في خضم الحرب التي تضرب السودان و التيه الذي تعيشه مؤسساته المالية والإدارية أعلن البنك المركزي عن طرح فئات نقدية جديدة في خطوة أثارت جدلًا اقتصاديًا واسعًا حيث طرحت موجه من الأسئلة الجوهرية حول جدوى القرار في ظل انهيار منظومة الإنتاج واتساع رقعة التضخم وتراجع ثقة المواطن في العملة المحلية.
الخطوة التي كان يمكن أن تبدو إجراء نقديًا عاديًا في الظروف الطبيعية ولكن الآن أصبحت محملة بأبعاد سياسية واقتصادية عميقة تعكس طبيعة اللحظة المأزومة.
اقتصاد منهك… وكتلة نقدية بلا قيمة حقيقية:
يعاني السودان حاليا من تضخم متسارع وانكماش في القطاعات الإنتاجية وتشتت للسلطة النقدية بين مناطق الحرب وخارج النظام المصرفي حيث تتكدس سيولة ضخمة تدير اقتصادًا موازيًا يبتلع الجزء الأكبر من النشاط التجاري، و في مثل هذا المشهد يصبح التعامل بالفئات القديمة مرهقا ولكن الحلول السهلة غالبًا تخفي مشاكل أكبر.
الدوافع الحقيقية للقرار:
يطرح البنك المركزي الفئات الجديدة لأسباب عملية تتمثل في:
1. مواجهة تضخم جعل الفئات الصغيرة غير ذات جدوى.
2. تسهيل العمل التجاري وتقليل تكاليف الطباعة.
3. إظهار قدرة مؤسسات الدولة على الاستمرار.
غير أن هذا القرار من منظور اقتصادي لا يمكن عزله عن ظروف الدولة لأن قوة العملة لا تحددها الورقة المطبوعة إنما النظام الاقتصاد الذي يقف خلفها.
هل القرار إيجابي في ظل الحرب؟
إيجابيته محدودة لأن الفئات الجديدة وحدها لا تعالج جذور الأزمة، قد تسهل المعاملات اليومية وتحد من الفئات التالفة لكنها في المقابل تحمل مخاطر كبيرة مثل:
1. رفع توقعات التضخم بمجرد دخول الفئات الكبيرة للسوق.
2. زيادة نزوح المواطنين نحو الدولار والذهب.
3. تعزيز سيطرة الاقتصاد الموازي على حركة النقد.
4. تآكل أكبر في الثقة بالعملة المحلية.
إذا الخطوة تعد مجرد إدارة لوضع غير متزن.
هل يمكن أن تساهم الفئات الجديدة في خفض التضخم؟
من الناحية العلمية يمكن أن تكون الإجابة بـ(لا)، إذ أن التضخم في السودان اليوم ليس تضخمًا ناتجًا عن زيادة السيولة، إنما عبارة عن انهيار الإنتاج وارتفاع تكاليف (اللوجبستيك) عمومًا وتعطل شبه كامل لسلاسل الإمداد، فطباعة ورق جديد لا ينتج سلعة ولا يضيف قيمة ولا يرفع الإنتاج. بالتالي فإن تأثيره على التضخم سيكون محدودًا أو حتى عكسيًا.
الأبعاد السياسية للخطوة
يحمل القرار بعدًا سياسيًا لا يمكن تجاهله ،فالدولة تسعى عبر الفئات الجديدة تريد أن تسيطر على السيولة النقدية و الاتجاه نحو التعاملات الإلكترونية، أو إرسال رسالة بأنها ما تزال ممسكة بالمشهد المالي وأن البنك المركزي يعمل رغم الحرب وأن هناك محاولة لفرض نظام نقدي موحد في بيئة غير مستقرة.
لكن السياسة لا تستطيع وحدها أن تعيد الثقة في غياب رؤية اقتصادية متماسكة تتسم بالشكل التنسيقي.
ما المكاسب المحتملة للمواطن والدولة؟
قد يستفيد المواطن من سهولة التعامل النقدي وتراجع الحاجة لحمل كميات كبيرة من النقود ولكن أثر ذلك سيبقى سطحيًا أمام أزمة الأسعار وضعف الدخل، أما الدولة فقد تستفيد من توحيد السيولة وتقليل تكاليف الطباعة ولكنها لن تنجح في ذلك دون رقابة مشددة واستعادة السيطرة على السوق.
فبطرح الفئات النقدية الجديدة خطوة ذات دلالة سياسية أكثر من كونها إصلاحًا اقتصاديًا، وفي اعتقادي لن تساهم في خفض التضخم أو تحسين معيشة المواطن ما لم تصاحبها خطة شاملة لإعادة بناء مؤسسات الدولة وضبط الإنفاق العام الحكومي و كبح جماح السوق الموازي وإعادة الثقة في الجهاز المصرفي.
فالعملة الجديدة ليست حلًا للأزمة… هي مجرد ورقة جديدة في اقتصاد يحتاج إلى إعادة بناء من جذوره.

