Popular Now

سلسلة مقالات استراتيجية ..جيب كفيا كنجي وحفرة النحاس.. جغرافيا الفراغ وزوابع الأهواء (3) .. د. إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتجية

من جهة اخري .. عيال بخيت حرة.. ليلة دحر مليشيا عيال دقلو .. عبود عبدالرحيم

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6381 | المواطن السوداني يستطيع أن يفعل مثل إلهان عمر ويهزم الضائقة المعيشية !!!

سلسلة مقالات استراتيجية ..جيب كفيا كنجي وحفرة النحاس.. جغرافيا الفراغ وزوابع الأهواء (3) .. د. إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتجية

ليست كفيا كنجي مجرد جيب حدودي متنازع عليه بين السودان، وجنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى، فخلف الجغرافيا المعقدة تختبئ معادلة أعمق: ثروة معدنية تتقاطع مع جماعات مسلحة، وشبكات تهريب، واقتصادات حرب وتنافس إقليمي ودولي. ومن هنا يبدأ الخطأ المنهجي في قراءة المنطقة: التعامل مع مواردها كإمكانات اقتصادية معطلة تنتظر الاستقرار السياسي. لكن الموارد، في البيئات التي تتراجع فيها السيادة وتتعدد فيها الولاءات، لا تنتظر السلام، بل قد تصنع الحرب وتطيل أمدها.
المعادن لا تشتري السلام بالضرورة، لكنها قد تمنح الفاعلين المسلحين ،ومنهم مليشيا الدعم السريع، القدرة على البقاء والتوسع وإعادة إنتاج النزاع.
يضم جيب كفيا كنجي وحفرة النحاس مؤشرات معدنية مهمة ، يأتي النحاس في مقدمتها، ومنه استمدت حفرة النحاس اسمها، إلى جانب الذهب في عروق ورواسب غرينية، ومؤشرات للحديد والفضة، وتقارير عن اليورانيوم لم تتحول بعد إلى اكتشافات تجارية. وقد استقطبت المنطقة اهتمام المستكشفين والشركات منذ القرن التاسع عشر، وتجددت أعمال الاستكشاف في القرن العشرين، دون أن تفضي إلى صناعة تعدين متكاملة أو إنتاج صناعي مستدام.
وتشير دراسة منشورة في المجلة الأفريقية للتاريخ والثقافة عن منجم النحاس في حفرة النحاس إلى أن تعثر التطوير ارتبط بالعزلة وصعوبة الوصول البري الموسمي، والبعد عن شبكات النقل، وغياب البنية الأساسية والعمالة المتخصصة، فضلاً عن الحرب والنزاع الحدودي بعد انفصال جنوب السودان. المشكلة إذن لم تكن في غياب القيمة المعدنية، بل في ارتفاع كلفة تحويل الإمكانات الجيولوجية إلى مشروع اقتصادي مستدام .
وإذا كانت الجغرافيا تمنح المكان قيمته، فإن نيكولاس سبيكمان يذكّرنا بأن القيمة الاستراتيجية لا تتحدد بالموارد وحدها، بل بموقع المكان داخل شبكات الحركة والاتصال. وكفيا كنجي ليست فقط منطقة نحاس وذهب، بل نقطة تقاطع بين ثلاثة فضاءات سياسية وجغرافية. ومن هنا ترتبط السيطرة على الموارد بالقدرة على التحكم في المجال المحيط بها. وقد أدرك هيرودوت مبكراً العلاقة بين الجغرافيا والثروة ومسارات التجارة في تكوين القوة السياسية؛ وهي علاقة تظل حاضرة، رغم اختلاف السياقات، في تفسير أهمية المناطق الغنية الواقعة على تقاطعات الطرق.
يظل الذهب المورد الأكثر تأثيراً في المعادلة الراهنة. فالفرق بين النحاس والذهب ليس في القيمة السوقية فحسب، بل في طبيعة الاقتصاد الذي ينتجه كل منهما. النحاس يحتاج إلى استثمارات كبيرة، ومعدات صناعية، وطاقة وطرق وسلاسل تصدير منظمة. أما الذهب الغريني فيمكن استخراجه بوسائل بدائية، وتسويقه عبر وسطاء محليين ونقله بكميات صغيرة ذات قيمة مرتفعة، دون بنية مؤسسية معقدة. ولهذا يصبح الذهب أكثر جاذبية للفاعلين المسلحين في البيئات التي تتراجع فيها سلطة الدولة.
وتشير دراسة لمركز تشاتام هاوس صادرة في مارس 2025 عن الذهب والحرب في السودان إلى أن مناطق سيطرة مليشيا الدعم السريع شهدت استمرار نشاط التعدين الأهلي، وأن تدخل المليشيا في قطاع الذهب اتخذ أشكالاً متعددة: توفير الحماية لأنشطة مرتبطة بمصالحها الاقتصادية، وفرض ترتيبات حماية على المعدّنين، ومشاركة بعض الوحدات مباشرة في النشاط التعديني حيث سمحت الظروف. وتبرز الدراسة منطقة (سنقو) في جنوب دارفور كأحد أهم مراكز إنتاج الذهب في المناطق الخاضعة للدعم السريع، بعد تراجع أهمية جبل عامر الإنتاجية، وتشير إلى منشأة لمعالجة مخلفات التعدين مرتبطة بشركة الجنيد.
وتكتسب هذه المعلومات أهمية إضافية عند ربطها بكفيا كنجي وحفرة النحاس، حيث تتداخل مناطق التعدين مع الحدود الجنوبية الغربية لدارفور والمجال الحدودي المتصل بجنوب السودان وأفريقيا الوسطى. وقد أوردت تقارير صحفية وتحقيقات اقتصادية تقديرات تتحدث عن إنتاج يتراوح بين طنين وخمسة أطنان سنوياً في نطاق (سنقو) و(أم دافوق) استناداً إلى تقديرات محلية. كما نقلت صحيفة سودان تريبيون في تقرير عن تهريب الذهب السوداني عبر جنوب السودان إفادات تشير إلى أن مناطق الحدود الجنوبية لدارفور قد تنتج نحو 150 كيلوغراماً شهرياً. وهذه ليست إحصاءات رسمية نهائية، ولا ينبغي تعميمها على كفيا كنجي وحدها، لكنها مؤشر على حجم الاقتصاد المعدني الموازي المحتمل.
وهنا تتضح خطورة العلاقة بين الذهب والدعم السريع. فالذهب ليس سلعة قابلة للبيع فقط، بل أصل مالي يمكن تحويله بسرعة إلى سيولة نقدية، تُستخدم في شراء السلاح، والإمداد، والعمليات اللوجستية، واستقطاب المرتزقة وبناء شبكات الولاء. وخطورته أنه لا يحتاج بالضرورة إلى المرور عبر المصارف أو المؤسسات المالية الرسمية حتى يتحول إلى قدرة اقتصادية وعسكرية. كما أن إمكانية نقله، وإعادة صهره وتغيير هويته التجارية تجعل تتبع منشئه أكثر صعوبة، خصوصاً عندما ينتقل عبر سلسلة من الوسطاء والأسواق الحدودية،
وقد أدى ذلك لنشوء دولة الظل، وهنا يمكن استحضار مكيافيلي في أن السلطة لا تستمد استمراريتها من الاعتراف السياسي وحده، بل من امتلاك أدوات القوة والقدرة على توظيف الموارد لحماية النفوذ وتوسيعه. وبتطبيق ذلك على كفيا كنجي، يبدو الذهب مورداً يمنح الفاعل المسلح استقلالاً مالياً نسبياً، ويقلل اعتماده على التمويل الخارجي المباشر، ويتيح له بناء منظومة مصالح تتجاوز النشاط العسكري التقليدي.
ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته دولة الظل. فالمسألة ليست غياب الإدارة المدنية فحسب، بل ظهور منظومة بديلة تمارس بعض وظائف السلطة: نقاط تفتيش، وجبايات، وتنظيم لحركة البضائع والأشخاص، ورسوم على المعدّنين والتجار وحماية مقابل حصة من الإنتاج. وقد وثقت دراسة «XCEPT» المنشورة في نوفمبر 2025 أن مليشيا الدعم السريع تحتفظ بالسيطرة على قطاعات مهمة من الحدود الدولية في هذه المنطقة، بما فيها جيب كفيا كنجي والمعابر بين جنوب دارفور وجنوب السودان وأفريقيا الوسطى، مع فرض رسوم غير رسمية على البضائع والأشخاص، وترتيبات اقتصادية وأمنية تربط بعض شبكاتها بعمليات التعدين والعبور الحدودي. كما نقلت عن مصادر ميدانية وجود تعاون بين الدعم السريع ومجموعات اجنبية عاملة في التعدين داخل المجال الحدودي.
