Popular Now

وجه الحقيقة | عود لينا يا ليل الفرح… .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

سلسلة مقالات الحرب على السودان .. التقرير الاستراتيجي(4) .. مؤشرات النهاية: العلامات العسكرية والسياسية التي تسبق حسم الحروب الداخلية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

أصل القضية | حين تُقصى الكفاءة .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر

سلسلة مقالات الحرب على السودان .. (المقالة الحادية عشر) ..«الأرض تستغيث والإنسان ينهار: قراءة في تصاعد الكارثة الإنسانية تحت قبضة المليشيات» .. إعداد: د. الزمزمي بشير عبد المحمود

مقدمة: حرب تبتلع الإنسان والمكان
لم تعد الحرب في السودان مجرد صراع على السلطة أو الأرض، بل تحولت إلى مأساة شاملة تهدد الوجود الإنساني والبيئي والاجتماعي معاً. بين تمدّد الانتهاكات، وانهيار الخدمات، وتفكك مؤسسات الدولة، تبرز معاناة المدنيين كالعنوان الأكبر لهذه المرحلة. وفي ظل غياب ردع دولي حقيقي، تتوسع دائرة الكارثة يوماً بعد يوم.

انتهاكات ممنهجة ضد النساء: جراح مفتوحة تحت صمت العالم

في إطار اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة، دشّنت منظمة (مشاد) حملة واسعة بمحلية الدبّة لدعم النساء المتأثرات بالانتهاكات التي ارتكبتها مليشيات الدعم السريع في ولايات عدة. وقد وزّعت المنظمة 2,800 حقيبة صحية، إلى جانب دعم مالي مباشر بقيمة 100 ألف جنيه لكل سيدة، ليصل عدد المستفيدات إلى 3,100 امرأة.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل شهادة دامغة على حجم العنف الموجّه ضد النساء في مناطق النزاع، حيث تتعرض آلاف السيدات لانتهاكات مركّبة تشمل العنف الجسدي والنفسي والحرمان من الخدمات الصحية الأساسية.

مأساة مخيم عطاش: انهيار نفسي في بيئة بلا حماية

شهد مخيم عطاش للنازحين في نيالا حادثة انهيار نفسي انتهت بفقدان الحياة، وهي الأولى من نوعها داخل المخيم. ورغم تجنب الدخول في تفاصيل الواقعة احتراماً للضوابط الإنسانية، إلا أن الحادثة تعكس بيئة متوترة تنعدم فيها الرعاية، ويعيش فيها النازحون تحت ضغط الخوف والعوز والتهجير المتكرر.

هذه الأجواء تولّد مستويات عالية من اليأس، في ظل غياب خدمات الدعم النفسي والاجتماعي التي تُعد ضرورة في بيئات النزوح الممتدة.

صرخة مناوي: «الإبادة الجماعية تجري أمام العالم»

بعث حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي رسائل استغاثة عبر حساباته الرسمية، موجهاً نداءات عاجلة للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن والهيئات الدينية والإنسانية، محذراً من أن «الإبادة الجماعية تجري الآن في بابنوسة».

وتعكس رسائل مناوي حالة الانهيار الكامل للحماية المدنية في الإقليم، في ظل توسّع العمليات العسكرية والانتهاكات التي تستهدف المدنيين بشكل مباشر.

الفاشر… مدينة تختنق: مقابر جماعية واعتقالات واسعة

أصدرت المقاومة الشعبية بشمال دارفور تقريرها الإنساني الأول عقب سقوط مدينة الفاشر، كاشفةً عن مشاهد صادمة تتعلق بانتهاكات واسعة تُنسب لقوات الدعم السريع، من بينها:

  • مقابر جماعية في عدة مواقع.
  • حرق جثث في أماكن قريبة من المرافق الصحية.
  • خروج المستشفيات عن الخدمة بالكامل.
  • اعتقال آلاف المدنيين ونقلهم يومياً إلى سجن (دقريس) في نيالا.
  • اكتظاظ مريع بسجن (شالا) مع تفشّي مرض الكوليرا.
  • تحويل المستشفيات والمنشآت المدنية إلى مراكز احتجاز وتحقيق.
  • منع الأهالي من معرفة مصير المحتجزين.

ويمثل هذا التقرير واحداً من أشد الإشارات خطورة على تدهور الوضع الإنساني في دارفور منذ اندلاع الحرب.

جريمة العطش في غرب كردفان: سرقة الألواح الشمسية وإطفاء الحياة

أفادت غرفة طوارئ دار حمر بأن ميلشيا الدعم السريع نهبت 280 لوحاً شمسياً كانت تغذي آبار الخط الناقل لمنطقة أم البدري في ولاية غرب كردفان. أدت العملية إلى توقف إمدادات المياه بالكامل، ما يهدد آلاف الأسر بعطش قاتل في منطقة صحراوية لا تملك بديلاً.

ويمثل استهداف مصادر المياه جريمة مضاعفة، إذ يُعد الماء الحاجز الأخير أمام الانهيار الكامل للحياة في المناطق الريفية.

قافلة «لستم وحدكم»: مبادرة من القاهرة لدعم النازحين

أطلقت مجموعة «إعلاميون لأجل السودان» في القاهرة قافلة إنسانية تحمل اسم «لستم وحدكم» لدعم النازحين من الفاشر وكردفان. وستتجه القافلة منتصف ديسمبر إلى معسكرات الدبة وأم درمان، بمشاركة واسعة من الإعلاميين ورجال الأعمال والجهات الإنسانية.

وتدل هذه الخطوة على أن المجتمع السوداني – رغم الانكسار – لا يزال قادراً على إظهار تماسك إنساني في مواجهة محنة وطنية تتجاوز قدرة المؤسسات الحكومية.

الحرب تلتهم الغطاء الغابي: كارثة بيئية صامتة

تكشف تقارير ميدانية حديثة أن الحرب الحالية عمّقت من أزمة إزالة الغابات في السودان. ومع غياب الطاقة المنزلية وانعدام الغاز، تحوّل الخشب والفحم إلى الوقود الوحيد للطبخ والتدفئة، مما أدى إلى:

  • قطع جائر للغابات المحجوزة.
  • تدهور سريع للغطاء البيئي في دارفور وكردفان وولايات الوسط.
  • استنزاف غابات ولايات الاستقبال مثل القضارف وكسلا.

هذه الكارثة البيئية تضع مستقبل السودان في مواجهة خطر التصحر وانهيار الإنتاج الزراعي والمائي، وهي آثار ستمتد لسنوات بعد توقف الحرب.

الدبلوماسية السودانية تكشف حجم الدمار أمام AARDO

في الهند، قدم سفير السودان د. (محمد عبد الله علي التوم) إحاطة كاملة للأمين العام للمنظمة الأفريقية الآسيوية للتنمية الريفية (AARDO)، تركز على الدمار المتعمد للبنية التحتية الذي طال الطرق والخدمات والمشروعات الريفية نتيجة تمرد ميلشيا الدعم السريع.

وتعكس هذه التحركات رغبة الخرطوم في توثيق الانتهاكات دولياً وكسب دعم تنموي وإنساني عاجل.

تحليل سياسي للوضع الإنساني حرب تتحول إلى «مشروع تفكيك شامل»

تشير المعطيات الميدانية والإنسانية إلى أن الحرب الحالية تجاوزت الصراع التقليدي بين قوات نظامية وميلشيا متمردة، إلى حالة من التفكيك الاجتماعي والمؤسسي المنهجي. ويمكن تلخيص أبرز الملامح السياسية في الآتي:

أولاً: عسكرة الحياة المدنية

تحويل المستشفيات والجامعات والمدارس إلى مراكز احتجاز وتحقيق يعكس رؤية خطيرة لإحلال الفوضى مكان الدولة.

ثانياً: استهداف البنية التحتية

من مياه غرب كردفان إلى مؤسسات دارفور، يتكشف نمط صريح يقوم على تجريد المناطق من قدرتها على البقاء.

ثالثاً: تفريغ المدن من سكانها

المقابر الجماعية، الاعتقالات، النزوح القسري، كلها مؤشرات على محاولة فرض «تغيير ديموغرافي» وفق منطق السيطرة العسكرية.

رابعاً: انهيار الأمن الإنساني

الحوادث النفسية، العنف ضد النساء، تفشي الأمراض، كلها نتائج لتراجع كامل للحماية والرعاية.

خامساً: فشل المجتمع الدولي

رغم كثافة التقارير والتحذيرات، ما زال العالم يكتفي بالبيانات، بينما يشهد السودان واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في القرن الحالي.

خاتمة: السودان بين أنقاض الحرب وأمل المقاومة المدنية

تظهر الوقائع أن الإنسان السوداني أصبح اليوم في قلب معركة من أجل البقاء، وأن الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل مشروع يهدد الهوية والبيئة والمجتمع. ومع ذلك، فإن مبادرات الدعم المحلية والدولية، واستمرار التوثيق والمقاومة المدنية، تبقى خطوط الدفاع الأخيرة عن ما تبقى من الوطن.

السودان يعيش أخطر لحظاته، لكن التاريخ يثبت أن الشعوب التي لا تستسلم قادرة على إعادة بناء نفسها مهما بلغ الخراب

البريد الإلكتروني: bshir057@gmail.com

المقالة السابقة

السودان وبابنوسة بين العلم والألم .. بقلم/ اللواء (م) مازن محمد اسماعيل

المقالة التالية

وجه الحقيقة | الجيش حَكَم.. لا عزاء للسابلة والمخذّلين ..بقلم/ إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *