الدولة لا تسقط عادةً بقرارٍ كبير، ولا تُستعاد بخطابٍ عظيم.
الدولة تتآكل…ثم تُبنى…
في التفاصيل.
في نافذة موظف،
في زمن إجراء،
في نبرة مخاطبة،
في ختمٍ مقفول في درج والموظف لن يحضر اليوم … أو تأخّر.
وهنا يقع أخطر سوء فهم في وعينا السياسي:
أن إصلاح الدولة يبدأ من الأعلى فقط،
بينما يراها المواطن كل يوم من حيث يعيش… لا من حيث تُدار.
أولًا: وهم القمّة … حين نُراكم القرارات وننسى الأثر
نحب القمم.
نحتفي بتغيير الوزراء،
وتبديل المواقع،
وإعلان الاستراتيجيات،
ورفع الشعارات.
وشيطنة كل من يخالف الرأي أو يقول الحقيقة أو يقترب من ملف فساد.
لكن يا أيها الجهاز التنفيذي هل تعلم أن المواطن لا يعيش في القمّة.
هو يعيش في: صف الخبز،
الكهرباء والمياه،
رسوم الدراسة،
نافذة الخدمة،
مركز الشرطة،
المستشفى،
الجامعة،
ووسيلة المواصلات.
إن لم تتغيّر هذه المساحات،
فلن يشعر أن الدولة تغيّرت…
مهما تغيّرت الوجوه،
ومهما حسُنت النوايا.
ثانيًا: التفاصيل ليست صغرى… بل سياديّة
في الدول الراسخة،
لا تُقاس السيادة فقط بالحدود، بل بقدرة الدولة على إدارة اليوم بلا إذلال.
حين: تُنجز المعاملة في وقتها،
يُحترم الدور،
يُطبَّق القانون بلا مزاج،
تُفسَّر الإجراءات بوضوح،
فإن الدولة تقول للمواطن – دون خطاب – أنا موجودة… وأعمل لأجلك.
وهذه رسالة سياسية أعمق من ألف بيان.
وهنا أسأل سؤال لحكومة الأمل:
●أين هي من ملف الكوادر الوسيطة وزارة الخارجية ٢٠١٧م والذين أكملت مفوضية الاختيار للخدمة المدنية القومية كل متطلبات تعيينهم؟ من يستمع لهم؟
هذا ملف من ضمن ملفات عالقة قانونًا تسمى القرارات فيها بالقرارات الإدارية السلبية والتي لا تسقط معها الحقوق.
ثالثًا: كيف يمكن أن تخسر حكومة الأمل معركة التفاصيل؟ (تقدير موقف)
حكومة الأمل لا تُهدَّد اليوم بسقوطٍ سياسي مباشر،
بل بخسارةٍ صامتة…
خسارة معركة التفاصيل.
ففي الواقع العملي،
تتقدّم البيروقراطية بوصفها “تنظيمًا”،
لكنها – في كثير من الأحيان – تتحوّل إلى تعسّف مُقنّع.
القانون حاضر كنص، لكن غائب كروح.
الإجراء موجود، لكن بلا معنى.
السلطة تُمارَس،
لكن دون وعي بالحدود.
وهنا تُفرَغ النصوص من مقاصدها،
ويُختزل الحق في تفسير الموظف،
ويُترك المواطن في منطقة رمادية
لا يعرف فيها: ما له…وما عليه.
اليوم، إن سألت أي مواطن سوداني:
ما هي واجباتك تجاه حكومة الأمل؟
سيجيبك فورًا بتلك العبارات التي ترددها الحشود: الالتزام،الصبر،الدعم والوقوف مع الدولة.
لكن إن سألت السؤال المقابل:
ما هي حقوق المواطن عند حكومة الأمل؟
فإن الإجابة تُؤجَّل…
أو تُعمَّم…
أو تُترك لتقدير السلطة ذاتها.
وهنا مكمن الخلل العميق: حين تُطالِب الدولة المواطن بواجباته،
دون أن تُعرِّفه بحقوقه، فإنها لا تبني علاقة…
بل تُراكم احتقانًا صامتًا.
◾ أخطر أنواع الغباء هو أن تعتقد أن الآخرين حريصون على إخبارك الحقيقة.
وحين لا تُقال الحقيقة للمواطن بوضوح،
فإنه لا يتمرّد… بل ينسحب نفسيًا من فكرة الدولة.
رابعًا: إصلاح القمّة دون التفاصيل = وهم انتقال
إصلاح القمّة دون إصلاح التفاصيل يشبه تغيير رأس الساعة
مع بقاء التروس معطوبة.
النتيجة: وقتٌ مُعلَن…لا وقت فعلي.
ولهذا فشلت مراحل كثيرة في السودان:
رفعت سقف التوقّعات، لكنها لم تُغيّر تجربة المواطن اليومية.
فالدولة لا تُقاس بنيّتها، بل بما يختبره الناس منها كل يوم.
وهنا سؤال للجنة العليا لإعادة إعمار ولاية الخرطوم:
●أين هي خطة اللجنة لإعادة الإعمار؟ وأين اللجنة ذاتها من هندسة الثقة مع المواطن وتشجيع العودة ؟
هذه الأسئلة نبذلها نصيحة لا قدحا فالجنة بحاجة لهندسة الثقة.
خامسًا: حين تُرهق الدولة مواطنيها
إن أخطر أنماط الاحتراق النفسي
ليس القمع المباشر، بل الاستنزاف الصامت.
لا يُجلَد المواطن…بل يُنهَك.
وفي السودان: لا رفض صريح في نافذة الخدمة،
ولا قبول واضح، بل انتظار طويل بلا تفسير.
لا حرمان مباشر، بل إجراءات تُنهك الجسد قبل المشكلة.
هكذا يتحوّل المواطن من مواطنٍ متطلّع، إلى مواطنٍ مُحتَرِق نفسيًا.
والاحتراق النفسي أخطر من الغضب،
لأنه لا يُنتج مقاومة…بل لا مبالاة.
سادسًا: الخرطوم العاصمة وحلم العودة
لا يقين،
لا ثبات،
ولا مؤسسات صلبة.
في السودان،
لم تصبح العلاقات فقط سائلة،
بل القوانين،
والإجراءات،
وحتى المسؤوليات.
لا أحد يعرف على وجه الدقة:
من يقرّر؟
من ينفّذ؟
ومن يُحاسَب؟
وحين يذوب الإطار المؤسسي، يفقد المواطن إحساسه بالزمن السياسي،
فيتراجع الانتماء ويبحث عن بدائل خارج الدولة.
وهذه دعوة نقدمها لصانع القرار بضرورة التفكير حول المجلس التشريعي واستكمال السلطات.
سابعًا: من منظور الجسر والمورد… من أين نبدأ؟
في رؤية الجسر والمورد: القمّة مهمّة، لكنها ليست نقطة البدء.
البداية هي: هندسة الثقة عبر التفاصيل.
كيف؟
تبسيط إجراء واحد واضح كل فترة
تمكين موظف الواجهة لا تحويله إلى شماعة
تعريف المواطن بحقوقه قبل مطالبته بواجباته
محاسبة صغيرة لكنها مرئية وعادلة
هذه ليست إصلاحات تقنية، بل رسائل سياسية صامتة.
ثامنًا: لماذا التفاصيل تصنع الوعي؟
لأن المواطن لا يبني موقفه من الدولة بالتحليل، بل بالتكرار.
إن تكرّر:
الإهمال : يتكوّن وعي الرفض
الاحترام : يتكوّن وعي الانتماء
العدالة : يتكوّن وعي الدفاع
> الوعي الوطني لا يُلقَّن…بل يُمارَس عليه.
#أصل القضية: حكومة الأمل ..
سؤالها ليس: هل نُصلح القمّة؟
بل: هل نملك الشجاعة لإصلاح الدولة من حيث يراها المواطن كل يوم؟
فالدولة التي تُهمل التفاصيل تخسر معركة الوعي بصمت.
أما الدولة التي تبدأ بالتفاصيل، فقد تتأخر في الخطاب لكنها تتقدّم بثبات في الشرعية.
وفي السودان،
لن تُستعاد الدولة بالشعارات، بل بتفصيلةٍ عادلة، واضحة، تُعيد للمواطن إحساسه
بأن هذه الدولة ما زالت تعنيه.
نواصل…

