في لحظات التحولات الكبرى، لا يكون الحدث مجرد قرار، بل يصبح مرآة لموازين القوة، وأداة لإعادة ترتيب الأولويات، ونافذة تكشف ما تخبئه المرحلة من تعقيدات وفرص.
تعيين الدكتور كامل إدريس رئيسًا للوزراء في السودان، خلال مرحلة تسيير لا تأسيس، لا يمكن قراءته بوصفه خبرًا سياسيًا عابرًا، بل هو حدث استراتيجي بالغ التعقيد، يمثل نقطة التقاء بين إرادة وطنية حائرة، وضغوط دولية مترقبة، وواقع أمني متفجر، ومشروع مستقبلي لم يولد بعد.
فماذا تعني هذه الخطوة؟ ولماذا قد تُصبح لحظة التسيير، إذا أُحسِن إدارتها، هي الأرضية الصلبة لانطلاقة وطنية مستدامة؟
وكيف يمكن أن نُحمّل هذا التعيين دلالاته الرمزية والعملية في ضوء معادلة “الجيش الواحد، والشعب الواحد”، واستراتيجية “الجسر والمورد” التي تسعى لتحويل السودان من ساحة صراع إلى منصة إنتاج إقليمي؟
كامل إدريس بين الرمزية والتكتيك الاستراتيجي
كامل إدريس ليس تكنوقراطًا عاديًا، بل يمثل، في اللاوعي الجمعي السوداني، رمزًا لمعنى الدولة الرشيدة، تلك التي غابت طويلًا في زحام النزاعات والتحالفات المرتبكة.
لكن وراء الرمزية تكمن أدوات المناورة الاستراتيجية:
فرجل بخلفية قانونية دولية، لا يُراد له إدارة خدمات بل تسكين أزمة شرعية وتبريد جبهات سياسية.
وهو وجه مقبول دوليًا، يُمكن استخدامه كجسر لإعادة التموضع السوداني داخل المشهد الإقليمي والدولي بعد عام من الحرب.
الرسالة مزدوجة هنا: السودان لا يُفاوض من موقع ضعف، بل يُسيِّر المرحلة بشخصية لها قيمة تفاوضية، ورسالة وطنية، وشرعية شعبية صامتة لكنها حاضرة.
مرحلة التسيير كمعركة ناعمة لإدارة الفراغ
هذه ليست حكومة إنقاذ ولا مرحلة انتقال ديمقراطي، بل إدارة مؤقتة لفراغ خطير. والخطر ليس فقط في غياب المؤسسات، بل في تشظي الرؤى، وتنازع الولاءات، وتآكل الثقة بين المركز والمجتمع، وبين الداخل والخارج.
إستراتيجيًا، يُعد تعيين رئيس وزراء الآن:
> أداة استباقية لملء الفراغ حتى لا يُملأ من الخارج.
> صمام أمان سياسي لتقليل الضغوط الدولية واستعادة التوازن في الخطاب الأممي.
> فرصة لإعادة تعريف الأولويات الوطنية: من الصراع على السلطة، إلى حماية الدولة من الانهيار الكامل.
دور الجيش… من الهيمنة إلى الحراسة الاستراتيجية
في مشهد يبدو ظاهريًا وكأنه تنازل من الجيش، علينا ألا نغفل الدور البنيوي العميق الذي يؤديه الجيش كحارس للسيادة، لا كمنافس على السلطة.
فالجيش السوداني، عبر هذا التعيين، يرسل إشارات واضحة:
> أن الأمن القومي لن يُترك للارتجال السياسي.
> أن الجيش يُعيد التموضع كفاعل استراتيجي مسؤول، يتيح للمدنيين التسيير دون أن يفرّط في ركائز البقاء الوطني.
وهنا، يظهر بوضوح شعار “جيش واحد، شعب واحد” كمبدأ استقرار لا كشعار عاطفي.
فالجيش، ببساطة، ليس طرفًا في صراع، بل هو منصة الأمان الوطني التي يجب أن يقف عليها الجميع.
المواطن السوداني… نقطة التحول الحقيقية
الرهان الاستراتيجي الأكبر لا يتعلق بكامل إدريس، بل بالمواطن.
ففي بيئة مشبعة بالإحباط، يبدو المواطن وكأنه أصغر فاعل في المعادلة. لكن الحقيقة أن الشعب الآن يملك مفاتيح التأثير أكثر من أي وقت مضى.
فهو:
> من يُحدد قبول التعيين أو رفضه عبر السلوك الجمعي اليومي.
> من يستطيع تحويل فترة التسيير إلى لحظة بناء مجتمعي، عبر المبادرات، والتكافل، والدعم الشعبي للقرارات الرشيدة.
> إن أخطر ما يُهدد السودان اليوم ليس السلاح، بل الاستسلام. والوعي الشعبي إن لم يُفعّل الآن، فمتى؟
استراتيجية الجسر والمورد… من السردية إلى التشغيل
تعيين رئيس وزراء خلال الحرب، وفق رؤية “الجسر والمورد”، يمثل خطوة نحو تحويل الأزمة إلى منصة عبور.
فالاستراتيجية لا تُبنى بالخطب، بل عبر ثلاثية واضحة:
> الجسر: ترسيخ دور السودان كممر آمن للإقليم، سواء عبر التجارة أو الطاقة أو الثقافة.
> المورد: استثمار الثروات الوطنية، ليس فقط في البترول أو الذهب، بل في الإنسان، والمعرفة، والموارد غير التقليدية.
> المسؤولية: أن يعرف كل فرد دوره، لا أن ينتظر الخلاص من أعلى.
وبهذا المعنى، فإن الدكتور كامل إدريس، كوجه مدني ذي بعد دولي، يُمكن أن يكون محركًا دبلوماسيًا لهذه الاستراتيجية، يفتح الأبواب للتمويل، والتفاهمات، واستقطاب الشركاء الجادين.
> إن غابت القيادة، فليكن المشروع هو القائد
أصل القضية،،،
ليس المطلوب من كامل إدريس أن يحكم، بل أن يُدير مرحلة.
وليس المطلوب من الجيش أن يتراجع، بل أن يُراقب ويُرشد.
وليس المطلوب من المواطن أن يُصفق، بل أن يُبادر، يُقترح، ويحرس الطريق.
فإذا اجتمع الثلاثة — رجل المرحلة، حارس السيادة، وصوت الناس — على مشروع، أصبح الوطن أكبر من محنته.
ولعل أعظم انتصار نحققه في مرحلة التسيير، هو أن نحوّل الزمن المؤقت إلى ذاكرة دائمة لبدايات العقلانية، والشفافية، والعمل الوطني المنتج.