وهذه الصورة تذكّرنا بقول ابن خلدون أن استقرار السلطة يرتبط بقدرتها على تنظيم الموارد المالية وضمان مصادر الإنفاق. لكن المفارقة في البيئات التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة أن الجباية قد تنفصل عن مؤسسات الدولة، وتتحول إلى أداة لإدامة سلطة الجماعة نفسها. وهكذا يصبح الاقتصاد المحلي جزءاً من منظومة تمويل عسكري لا تخضع للموازنة العامة أو الرقابة المؤسسية؛ تتحول السيطرة الميدانية إلى امتياز اقتصادي، وتتحول العوائد الاقتصادية إلى قدرة إضافية على السيطرة.
لا تقف الخطورة عند الجباية، بل تمتد إلى شبكة مصالح عابرة للحدود تربط مناطق الاستخراج بمراكز التجميع، والمعالجة والتصدير. فالذهب المستخرج في منطقة حدودية نائية ينتقل عبر جنوب السودان وتشاد، ثم يدخل شبكات تجارية أوسع، وصولاً إلى أسواق خارج المنطقة، أبرزها الإمارات. ومن المهم عدم افتراض أن كل الذهب الخارج من هذه المناطق يسلك مساراً واحداً أو يصل إلى سوق بعينها، لكن التقارير المتعلقة بتجارة الذهب السوداني توضح أن الإمارات إحدى أهم الوجهات التجارية للذهب السوداني، سواء عبر الصادرات المعلنة أو القنوات غير الرسمية. والمشكلة الإستراتيجية لا تختزل في السوق النهائية، بل في تعدد الوسطاء، وإمكانية تغيير منشأ الذهب وإعادة إدخاله في الأسواق الدولية باعتباره إنتاجاً من مصادر أخرى.
أما على مستوى القوى الدولية، فإن الحضور الروسي يكتسب أهمية خاصة، لا لأن موسكو تسيطر بالضرورة على كامل المجال المعدني في كفيا كنجي، بل لأنها طورت في أفريقيا الوسطى نموذجاً يجمع بين الحضور الأمني، والعلاقات السياسية والمصالح التعدينية. وقد قدمت أحداث فبراير 2026 مؤشراً إضافياً؛ فقد نشرت (دارفور24) في السابع من فبراير تقريراً عن مواجهة دامية في منجم ذهب يُعرف باسم (بابا) داخل أراضي أفريقيا الوسطى قرب الحدود، أعقبتها إجراءات روسية شملت إغلاق طرق حدودية وملاحقة عمال مناجم فارين، مع إفادات شهود عن استخدام طائرات مسيّرة ومروحية، ووقوع إصابات واعتقالات. وفي التاسع من الشهر نفسه نشر معهد روبرت لانسينغ تحليلاً وصف فيه هذه الإجراءات بأنها نمط من الضبط الحدودي في المنطقة الرمادية، حيث يمتد النفوذ من حماية المنجم إلى التحكم في الطرق والممرات المحيطة به. وينبغي قراءة ذلك بوصفه تقارير منسوبة إلى مصادرها وشهادات ميدانية، لا نتائج تحقيق دولي مستقل مكتمل.
وتكشف هذه الواقعة كيف يمكن لقوة خارجية أن تمارس نفوذاً فعلياً على المجال الحدودي عبر حماية مواقع اقتصادية والتحكم في حركة الأشخاص والبضائع، دون إعلان سيادة رسمية. وهنا تبرز مقاربة كيسنجر: الدول الكبرى لا تتحرك دائماً بدافع السيطرة المباشرة على الأرض، بل لبناء ترتيبات تضمن لها موقعاً مؤثراً ومصالح محفوظة.
كما تساعد واقعية ميرشايمر الهجومية في تفسير امتداد التنافس إلى المناطق الهشة التي توفر فرصاً للتمركز والتحكم في الموارد والممرات؛ وهو ما يجعل الوجود الروسي في أفريقيا الوسطى وامتداداته الحدودية جزءاً من معادلة أوسع لإعادة تشكيل النفوذ في وسط أفريقيا، لا مجرد نشاط أمني لحماية مناجم متفرقة.
أما الولايات المتحدة، فتملك أدوات مالية، وسياسية ودبلوماسية مهمة، لكنها لا تمتلك حضوراً برياً مباشراً في هذا المجال الحدودي، لذا تعتمد على العقوبات، والضغط الدبلوماسي والتعاون مع الحكومات الإقليمية. لكن هذه الأدوات تواجه تحدياً حقيقياً عندما يتحرك الذهب خارج القنوات المصرفية، عبر وسطاء، وتجارة نقدية وشبكات نقل غير رسمية. فالعقوبات قد تستهدف الشركات والأفراد والكيانات المعروفة، لكنها تصبح أقل فاعلية عندما تنتقل الأنشطة إلى شبكات أكثر مرونة وأقل ظهوراً.
أما الصين، فلا تبدو حتى الآن لاعباً أمنياً مباشراً في كفيا كنجي. وقد ارتبط حضورها الاقتصادي في السودان وجنوب السودان أساساً بالنفط، والبنية التحتية والطاقة، لا بالمناطق المعدنية الحدودية النائية. ومن المرجح أن تظل بكين أكثر ميلاً إلى مراقبة التطورات وانتظار شروط الاستقرار والضمانات القانونية قبل التفكير في استثمارات تعدينية واسعة، فالموارد، مهما بلغت قيمتها، لا تتحول إلى فرصة جاذبة عندما تتجاوز مخاطرها الأمنية والسياسية العائد المتوقع.
إزاء هذه المعضلة فإن الأوضاع فى جيب كفيا كنجي وحفرة النحاس تتطلب تجاوز المقاربات التقليدية التي تحصر الحل في استعادة السيطرة العسكرية أو فرض العقوبات الاقتصادية. فالمشكلة أعمق، إنها البنية التي تسمح بتحويل الموارد إلى تمويل مستقل للجماعات المسلحة. لذلك ليس البديل الواقعي منع التعدين أو تجميد النشاط المحلي، بل خفض قابلية الذهب للنهب عبر تتبع منشئه الجغرافي، وتعزيز الرقابة على المعابر، وتطوير التعاون بين السودان وجنوب السودان وأفريقيا الوسطى وإدماج المجتمعات المحلية في ترتيبات إدارة الموارد. وينبغي أن تتجه الجهود الدولية إلى مراقبة الوسطاء والشركات وشبكات التصدير، لا الاكتفاء بملاحقة من يسيطرون على مواقع الاستخراج. فاقتصاد الحرب لا يعمل عند المنجم وحده، بل عبر سلسلة تبدأ بالاستخراج، وتمر بالتجميع والمعالجة والنقل، وتنتهي بالتسويق وإعادة إدخال العائدات في الدورة الاقتصادية.
وتظل أفكار كلاوزفيتز ذات دلالة، الحرب ليست ظاهرة منفصلة عن المصالح السياسية والاقتصادية، بل امتداد لها بأدوات مختلفة. ومن ثم، فإن معالجة اقتصاد الحرب في كفيا كنجي تقتضي معالجة المصالح التي تجعل استمرار النزاع أكثر ربحية لبعض الفاعلين من الوصول إلى تسوية مستقرة. ولا يمكن بناء سلام مستدام في منطقة تتحول فيها الثروة المعدنية إلى مكافأة للسيطرة المسلحة، بينما يبقى المجتمع المحلي خارج معادلة الاستفادة والحماية.
إن كفيا كنجي وحفرة النحاس تقدمان نموذجاً دالاً لما يحدث عندما تتقاطع الثروة الطبيعية مع هشاشة الدولة، وتنازع السيادة وتعدد الفاعلين المسلحين. فالمشكلة ليست في وجود النحاس، أو الذهب أو الحديد، ولا في غياب المستثمرين وحده، بل في غياب الإطار السياسي والمؤسسي الذي يجعل هذه الموارد ملكاً للمجتمع ومصدراً للتنمية الوطنية.
والخطر الاستراتيجي الأكبر لا يكمن في استنزاف الاحتياطيات فحسب، بل في نشوء اقتصاد موازٍ قادر على إعادة إنتاج القوة المسلحة، وتكوين شبكات مصالح عابرة للحدود، وفرض وقائع جديدة على الجغرافيا السياسية. ولهذا فإن كفيا كنجي أكثر من جيب حدودي متنازع عليه، إنها نموذج مصغر للتحدي الذي تواجهه الدول الأفريقية في إدارة مواردها داخل فضاءات تتراجع فيها السيادة وتتقدم فيها اقتصاديات الحرب.
والدرس الأهم أن امتلاك الموارد لا يعني بالضرورة امتلاك القوة، وأن الثروة التي لا تحميها المؤسسات قد تتحول إلى عبء استراتيجي. فحين تغيب الدولة عن مناجمها، لا تبقى المناجم بلا سلطة؛ بل تنتقل السلطة إلى من يستطيع استخراج الثروة وحمايتها ونقلها وتسويقها. وعندئذ لا يصبح الصراع على الأرض وحدها، بل على الاقتصاد الذي يمكن بناؤه فوقها، وعلى شبكات النفوذ التي تستطيع العيش من وراء استمرار الفوضى.
فالمعركة الحقيقية في كفيا كنجي ليست فقط على من يمتلك الأرض، بل على من يمتلك القدرة على تحويل ثروتها إلى قوة، ومن يملك حق التصرف في مستقبلها الاقتصادي والسياسي.

المقالة السابقة

من جهة اخري .. عيال بخيت حرة.. ليلة دحر مليشيا عيال دقلو .. عبود عبدالرحيم

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *