Popular Now

وجه الحقيقة | موانئ السودان… عقدة القرار.. إبراهيم شقلاوي

أصل القضية | الجهل المقدّس … حين تُطفأ الأسئلة ويُؤمَّم الوعي.. محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

سلسلة مقالات الحرب علي السودان الحلقة 25-3: مؤتمر برلين الثالث – دعم أم تواطؤ؟ د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي

مؤتمر برلين 15 أبريل 2026: اختبار الحقيقة لا إدارة الأزمة .. بقلم: إبراهيم كرار – برلين

في الوقت الذي ينعقد فيه مؤتمر برلين في 15 أبريل 2026، لا يعود السودان مجرد ملف إنساني أو أزمة إقليمية عابرة، بل يتحول إلى اختبار مباشر لجدية السياسة الأوروبية نفسها: هل تسعى أوروبا فعلًا إلى إنهاء الحروب، أم أنها تديرها ضمن توازنات تحقق لها الحد الأدنى من الاستقرار الظاهري على حساب الدول المنهارة؟

السودان اليوم يقف على حافة انهيار دولة كاملة، بينما تُعاد صياغة الأزمة في الخطاب الدولي بطريقة تُفرغها من حقيقتها الأساسية: أنها حرب وجود على الدولة، لا مجرد صراع سياسي بين أطراف متساوية.

الدولة ليست طرفًا في نزاع… بل هي الهدف

الخلل الأساسي في التعاطي الدولي مع السودان يبدأ من هذه النقطة تحديدًا: محاولة تقديم الدولة كمجرد طرف في صراع، بينما الواقع أن مؤسساتها تواجه مجموعات مسلحة متمردة تعمل خارج أي إطار شرعي، وتهدد فكرة الدولة نفسها.

إن هذا التوصيف ليس تفصيلًا لغويًا، بل هو جوهر الأزمة. فحين تُساوى الدولة بمجموعات مسلحة، يتم عمليًا تقويض الشرعية، وفتح الباب أمام استمرار الفوضى تحت مسميات “الحوار” و”التوازن”.

وفي هذا السياق، تبقى القوات المسلحة السودانية -باعتبارها مؤسسة سيادية- محورًا رئيسيًا في معادلة بقاء الدولة، وتحظى بتأييد واسع داخل قطاعات كبيرة من الشعب السوداني باعتبارها خط الدفاع الأخير عن وحدة البلاد.

أوروبا: خطاب السلام أم إدارة الصراع؟

السؤال الذي لم يعد يمكن تجاهله في برلين وبروكسل هو: لماذا تستمر الحرب رغم كل المؤتمرات والبيانات؟

الإجابة ليست غامضة كما يُراد لها أن تبدو. فكل حديث عن “عملية سلام” يفقد معناه عندما يُترك الواقع الميداني يتغذى على تدفقات دعم سياسي أو لوجستي أو إعلامي لأطراف خارج إطار الدولة.

هنا تصبح المسؤولية الأوروبية مباشرة وليست نظرية. لا يمكن من جهة الدعوة إلى وقف الحرب، ومن جهة أخرى غض الطرف عن الشبكات التي تُبقيها مشتعلة. هذا التناقض لم يعد قابلًا للتبرير الدبلوماسي، بل أصبح جزءًا من مشكلة استمرار الصراع نفسه.

مؤتمر برلين: خطر تحويل الأزمة إلى إدارة دائمة للفشل

إن أخطر ما يمكن أن يخرج به مؤتمر برلين ليس غياب الحل، بل إنتاج “وهم الحل”. أي تحويل الأزمة إلى مسار إداري طويل، تُدار فيه الحرب بدل إنهائها، ويُعاد إنتاج نفس الأدوات السياسية التي أثبتت فشلها.
السودان لا يحتاج إلى مزيد من المؤتمرات، بل إلى قرار سياسي واضح يضع حدًا لأي دعم خارجي يساهم في استمرار الحرب، ويعيد تعريف الشرعية على أساس الدولة فقط، لا على أساس توازن القوى المسلحة.
بدون ذلك، ستكون كل المبادرات مجرد غطاء دبلوماسي لإطالة أمد الانهيار.
غياب الحقيقة… مسؤولية سياسية لا إعلامية فقط
الفجوة بين ما يجري داخل السودان وما يُقدَّم للرأي العام الأوروبي ليست مجرد مشكلة إعلامية، بل هي خلل سياسي يُنتج قرارات غير دقيقة.
حين تُبنى السياسات على صورة منقوصة أو مشوهة للصراع، فإن النتائج ستكون بالضرورة سياسات تزيد الأزمة تعقيدًا بدل حلها. وهذا ما يجعل المسؤولية هنا مضاعفة: مسؤولية الإعلام، وصناع القرار، معًا.
الرسالة إلى أوروبا: لا حياد في انهيار الدول
إن استمرار التعامل مع الأزمة السودانية بمنطق “الحياد بين الأطراف” لم يعد موقفًا محايدًا، بل أصبح -في واقعه العملي- مساهمة في إطالة أمد الحرب.
لا يمكن إنقاذ السودان عبر إدارة التوازنات بين الدولة ومجموعات مسلحة، لأن هذا بحد ذاته يُسقط فكرة الدولة من الأساس.
المطلوب من أوروبا ليس إدارة الأزمة، بل اتخاذ موقف واضح: دعم الدولة كمؤسسة وحيدة مشروعة، ووقف كل ما من شأنه أن يغذي استمرار الحرب.

خاتمة: لحظة الحقيقة في برلين
السودان لا يطلب تعاطفًا سياسيًا ولا بيانات تضامن، بل يطلب موقفًا واضحًا من الحقيقة: إما دعم الدولة أو قبول تفككها.
وفي برلين، حيث تُصاغ السياسات التي تؤثر في مصير دول بأكملها، لم يعد مقبولًا الاكتفاء بلغة دبلوماسية رمادية. فالتاريخ لن يسجل البيانات، بل سيحكم على النتائج.
إما أن يكون مؤتمر برلين نقطة تحول حقيقية نحو إنهاء الحرب، أو مجرد محطة جديدة في إدارة انهيار طويل تُشارك فيه الإرادة الدولية بصمتها قبل أفعالها.

المقالة السابقة

حكاية الجغرافيا .. بقلم: الصادق عبدالله أبوعيّاشة .. خبير و مستشار في السياسات العامة .. الإدارة الاستراتيجية والتنمية المستدامة

المقالة التالية

وجه الحقيقة | برلين… أزمة جيل أم عطب فكرة؟.. بقلم: إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *