.

كما أشار اجتماع التنسيق الدولي اللاحق إلى ضرورة منع تدفق الأسلحة والمسيّرات والمرتزقة والتمويل الخارجي الذي يغذي الحرب.

وفي المقابل، فإن التحدي الأساسي أمام هذه التحركات يتمثل في الانتقال من التصريحات والبيانات الدبلوماسية إلى إجراءات عملية تضمن وقف الإمداد العسكري الخارجي، وحماية المدنيين، ومراقبة تنفيذ أي اتفاق لوقف إطلاق النار.

سابعاً: القراءة الاستراتيجية للتحولات الإقليمية والدولية

تراجع القدرة على فرض تسوية أحادية

تتقاطع نتائج الانتخابات الأمريكية مع مراجعات محتملة في المواقف المصرية والغربية، ومع تنامي الدور العربي في الملف السوداني. وقد تفتح هذه المتغيرات مجالاً لإعادة النظر في المبادرات التي تقوم على استبعاد بعض القوى السودانية أو فرض ترتيبات سياسية مسبقة.

لكن هذه التحولات لا تعني بالضرورة تراجعاً كاملاً عن أهداف الرباعية، وإنما قد تدفع بعض الأطراف إلى مراجعة أدواتها وأساليبها في التعامل مع الأزمة.

السودان بين تعدد المبادرات وتضارب المصالح

تتوزع جهود التسوية بين المبادرة الأمريكية والرباعية، والتحركات السعودية والمصرية والقطرية، والجامعة العربية، والاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، إلى جانب الاتصالات الأوروبية.

وتكمن المشكلة في أن تعدد المبادرات لا يعني بالضرورة تكاملها، خاصة مع اختلاف رؤى الدول بشأن مستقبل السلطة السياسية، ودور القوات المسلحة، وطبيعة مشاركة القوى المدنية، ومستقبل قوات الدعم السريع.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مرجعية تفاوضية واضحة، تضمن عدم تحويل السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

مستقبل الحرب في ضوء المتغيرات الجديدة

توضح التطورات العسكرية أن الحرب ما زالت مفتوحة على احتمالات متعددة، وأن استمرار الهجمات بالطائرات المسيّرة، وتعدد جبهات القتال، والتدخلات الخارجية، تجعل الوصول إلى وقف مستدام لإطلاق النار أمراً مرتبطاً بمعالجة جذور الصراع ومصادر استمراره.

وفي المقابل، فإن إعادة تنظيم القوات المتحالفة مع الجيش، والتطورات الدبلوماسية، واتساع النقاش الدولي حول الإمداد العسكري الخارجي، تمثل عناصر مهمة في إعادة تشكيل المشهد السوداني.

ثامناً: الخلاصة والتقدير السياسي

يمكن قراءة تطورات يومي 4 و5 نوفمبر 2026 باعتبارها مرحلة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات رئيسية:

• المسار العسكري: استمرار المواجهات في كردفان والنيل الأزرق ودارفور، وتصاعد استخدام المسيّرات واستهداف البنية التحتية، مقابل تحركات لإعادة تنظيم القوات والترتيبات الأمنية.

• المسار الإقليمي: تنشيط الحضور السوداني في الجامعة العربية، وتحركات البرهان الخارجية، واستمرار التوتر مع إثيوبيا، إلى جانب مراجعات محتملة في المواقف المصرية بشأن شمول الحوار السوداني.

• المسار الدولي: دخول السياسة الأمريكية مرحلة جديدة بعد خسارة الجمهوريين الكونغرس، وما قد يترتب عليها من رقابة أكبر على إدارة ترامب، بالتزامن مع استمرار تحركات مسعد بولس والرباعية والخماسية والجهود الأوروبية والأممية.

أما بشأن الانتخابات الأمريكية، فإن خسارة الجمهوريين لمجلسي النواب والشيوخ تمثل قيداً سياسياً مهماً على ترامب، لكنها لا تعني انتهاء قدرته على إدارة السياسة الخارجية أو وقف مبادراته المتعلقة بالسودان. والأرجح أن تتجه الإدارة إلى المحافظة على مسارها الدبلوماسي، مع مراعاة الضغوط الداخلية والرقابة البرلمانية المتزايدة.

وتظل القضية الجوهرية أن أي تسوية مستدامة في السودان لا يمكن أن تقوم على إعادة توزيع السلطة بين الأطراف الخارجية أو إقصاء مكونات سودانية، ولا على التعامل مع الحرب باعتبارها أزمة سياسية مجردة من جذورها الأمنية والعسكرية.

إن مستقبل السودان ينبغي أن يُحسم بإرادة السودانيين، مع الحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها ومؤسساتها، ووقف التدخلات الخارجية، وضمان مشاركة سياسية وطنية واسعة لا تتحول إلى غطاء لإعادة إنتاج الحرب أو فرض تسوية غير مستدامة.

المقالة السابقة

هل المعركة على الأرض وحدها؟! .. زهير عبدالله مساعد

المقالة التالية

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6374 | الانتخابات الأمريكية تقدم أهم الدروس: المعيشة هي أولوية المواطنين حيثما كانوا

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *