مقدمة:
يهدف هذا المقال إلى معرفة الصورة، التي رسمتها مجلة الفورين بوليسي الأمريكية Foreign Policy للمشهد السياسي السوداني في بيئة ما قبل حرب 15 أبريل 2023، وهي الفترة الممتدة من 11 أبريل 2019 إلى 14 أبريل 2023، التي بدأت بذهاب حكم الإنقاذ، وانفتاح البلاد على فترة انتقالية، أحدثتها ثورة ديسمبر 2018، وانتهت بقيام حرب 15 أبريل 2023، التي ما تزال مستعرة، وإن كان بوتيرة أقل مما كانت عليه. ولا شك أن أحداثًا مهمة كثيرة- تخللت هذه السنوات الأربع، كانت للفورين بوليسي رؤيتها وسرديتها الخاصتان، اللتان ضمنتهما أعمالها الصحفية من مقالات وتقارير وعواجل وحصريات وتحليلات مختلفة، شكلت من خلالها صورة تشمل أهم عناصر المشهد السياسي السوداني.
لماذا الفورين بوليسي؟
الفورين بوليسي هي مجلة إخبارية أمريكية تأسست عام 1970- تركّز على الشؤون العالمية، والأحداث الجارية، والسياسة المحلية والدولية. وتعد منتدى للنقاش المستنير حول السياسة من جميع أنحاء العالم، وهي في الأساس متخصصة في القضايا العالمية، والسياسة الداخلية، والخارجية الأمريكية، وتشتهر بمقالاتها التحليلية لكتّاب فاعلين في دول العالم المختلفة. وللفورين بوليسي، جراء ما تتصدى له من تناول صحفي مواكب، وجرأة في العرض والتهكن بمآلات الأحداث، والسيناريوهات المفضية إليها، وتنوع في الأقلام التحليلية- مجموعات من القراء المتابعين والمهتمين، الذين تتشكل آراؤهم السياسية والدبلوماسية والاقتصادية. علاوة على ذلك تتسابق كبريات المؤسسات الإعلامية في الوطن العربي، وغيره- إلى ترجمة وإعادة تنشر وتحليل ما تفسح له هذه المجلة الأمريكية من أعمال صحفية على موقعها، وعلى منشوراتها الورقية.
الفورين بوليسي وأحداث السودان:
اجتذب السودان بأحداثه المهمة الكبيرة- أقلام هذه المجلة منذ عقود، وأنتجت وتنتج محتوى ورقيا ورقميا عن أحداث السودان- حظيَ ويحظى باهتمام من يتابع الخط الإعلامي والسياسي للمجلة. وظل هذا المحتوى بشقيه في حال تزايد، لا سيما في السنوات الأخيرة، على وجه الخصوص في السنوات الأربع الأخيرة. وهي الفترة التي يسعى إلى دراستها هذا المقال، مع ملاحظة أن هناك أقلاما سودانية، تسهم في الكتابة بهذه المجلة. ويشهد على إيلاء أحداث السودان مكانة خاصة في هذه المجلة- أنها خلال السنوات الأربع، التي يسعى إلى تغطيتها هذا المقال، نشرت 34 عملا صحفيا (متاحة جميعها على موقع المجلة في الإنترنت)- غطت به الأحداث المهمة الكبيرة. وقد كان نصيب عام 2019 (19 عملا صحفيا)؛ وعام 2020 (عملان صحفيان)؛ وعام 2021 (6 أعمال صحفية)؛ وعام 2022 (7 أعمال صحفية)، ولم تنشر عن السودان عملا صحفيا عام 2023، إلا بعد اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023.
الفورين بوليسي والحراك الثوري وجهًا لوجه:
بدأ في 19 ديسمبر 2018 حراك ثوري مناهض لحكومة الإنقاذ، واستمر لأربعة أشهر ويزيد قليلا، إذ في 11 أبريل 2019- استلم الجيش السوداني السلطة، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ البلاد. وقد كانت المحركات الأساسية لهذا الحراك- تتمثل في الضائقة المعيشية، التي شهدتها البلاد. إضافة إلى انعدام الخدمات، أو ترديها، والتي تشمل: انعدام المحروقات أو ندرتها، وانعدام السيولة النقدية، وغلاء الأسعار، وتصاعدها بصورة لم يسبق لها مثيل. وهو بذلك حدث يستحق أن تسلط عليه الأضواء داخليا وإقليميا وعالميا، فهل أفسحت له الفورين بوليسي صفحاتها، ضمن تناولها للأحداث العالمية المهمة؟
خلال الأشهر الأربعة، التي استغرقتها موجة الاحتجاجات في السودان، وتكللت في خواتيمها بنجاح ما يرغب المحتجون في تحقيقه- لم يكن هناك اكتراث من الفورين بوليسي بهذه الموجة، إلا بعد مضى نحو 20 يومًا من بدايتها، وبعد أن أصبحت أمرًا واقعًا لا يمكن تجاهله مما يعكس أن تفاعلها مع هذا الحدث الكبير، في بداية الأمر، لم يكن على النحو المرجوّ، وأغلب الظن أن هذه المجلة- عدته كما جرت العادة، موجة سرعان ما تحتويها السلطات المختصة. وخلاصة الأمر أنها في النهاية خصته بمقالين، الأول نشر في 9 يناير 2019، والثاني في 8 أبريل 2019، فقط قبل 3 أيام من نجاح ذلك الحراك.
حمل المقال الأول عنوان: “هذه هي الانتفاضة التي يخشاها دكتاتور السودان من الإبادة الجماعية دائمًا”. للكاتبة نسرين مالك (سودانية مقيمة في لندن)- أبانت فيه أن هذه الاحتجاجات تشمل جميع شرائح المجتمع. وتنبأت فيه أنها قد تؤدي قريبًا إلى الإطاحة بنظام البشير بأكمله. وأوضحت فيه أنه على مدى الأسبوعين الماضيين، خرج المواطنون المحتجون على البشير وحكومته- إلى شوارع العديد من المدن السودانية، بما في ذلك العاصمة الخرطوم. وأوضحت أن هذه ليست الاحتجاجات الأولى التي يواجهها البشير. لكن الموجة الحالية من المظاهرات- كانت فريدة من نوعها. فهي موجة تشارك فيها شريحة واسعة من المجتمع السوداني، ويغذيها التخطيط التنظيمي، والعاطفة العفوية، وتشكل تهديدًا خطيرًا للنظام.
أما المقال الثاني، وهو تقرير بعنوان: “كيف أعاد رئيسان أمريكيان تشكيل سياسة أمريكا تجاه السودان؟”، كتبه جاستن لينش وروبي جرامر، وهما كاتبان مرموقان- فقد جاء كاشفًا لحقيقة غير متوقعة في هذا الظرف. حيث كشفا في المقال أنه مع احتجاج الآلاف على نظام البشير- ساعدت واشنطن في إضفاء الشرعية عليه. و وثّقا من خلال تقريرهما لحفل استقبال أقامته الحكومة السودانية في وقت سابق من هذا العام (2019) في واشنطن العاصمة، لإحياء ذكرى استقلال البلاد. وكان يمازح الضيوف فيه محمد عطا، كبير الدبلوماسيين السودانيين لدى الولايات المتحدة، الرئيس السابق لجهاز المخابرات السوداني و المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
إن الصورة المرسومة من قبل الفورين بوليسي لمشهد الاحتجاجات، بدت غائمة، عكست في بداية الأمر، أهمية هذه الاحتجاجات، واختلافها عما سبقها من احتجاجات، وتوقع مآلاتها باقتلاع حكومة الإنقاذ. ومن ناحية أخرى صورت أمريكا، وهي تبدو غير مكترثة بما يجري في السودان، بل تبدو داعمة لحكومة السودان. وكل هذا يطرح سؤالًا جوهريًا عن الكيفية التي تعاملت بها أمريكا مع السودان، بعد نجاح ثورة ديسمبر، من خلال ما تطرحه الفورين بوليسي؟ ومن ثم هل كان هناك حماس وتفاعل من المجلة مع هذا الوضع الجديد؟
المتضادان في المشهد السياسي: انطلاق شرارة الثورة والثورة المضادة:
إذا كانت فترة هيجان الحراك الثوري، التي أنجزت ما كانت تصبو إليه من إزاحة حكومة الإنقاذ في نحو أربعة أشهر ويزيد- حظيت فقط بمقالين صحفيين، فإن الفترة ما بين نجاح الثورة (11 أبريل 2019) وحتى بداية تشكيل الحكومة الانتقالية (20 أغسطس 2019)، وهي أيضا تمتد لنحو أربعة أشهر ويزيد- قد حظيت بأربعة عشر عملا صحفيا. ويمكن تفسير ذلك بأن الفورين بوليسي- عدّت هذا الحراك، في أول أمره، كغيره من الحراكات الثورية، التي ناهضت الإنقاذ في مسيرتها، التي امتدت لثلاثة عقود، سيستمر لأيام، ثم تطفي ناره الحكومة بآلياتها الأمنية والسياسية؛ لذا لم تهتم به المجلة. ولكن بعد أن أنجز الحراك الثوري هدفه بإزاحة نظام الإنقاذ، لم يكن هناك بد غير التعامل به كأمر واقع، يستحق التفاعل معه.
الحق أن الفورين بوليسي فوجئت بما أنجزه الحراكيون الثوريون، من تغيير في البلاد، فشلت في تحقيقه عقدان من الحصار الاقتصادي الخانق، الذي طبقه الغرب، والولايات المتحدة. كما فشل في تحقيقه اتهام السودان لسنوات بأنه دولة راعية للإرهاب. لقد فوجئت الفورين بوليسي بهذا الحدث الجلل، فما كان منها إلا أن تفتح صفحة جديدة، تنشط من خلالها تغطيتها لأحداث السودان، يقودها كتاب مرموقون، لهم تجربة ثرة في الكتابة عن السودان وشؤونه. وإذا كان التغيير الذي حدث في السودان، يؤرخ له بالحادي عشر من أبريل 2019- فإن هذا اليوم نفسه، هو الذي دشنت فيه مجلة الفورين بوليسي- متابعتها الحثيثة لهذا الحدث، وأصدرت في ما تبقى من شهر أبريل أربعة تقارير على قدر من الأهمية، حاولت من خلالها فكّ طلاسم هذا التغيير.
حمل التقرير الأول عنوان: “في السودان: انتقال إلى ديمقراطية أم لعبة لقوة عسكرية؟، كتبه: جوستين لينش، وروبي جرامر، وكولوم لينش، وجيفكوت أودونيل. وقد طرحوا فيه تساؤلًا كبيرًا عما إذا كان ما يجري في السودان، عقب الإطاحة بالبشير يوم الخميس 11 أبريل 2019، بعد أشهر من الاحتجاجات في الشوارع- أهو انتقال نحو الديمقراطية أم مسرحية من الجيش لفرض سلطته في البلاد؟ وتحدثوا عن مدير جهاز الأمن الوطني والمخابرات في السودان، صلاح قوش، الذي وصفوه بأنه واحد من أكثر الشخصيات نفوذًا في رسم مستقبل السودان، وأن له سجلًا من التعاون مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في جهود مكافحة الإرهاب.
شهد اليوم التالي من حدوث التغيير في السودان- نشر تقرير آخر للفورين بوليسي، كتبه: جاستن لينش، وروبي جرامر، وجيفكوت أودونيل (ثلاثة منهم شاركوا في التقرير الأول- تقرير الأمس). وقد حمل عنوان: “الفصائل العسكرية تتنافس على السلطة بعد الانقلاب في السودان”. تحدثوا فيه عن أن المتظاهرين يتعهدون بالضغط حتى يحصلوا على الحكم المدني. وورد في التقرير أنه بعد الإطاحة بالرئيس السوداني عمر البشير، تجمع أفراد من الجيش السوداني في أحد الشوارع مع المتظاهرين في وسط الخرطوم في 11 أبريل 2019، دعمًا للمدنيين. وأكدت المجلة- في هذا التقرير أن ما حدث في السودان ما هو إلا انقلاب عسكري.
بحلول اليوم الرابع على حدوث الثورة في السودان- نشرت الفورين البوليسي مقالًا لريبيكا هاميلتون (أستاذة مشاركة في كلية الحقوق بواشنطن بالجامعة الأمريكية)، يحمل عنوانا مجازيا، يمكن ترجمته حرفيا على النحو التالي: “يتطلب الأمر قرية لتكوين وحش”. تتلخص أفكار هاميلتون في أن عمر البشير رحل، لكنه لم يكن أبدًا مفتاح القمع في السودان منذ البداية. وأنه خلال 30 عامًا من حكمه الاستبدادي، أشرف على مقتل الملايين من المواطنين السودانيين. كما أشرف على إنشاء ميلشيات دمّرت ،بالوكالة، مجتمعات في جميع أنحاء البلاد، وعزز جهازًا أمنيًا لا يرحم، قام بتعذيب الآلاف من المعارضين. وأنه مع ذلك، فإن زوال هذا الشرير لم يكن يتخيله العديد من المراقبين العاديين في الغرب.”
بعد مضي أسبوعين من التغيير في السودان- طرحت الفورين بوليسي وجهة نظر جديدة- تخص المرأة في السودان. وقد كانت بعنوان: “البيت الأبيض لن يمكّن النساء، لكن احتجاجات السودان ستمكنهن”. كتبتها: سيسونكي مسيمانج. وملخص فكرة وجهة النظر هذي- تتضح في المشهد المتناقض، الذي يخبر أنه في هذا الشهر (أبريل 2019)- كانت إيفانكا ترامب في أديس أبابا، للترويج لبرنامج تمكين المرأة الأمريكي العالمي. وهي تتحدث عن خطتها لدعم 50 مليون امرأة في البلدان النامية بحلول عام 2025. وفي هذا الأثناء، في السودان المجاور، كانت النساء يعززن أنفسهن، ويقفن على السيارات والمسارح، ويهتفن بثورة سلمية. وأنه في الأسبوع الذي قادت فيه النساء السودانيات مهمة الإطاحة بالديكتاتور- بدت الولايات المتحدة بعيدة كل البعد عن ما تريده النساء في جميع أنحاء العالم.
شهد الثاني من مايو 2019- نشر مقال في الفورين بوليسي بعنوان: “محاولة قوة شعب لتحدي التاريخ في السودان”. كتبه: جاستن لينش، وهو باحث ومحلل في واشنطن العاصمة. أشار فيه إلى أنه مع تعثر المحادثات بين المجلس العسكري والمدنيين، يقول المتظاهرون المحتشدون في الشوارع: إن هذا الذي يحدث لن يكون مجرد نتيجة أخرى للربيع العربي في السودان. كما أشار كاتب المقال إلى أنه بينما تجمع المتظاهرون في درجة حرارة عالية جدا في ما يسمونه بـ”المليونية” من أجل طرد المجلس العسكري من السلطة- كان منظمو المظاهرة يعلمون أن تاريخهم يطاردهم، وهو ماض مليء بانتفاضات الربيع العربي الفاشلة.
وبعد نحو شهر ويزيد قليلا من نجاح الثورة في السودان، أقبلت الفورين بوليسي على تقديم نبذة تعريفية عن محمد حمدان دقلو (بحميدتي). وكان العنوان المختار: “الرجل الذي أرهب دارفور يقود العملية الانتقالية المفترضة في السودان”. بقلم: جيروم توبيانا. حيث أبان أن حميدتي (نائب الرئيس البرهان)- كان مسؤولاً عن ميلشيات الجنجويد الوحشية. والآن هو صاحب القرار في الخرطوم. ورأى توبيانا أن هناك لغزاً وراء الطريقة، التي أصبح بمقتضاها قائد مليشيات الجنجويد غير المتعلم، أكثر قدرة من المتعلمين المتمرسين في السلطة العسكرية السودانية، مع العلم أنّ الجنجويد- جلبوا القتل والدمار إلى دارفور، حيث انخرطت في السرقة والقتل والاغتصاب فيها، وفي جنوب كردفان، وولاية النيل الأزرق. وبل صدّروا العنف إلى وسط السودان، فكان لهم دور في قمع المظاهرات في العاصمة في سبتمبر 2013. وأن حميدتي قائدهم في حقيقة الأمر، هو الإرث الأساسي لنظام البشير.
وبعد يومين فقط من نشر الفورين بوليسي للنبذة التعريفية لمحمد حمدان دقلو (حميدتي)، التي قصد بها التعريف بماضي هذا الرجل وحاضره، بل وخطورته في هذه المرحلة من تاريخ السودان- حوت صفحات المجلة مقالا بعنوان: “احتمالية العنف حقيقيّة للغاية”. بقلم جيفكوت أودونيل. أبان فيه أن المجلس العسكري الانتقالي في السودان، الذي تحرك بسرعة لملء الفراغ، الذي تركه الرئيس السابق عمر البشير، لا يتطلع إلى الخروج من دائرة الضوء، والسماح بالانتقال إلى الديمقراطية بقيادة مدنية حتى الآن. وأشار أودونيل إلى أنه كان الجانبان (العسكري والمدني)على وشك إبرام اتفاق لتشكيل مجلس تشريعي جديد مكون من 300 مقعد، سيحكم البلاد لمدة ثلاث سنوات قبل إجراء الانتخابات، ولكن هذا لم يتم.
شهد 22 مايو 2019- كتابة تقرير خاص لمجلة الفورين بوليسي، بقلم: جاستن لينش حمل عنوان: “الثورة المضادة تبدأ في السودان”، ملخصه: أن الثورة المضادة في السودان- بدأت تنشط وسط جمود المفاوضات بين قوى إعلان الحرية والتغيير (قحت) والمجلس العسكري. وأن هناك انقساما وسط قوى إعلان الحرية والتغيير بشأن المفاوضات مع المجلس العسكري، بين موافقين على تقاسم السلطة مع العسكريين، ومعارضين للفكرة تماما. وأن الجيش والقوى النظامية في السودان لا يشكلان وحدهما الثورة المضادة، إذ إن هناك جماعات “إسلامية متطرفة”- تمثل ثورة مضادة. إضافة إلى ذلك فإن موقف الدول الغربية، متباين بين رفض الاعتراف بالمجلس العسكري، إذا احتفظ بالسلطة، ومواقف أقل “تشددًا”. وأن الموقف الأميركي، يتصف بالتردد، أو حالة اللا موقف.
“واشنطن تدير ظهرها للسودان”، كان هذا هو المقال الذي نشره كاميرون هدسون، على صفحات الفورين بوليسي. وقد ذهب فيه إلى أنه لا ينبغي للولايات المتحدة- أن تتخلى عن السودانيين في أشد أوقات حاجتهم إليها. وعلل وجهة نظره هذه بالقول: “إن العالم احتفل في أوائل أبريل (2019) عندما انتهت دكتاتورية عمر البشير، التي استمرت 30 عامًا في السودان، وانتهى الأمر باعتقاله من قبل جيشه.” واستدرك هدسون أنه بعد مرور ما يقرب من شهرين على سقوط البشير من السلطة- بدأت قوات الأمن جهدًا جديدًا، هذا الأسبوع (الذي حدث فيه فض اعتصام القيادة) لكسر ظهر حركة الاحتجاج السلمية، التي أدت إلى الإطاحة به. وأنه مع ارتفاع عدد القتلى من أعمال العنف هذا الأسبوع (بدءًا من 3 يونيو 2019) إلى أكثر من 100 شخص، ومع وجود مئات آخرين من الجرحى والمفقودين.
شهدت خواتيم شهر يونيو 2019- نشر الفورين بوليسي تقريرا بعنوان: “سعياً لتأمين السلطة، الحاكم العسكري في السودان يستأجر مساعدين للضغط”، كتبه: جاستن لينش وروبي جرامر، تبنيا فيه فرضية، مفادها، أن كبار الجنرالات في الجيش السوداني- يتوسطون في صفقة بملايين الدولارات مع شركة كندية ابتغاء تأمين سلطتهم. وفي تفاصيل هذه الفرضية أنه يتواصل القادة العسكريون السودانيون، بشكل متزايد خارج حدود بلادهم، للحصول على مساعدة من جماعات الضغط، ودول الخليج الغنية، إضافة عضو سابق في الكونجرس الأمريكي، لتعزيز شرعيتهم، وسيطرتهم في البلاد في أعقاب ما سمياه انقلاب (11 أبريل 2019) الذي يمثل تغييرًا ثوريًا لدى القوى المدنية.
بعد أن نشرت الفورين بوليسي- نبذة عن محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بتاريخ 14 مايو 2019- ووصفته بأنه الرجل الذي أرهب دارفور، وأنه كان مسؤولاً عن ميليشيات الجنجويد الوحشية، وأنه الآن هو صاحب القرار في الخرطوم- ها هي تفتح صفحاتها مجددا للحديث عن هذا الرجل، في مقال تحت بعنوان: “من راعي جمال إلى دكتاتور”. بقلم: أليكس دي وال، المدير التنفيذي لمؤسسة السلام العالمي. يحكي فيه عن استراتيجية الخرطوم طويلة الأمد، لتكريس الحروب الأهلية في السودان، من خلال تمكين وإعادة الميليشيات القبلية، مثل: ميليشيا الجنجويد الدارفورية سيئة السمعة. وأخيراً، من خلال تمكين الجنرال محمد حمدان دقلو “حميدتي”. ويخلص الكاتب إلى أنه مع صعود حميدتي- انقلبت السياسة السودانية رأساً على عقب.
وبعد أسبوع من حديث الفورين بوليسي عن محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وحكاية تحوله “من راعي جمال إلى دكتاتور”، ومن ثم أصبح صانعا للقرار في الخرطوم. تم إكمال صورة هذا الرجل، عبر مقال، كُتب بقلم جيروم توبيانا، مستشار شؤون اللاجئين في منظمة أطباء بلا حدود، تحت عنوان: “كيف أصبحت دارفور صانعة للملوك في السودان”. تحدث فيه بوضوح عن الطريقة، التي يستخدمها محمد حمدان دقلو (حميدتي) الرجل القوي في البلاد- انطلاقا منطقة دار فور (صانعة للملوك في السودان)؛ لتعزيز حكمه للسودان عامة. كما تحدث عن أحوال بعض اللاجئين الدار فوريين في بعض دول غرب إفريقيا، ونية الكثير منهم- العزم على التوجه إلى أوروبا.
نشرت الفورين بوليسي في بداية الأسبوع الأخير من شهر يوليو 2019- معلومات حصرية، نقلها إلى المجلة روبي جرامر. تحت عنوان: “الولايات المتحدة ترفض فرض عقوبات على السودان”. وقد ورد ضمن تلك المعلومات: أن إدارة ترامب تخشى، أو ربما تراجعت عن أن اتخاذ إجراءات ضد المجلس العسكري لقتله المتظاهرين، لأن ذلك قد يؤدي إلى تقويض محادثات السلام. وأن الولايات المتحدة أوقفت خططًا لفرض عقوبات على قوات الأمن السودانية؛ بسبب مذبحة المتظاهرين (فض اعتصام القيادة)؛ من أجل تمهيد الطريق لاتفاق تقاسم السلطة بين القادة العسكريين والمدنيين. وخلص روبي جرامر إلى أن الولايات المتحدة- حرصت، على عدم اللجوء إلى معاقبة السلطة في الخرطوم؛ وذلك لأن أولوياتها تتمثل في دعم محادثات السلام بين الفرقاء، وتهيئة الجو لاتفاق تقاسم السلطة بين العسكريين والمدنيين.
نشرت مجلة الفورين بوليسي في الخامس من أغسطس 2019- تقريرا خاصا للباحث جاستن لينش، بعنوان: “كيف تغلب الجيش السوداني على الثورة”. أشار فيه كاتب التقرير إلى أن المتظاهرين السودانيين- أرادوا الإطاحة برئيسهم ونظامه (البشير ونظام الإنقاذ)، ولقد كانوا نصف ناجحين فقط في ما سعوا إليه. وقد حالت عوائق جمة دون إكمال هذا النجاح، تتمثل في أن الجيش وظّف الثورة لمصالحه، وسعى إلى إبعاد المدنيين عن السلطة. وأضاف جاستن لينش أنه ليس من المفاجئ أن تكون الاحتفالات بالدستور الانتقالي الجديد للسودان، والذي تم التوقيع عليه بالأحرف الأولى- هادئة إلى حد ما في شوارع الخرطوم، فهذه الاحتفالات بمثابة بارقة أمل للقوى المدنية، لتأسيس الدولة المدنية في هذا الظرف المعقد من تاريخ البلاد.
تلخيصا لما سبق عرضه من أعمال صحفية- نشرتها الفورين بوليسي في هذه الفترة (11 أبريل 2019 حتى 20 أغسطس 2019)- التي تعد جزءًا مهمًا من بيئة ما قبل حرب 15 أبريل 2023؛ كما تعد فصلًا أساسيًا في سرديتها لرسم المشهد السياسي لهذه الفترة- يمكن القول إن المجلة اعتمدت، على إبراز عدد من القضايا، لعل أهمها:
أولا: قضية نجاح الثورة، الذي عدته حدثا مفاجئا، فركّزت عدستها على سودان ما بعد ثورة ديسمبر 2018، بعد أن كانت تهمل ما يجري فيه من أحداث. وذلك أنها بدأت الكتابة والنشر عن هذه القضية في أول يوم حدث فيه التغيير، واليوم الذي يليه، واستمرت في الكتابة عنه بعد ذلك تباعا، بحسب المستجدات النوعية على ساحة السودان.
ثانيا: قضية تسمية ما أحدثته الاحتجاجات الثورية، حيث تساءلت عنه، أهو تحول ديمقراطي أم مسرحية لإعادة الجيش مرة أخرى للسلطة؟ وقد استقر رأيها على تسميته بالانقلاب، وجعلت الفصائل العسكرية في البلاد- تتنافس على السلطة بعد هذا الانقلاب. على أنه في مرحلة تالية- اعتبرت أن ما حدث في السودان نصف ثورة، لأنه بعد الإطاحة بالبشير- آلت إلى القوى المدنية نصف سلطة المرحلة الانتقالية.
ثالثا: قضية نهاية حكم البشير، وتركيزها على ما قام به قمع، ومن إنشاء لجهاز أمن باطش، وإشرافه على مقتل الملايين! وأنه لم يكن من يقمع وحده، بل معه آخرون، كانوا معه، وجاؤوا بعده. في إشارة إلى اتهام المكون العسكري بفض اعتصام القيادة في 3 يونيو 2019. وأنه عمل على إنشاء ميلشيات بالوكالة، دمرت العديد من مجتمعات بلاده. وأنه لم يتوقع زوال حكمه، بل إن الغرب ذاته لم يتوقع زوال هذا الحكم.
رابعا: قضية عدم اهتمام أمريكا وعدم اكتراثها لقضايا النساء في السودان، وذلك أنها لم تسع إلى تمكينهن، على الأقل من خلال برنامجها العالمي، الذي بشّرت به النساء في الدول النامية. وفي المقابل فإن الاحتجاجات والمشاركات الثورية إبان هذه الفترة- قامت بهذا الدور، وذلك من خلال الجهود، التي قمن بها ضد نظام الإنقاذ، إذ كن جزءا أصيلا في التغيير، الذي حدث في البلاد.
خامسا: قضية المصادمة المستمرة بين المجلس العسكري والمدنيين. وتعد هذه المصادمات إحدى الركائز، التي تطورت في نهاية المطاف إلى مليونيات احتجاجية. وقد بينت هذه المصادمات- أن القوى المدنية تتحدى تاريخ بلادها. وقصد بذلك أنه من طبيعة الأشياء، عندما تحدث ثورة في السودان، تنتقل السلطة إلى العسكريين، لفترة محددة، ثم تعقد انتخابات وبعد ذلك تسلم السلطة كاملة للمدنيين.
سادسا: قضية محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الذي كتبت عنه مقالات- لخصت تاريخه الوحشي في دار فور، ونقله فظائعه من دارفور إلى جنوب كردفان والنيل الأزرق، بل إلى الوسط في العاصمة. وتساءلت المجلة عن الطريقة، التي استطاع بها هذا الرجل غير المتعلم، أن يكون صاحب القرار في الخرطوم؟ وكيف تحول من قائد ميلشيا إلى حاكم؟ وكيف تحول من راعي جمال إلى دكتاتور؟ إنها هبة دارفور التي تصنع الملوك!
سابعا: قضية الثورة المضادة، التي تم إرجاع بروزها إلى جمود المفاوضات بين قوى إعلان الحرية والتغيير (قحت) والمجلس العسكري. وحددت المجلة الجهات، التي تشكل تلك الثورة المضادة بالجيش والقوى النظامية، وبجماعات إسلامية متطرفة- نشأت و ترعرعت في فترة حكم الإنقاذ، وقد حملّت المجلة هذه الثورة المضادة- ما حدث من فض لاعتصام القيادة وما آلت إلى أوضاع السودان من عنف عقب نجاح ثورة ديسمبر 2019.
ثامنا: قضية فضّ اعتصام القيادة، كحدث قصد منه كسر ظهر حركة الاحتجاجات السلمية. واعتبار هذا الحدث إنقاذيا من الدرجة الأولى، يعيد إلى الأذهان الفظائع، التي ميّزت عهد الإنقاذ. ووفقا للمجلة فإن أمريكا استخدمت الحكمة في التعامل مع هذا الحدث، وعملت على تجنب فرض عقوبات على السودان؛ لأنها كانت ترى أن الأولوية للسلام، والحثّ على اقتسام السلطة بين القادة العسكريين والمدنيين.
تاسعا: قضية سعي تأمين السلطة للحاكم العسكري في السودان. وهي فرضية تحتاج إلى أدلة تدعمها. ويشار إلى أن هذا التأمين- تم عبر مساعدة من جماعات الضغط، ودول الخليج الغنية، وعبر عضو سابق في الكونغرس الأمريكي للسيطرة على البلاد. وربما تكون هي الفكرة نفسها، إن صحت، التي استلهمها عبد الله حمدوك حين استقدم بعثة أممية لدعم الانتقال المدني بالسودان في فبراير 2021، بقيادة فولكر بيرتس.
عاشرًا: قضية توقيع اتفاق السودان، إذ شهدت نهاية هذه الفترة- توقيع ما يسمى باتفاق السودان بين المجلس العسكري، وقوى إعلان الحرية والتغيير (قحت) في 5 يوليو 2019. ويتوقع أن يكون للاتفاق (الذي سمي بالوثيقة الدستورية) حضور في الفورين بوليسي في تغطيتها للفترة التالية، التي سنتناول فيها أحداث ما بين تشكيل الحكومة الانتقالية (21 أغسطس 2019)، وإجراءات البرهان التصحيحية التي سماها معارضوه انقلابًا (25 أكتوبر 2021).

