تتربع ولاية القضارف في شرق السودان على عرش الزراعة المطرية الآلية، بفضل ما حباها الله من أراض خصبة شاسعة، تمتد كالأفق بلا انقطاع، ومناخ موسمي غني بالأمطار، يعيد للحياة خضرتها كل عام. تمثل ولاية القضارف قلب الإنتاج الزراعي النابض، وركيزة أساسية في تحقيق الأمن الغذائي الوطني، وتستحق بجدارة أن يطلق عليها لقب “سلة غذاء السودان”.
#الأرض المباركة والمحاصيل الإستراتيجية:
إن امتلاك القضارف لمساحات زراعية ضخمة تتجاوز الملايين من الأفدنة، يجعلها بيئة مثالية لإنتاج المحاصيل الإستراتيجية، وتأتي الذرة في مقدمة هذه المحاصيل، ليس فقط لأهميتها الغذائية لدى المواطن السوداني، وإنما أيضا لكونها تشكل عمودا فقريا في تغذية المواشي والصناعات الغذائية. إلى جانب الذرة، تنتج الولاية السمسم عالي الجودة، الذي يعد من الصادرات الزراعية الرائجة، والقطن، الذي يشكل مدخلا أساسيا في الصناعات النسيجية، المحلية منها والعالمية.
#مقومات طبيعية وواقع زراعي واعد:
تتميز القضارف بموسم أمطار طويل، وبتربة طينية خصبة، ومناخ متوازن يساعد على نمو المحاصيل دون الحاجة إلى ري دائم، مما يقلل من التكاليف ويعزز من الاستدامة الزراعية. غير أن هذه المقومات الطبيعية رغم عظمتها، لم تستثمر بعد بالقدر الذي يعكس حجم الإمكانيات.
في ظل التحولات الاقتصادية التي يشهدها السودان، بات لزاما أن تتحول النظرة لولاية القضارف من كونها مجرد منتج زراعي تقليدي، إلى مركز تنموي اقتصادي حديث، تقوده الزراعة الذكية المستدامة، والتقانات المتطورة، والتكامل بين القطاعات الإنتاجية.
#تحديات راهنة وفرص نادرة:
رغم عطاء الأرض وسخاء المطر، فإن المزارع في القضارف لا يزال يواجه جملة من التحديات الهيكلية، أبرزها:
– ضعف استخدام التقانات الزراعية الحديثة.
– وغياب الإرشاد الزراعي الفعال.
– تذبذب دعم الدولة لمدخلات الإنتاج.
– هشاشة البنية التحتية من طرق ومخازن وأسواق.
كما أن التنظيمات التعاونية الزراعية، التي يفترض أن تكون درعا واقيا وصوتا للمزارعين، تحتاج إلى إعادة هيكلة وضبط وتقنين، لتقوم بدورها في التفاوض والتمويل والخدمات الزراعية المتكاملة.
#منارات للإصلاح والتطوير:
إن انطلاقة جديدة لولاية القضارف نحو المستقبل، تتطلب إرادة سياسية جادة واستراتيجية تنموية متعددة المحاور، ويمكن إجمال أهم مقترحات المشاريع والإصلاحات فيما يلي:
1. إدخال التقانات الزراعية الحديثة من خلال:
– التوسع في استخدام البذور المحسنة والمعتمدة.
– و اعتماد الزراعة الدقيقة لمتابعة نمو المحاصيل وقياس الإنتاج.
– استخدام الطائرات المسيرة (Drones) في المسح الزراعي ورش الأسمدة والمبيدات.
2. تحديث نظم التسميد والتربة وذلك من خلال :
– إجراء مسوحات دورية لتحليل خصوبة التربة.
– دعم المزارعين بالأسمدة العضوية والمعدنية المناسبة.
3. تمكين الجمعيات التعاونية الزراعية عبر:
– تأهيل وتدريب قيادات الجمعيات على الإدارة الحديثة.
– تشجيع تكوين اتحادات زراعية على مستوى المحليات والمزارع الكبرى.
– تخصيص حوافز حكومية للجمعيات النشطة والمنتجة.
4. إقامة مشاريع زراعية كبرى مثل :
– إنشاء مشروع زراعي متكامل للذرة تحت إدارة شراكة حكومية–خاصة.
– بناء مجمعات صناعية تحويلية للقطن والسمسم، ما يضمن القيمة المضافة.
– إنشاء مراكز تدريب زراعي وتقني للمزارعين والشباب.
5. تأهيل البنية التحتية الداعمة للزراعة من خلال :
– رصف وتعبيد الطرق الزراعية والريفية لتسهيل انسياب المنتجات.
– إنشاء صوامع ومخازن مبردة لحفظ المحاصيل وتفادي التلف.
– تطوير الأسواق المحلية وربطها بأسواق التصدير الإقليمية.
#دعوة للاستثمار والاهتمام الرسمي:
إن ولاية القضارف، بما تمتلكه من مقدرات طبيعية وبشرية، يجب أن تحظى بالأولوية في الخطط القومية للتنمية الزراعية. ويقع على عاتق الدولة، ممثلة في وزارات الزراعة، والمالية، والاستثمار، أن تولي هذه الولاية اهتمامًا خاصًا، ليس من باب العدل الجغرافي فحسب، بل لأن الاستثمار فيها هو استثمار في أمن السودان الغذائي واستقراره الاقتصادي،كما يجب على حكومة الولاية أن تسهم بفعالية في تهيئة المناخ الاستثماري، عبر تسهيل الإجراءات، وتقديم الحوافز، وتوفير الأمن وإنشاء خارطة زراعية استثمارية دقيقة.
و أخيرًا، يمكن أن نقول:
إن ما تملكه القضارف من إمكانيات ليس محض أرقام على ورق، بل هو مشروع نهضة حقيقي في انتظار من يستثمر فيه الرؤية والإرادة. فالأرض ممدودة، والمطر هاطل والمزارع صبور مجتهد، ولا ينقص السودان سوى منظومة ذكية تقود هذا المورد الوطني الهائل إلى حيث يليق به.
ولاية القضارف ليست مجرد بقعة خضراء على خارطة السودان، إنها مفتاح الأمن الغذائي ومختبر التنمية الزراعية الحقيقي. فلنضعها في مكانها الصحيح من الاهتمام، والدعم، والتخطيط.
فهي بحق… سلة غذاء السودان.
