مقدمة: حين تتحول الجغرافيا إلى قدر
يمثل القرن الإفريقي والبحر الأحمر اليوم إحدى أخطر بؤر الصراع الجيوسياسي في العالم، ليس فقط بسبب موقعهما الجغرافي الفريد، بل لأنهما باتا ملتقىً لتقاطع المصالح الدولية والإقليمية، ومسرحًا مفتوحًا لإعادة تشكيل النفوذ العالمي. فمن هذه المنطقة تمر شرايين التجارة الدولية، وتُصان أمن الطاقة، وتُدار حسابات الصراع العربي–الإسرائيلي، ويُختبر ميزان القوة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا.
أولًا: البحر الأحمر… طريق التجارة وساحة النفوذ
يُعد البحر الأحمر أحد أهم الممرات المائية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط والسلع بين الشرق والغرب، عبر مضيق باب المندب شمالًا إلى قناة السويس. أي اضطراب أمني في هذا الممر ينعكس فورًا على الاقتصاد العالمي، وهو ما يفسر الحضور العسكري الكثيف للقوى الكبرى، وتزايد القواعد الأجنبية على ضفتيه الإفريقية والآسيوية.
ثانيًا: السعودية ومصر… ثقل الاستقرار وأمن الطاقة
تلعب المملكة العربية السعودية دورًا محوريًا في أمن البحر الأحمر، ليس فقط باعتبارها أكبر مصدر للنفط عالميًا، بل لاحتضانها المقدسات الإسلامية، ما يمنحها ثقلًا دينيًا وسياسيًا فريدًا. أمن البحر الأحمر بالنسبة للرياض جزء لا يتجزأ من أمنها القومي وأمن الطاقة العالمي.
أما مصر، فهي الدولة المحورية الأخرى، بحكم سيطرتها على قناة السويس، وارتباطها الجغرافي والديمغرافي المباشر بالسودان. وتواجه القاهرة ضغوطًا استراتيجية متزايدة، في ظل محاولات تطويقها إقليميًا بذريعة “أمن إسرائيل”، وهو ما يضعها في قلب معادلة البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
ثالثًا: السودان… سلة الغذاء ومفترق المصالح
يُعد السودان أحد أهم بلدان القرن الإفريقي، ليس فقط لموقعه الجغرافي المشرف على البحر الأحمر، بل لكونه أكبر بلد يمر به نهر النيل، وامتلاكه أراضي زراعية شاسعة، يعتمد نحو 75% من إنتاجه الزراعي على الأمطار، إضافة إلى موارده المعدنية والنفطية. هذه المقومات جعلته ساحة تنافس بين القوى الدولية، ومحورًا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة لأمن البحر الأحمر أو الأمن الغذائي العالمي.
رابعًا: دول القرن الإفريقي… بؤرة الأزمات المزمنة
تُعد دول القرن الإفريقي من الأكثر حروبًا وصراعات وتدخلات دولية في إفريقيا، والأعلى من حيث:
النزوح واللاجئين
المجاعات وسوء التغذية
البطالة والهجرة غير الشرعية
وقد فشلت معظم الأطر الإقليمية والدولية في احتواء هذه الأزمات، بما فيها الإيغاد وغيرها من المبادرات، التي عجزت عن معالجة جذور الصراع.
خامسًا: إثيوبيا… طموح النفوذ وأزمات الجوار
تمثل إثيوبيا أحد أبرز مصادر التوتر في القرن الإفريقي، نتيجة طموحاتها الإقليمية المتصاعدة:
سعيها المحموم للحصول على منافذ بحرية، ومحاولاتها فرض نفوذ بحري رغم كونها دولة حبيسة.
صراعها التاريخي مع الصومال منذ عام 1976، وصولًا إلى تدخلها العسكري عام 2006، وما تلاه من تفكك الدولة الصومالية.
علاقاتها المثيرة للجدل مع “صومال لاند”، وتحالفاتها المتنامية مع إسرائيل والإمارات.
نزاعها الحدودي مع السودان واحتلالها لمنطقة الفشقة الزراعية.
صراعها الدموي مع إريتريا (1998–2000)، ومحاولاتها السابقة للحصول على ميناء عصب.
سادسًا: إسرائيل وإيران… صراع الظل في البحر الأحمر
أصبح البحر الأحمر ساحة غير معلنة للصراع بين إسرائيل وإيران:
وجود إسرائيلي متزايد عبر تحالفات أمنية واقتصادية في الضفة الإفريقية.
نفوذ إيراني مباشر في اليمن، وتحكم نسبي في باب المندب عبر جماعة أنصار الله. هذا الصراع يجعل أمن البحر الأحمر جزءًا من معادلة الأمن القومي الإسرائيلي، وأولوية ثابتة في الاستراتيجية الأمريكية.
سابعًا: من الحرب الباردة إلى صراع الأقطاب
لم تكن منطقة القرن الإفريقي بعيدة عن الصراع الدولي تاريخيًا، فقد كانت:
ساحة نفوذ غربي من جهة
وسوفيتي من جهة أخرى
واليوم تعود المنطقة إلى الواجهة، ولكن بصيغة جديدة، مع تمدد النفوذ الصيني والروسي، مقابل محاولات أمريكية لإعادة تثبيت الهيمنة، ضمن ما يمكن تسميته بـ صفقات ترامب لإعادة ترتيب العالم.
خاتمة: أمن البحر الأحمر… معركة المستقبل
إن أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي لم يعد شأنًا إقليميًا فحسب، بل قضية دولية بامتياز. ومن دون شراكة حقيقية بين الدول العربية ودول القرن الإفريقي، ستظل المنطقة رهينة للصراعات بالوكالة، وساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية.
في هذا السياق، تبدو “صفقات ترامب” محاولة لإدارة الانحدار الأمريكي، أكثر من كونها مشروعًا لصناعة الاستقرار، بينما يبقى السؤال مفتوحًا:
من يملك قرار البحر الأحمر؟ ومن يدفع ثمن الفوضى؟
سلسلة صفقات ترامب – (الحلقة السابعة عشرة) .. القرن الإفريقي والبحر الأحمر: عقدة الجغرافيا وصراع المصالح الدولية .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي
المقالة السابقة


