Popular Now

منشورات د. أحمد المفتي .. دور الكيانات الدينية ، والقبلية ، والادارات الاهلية ، في سودان الغد

مسارات .. بين الجوار والصراع: قراءة في مقولة د. محمد مختار الشنقيطي عن إيران وإسرائيل .. بقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

من قصص كليلة ودمنه : في دهـاقنة الديوان ولطف الوزيرة .. د. محمد حسن فضل الله

دراسة عن:مستقبل الإعلام الرسمي في السودان بعد حرب أبريل 2025:التحديات وإشكاليات النهوض واستعادة الثقة

مقدمة :
أدت حرب أبريل 2025 إلى تحولات بنيوية في الدولة السودانية، وكان الإعلام الرسمي أحد أكثر القطاعات تأثرًا. فلم يقتصر التأثير على الأضرار المادية، بل امتد إلى اهتزاز الثقة، وتراجع الحضور، وفقدان الدور المركزي في تشكيل الرأي العام. وفي ظل بيئة إعلامية مفتوحة عابرة للحدود، برزت تحديات غير مسبوقة أمام الإعلام الرسمي تتعلق بإعادة تعريف وظيفته ومكانته. تناقش هذه الورقة واقع الإعلام الرسمي في السودان بعد حرب أبريل 2025، في ظل الدمار المؤسسي، وهجرة الكوادر، وصعود المنصات الإعلامية البديلة، وتحول أنماط الثقة لدى الجمهور. وتهدف إلى تحليل إشكاليات النهوض المؤسسي واستعادة ثقة المشاهدين، ومواكبة التطور الإعلامي العالمي، وتقييم الاعتماد على الإعلام الجديد، وصولاً إلى توصيات استراتيجية لإعادة بناء إعلام رسمي قادر على أداء دوره الوطني في مرحلة ما بعد النزاع
السياق العام للإعلام الرسمي لما بعد الحرب
الدمار المؤسسي والبنية التحتية:
تعرضت مؤسسات الإعلام الرسمي، وعلى رأسها الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، إلى أضرار جسيمة شملت:تخريب الاستديوهات، فقدان معدات البث والإنتاج.انقطاع البث أو ضعفه. واضطراب التمويل.
فقدان الثقة في المؤسسات الإعلامية:
لم يقتصر التأثير على المباني والمعدات، بل طال الرصيد الرمزي للمؤسسة فقد تراجع الثقة الشعبية في مصداقية الخطاب الرسمي. وبرزت اتهامات بالسطحية وضعف المحتوى وادت الى انتقال الجمهور إلى مصادر بديلة. وأصبح فقدان الثقة تحديًا هيكليًا يهدد شرعية الإعلام الرسمي ذاتها.
فقدان المكتبة والأشيف والتوثيق:
تعرضت أجزاء من الأرشيف الإعلامي إلى: التلف أو الحرق أو النهب. فقدان التسجيلات التاريخية. ضياع وثائق سمعية وبصرية تمثل ذاكرة وطنية ويمثل ذلك خسارة معرفية وثقافية تتجاوز البعد الإعلامي، إذ إن الأرشيف هو الذاكرة الجمعية للدولة والمجتمع. وإعادة بنائه تتطلب مشروعًا وطنيًا للتوثيق الرقمي والاسترجاع.
فقدان الإعلاميين بسبب الوفاة أو الإصابة:
الحرب خلفت:استشهاد عدد من الإعلاميين أثناء أداء مهامهم. ،إصابات جسدية أعاقت آخرين عن العمل.،صدمات نفسية أثرت على الأداء المهني.،نزوح وهجرة واسعة للكوادر. وهذه الخسارة البشرية تمثل أخطر التحديات، إذ أن الإعلام يقوم أساسًا على رأس المال البشري لا على البنية المادية فقط.
تراجع القدرة على الإنتاج والإبداع:
نتيجة لضعف التمويل وفقدان الكفاءات وتهالك المعدات. وغياب بيئة الاستقرار.ادى الى تراجع:إنتاج البرامج النوعية .التحقيقات الاستقصائية.الأعمال الوثائقية. المحتوى الثقافي والإبداعي. وبالتالي أصبح المحتوى في كثير من الأحيان تقليديًا، محدود التنوع، وغير جاذب للأجيال الجديدة
صعوبة الحصول على مصادر المعلومات
تعطل بعض الوزارات والمؤسسات الرسمية وصعوبة الوصول إلى المسؤولين ، وانقطاع الاتصالات في بعض المناطق.
ضعف التنسيق المؤسسي وغياب البيانات المنتظمة في المراحل الحرجة.
تعدد مراكز التصريح الرسمي، مما أحدث ارتباكًا في الرسائل الإعلامي
تقلص التغطية الميدانية واتجاه العمل نحو مركزية أكبر.
تراجع الاحتكار المعلوماتي في ظل صعود القنوات الإقليمية والمنصات الرقمية.
منافسة مباشرة في بيئة إعلامية مفتوحة وسريعة.
تحديات في المصداقية نتيجة انتشار روايات موازية.
فجوة زمنية بين الحدث وإصدار البيان الرسمي.
ضعف القدرة على التأثير في تشكيل الرواية الأولى للأحداث.
تأثر صورة الدولة الإعلامية داخليًا. وتراجع الحضور الخارجي أمام وكالات الأنباء العالمية.
اهتزاز ثقة الجمهور في الخطاب الرسمي.

صعود المنصات البديلة وتحول المشهد الإعلامي
خلال الحرب برزت قنوات إقليمية مؤثرة مثل:قناة الجزيرة والعربية والحدث إضافة إلى منصات التواصل الاجتماعي. والصحافة الرقمية المستقلة. والبث المباشر عبر فيسبوك ويوتيوب. مما ادى الى تحول الجمهور نحو مصادر أسرع وأكثر تنوعاً. وتراجع احتكار الدولة للمعلومة.تعددية في السرديات الإخبارية.
8. تحول ثقة المشاهدين
شهدت مرحلة الحرب وما بعدها: تآكل الثقة في الخطاب الرسمي. والتشكيك في الحياد والمهنية. فضلاً عن لجوء الجمهور إلى المقارنة بين مصادر متعددة.
أصبح معيار الثقة مرتبطًا بـسرعة الوصول للمعلومةالشفافية.التوازن في التغطية والاستقلالية التحريرية
9.إنعكاسات ما بعد الحرب على الأمن القومي الإعلامي
أثّرت إفرازات ما بعد الحرب بصورة مباشرة على الأمن القومي الإعلامي في السودان، خاصة مع تراجع الثقة في الإعلام الرسمي. فعندما يفقد المواطن ثقته في المصدر الوطني ويتجه إلى منصات خارجية، يتشكل وعيه خارج الإطار الوطني، وتصبح الدولة أقل قدرة على إدارة الرأي العام في القضايا الحساسة، ما يخلق حالة هشاشة معلوماتية قابلة للاختراق. كما أن تفكك شبكة المراسلين وضعف التغطية الميدانية أضعفا دور الإعلام المحلي كآلية رصد مبكر للتوترات الاجتماعية، مما يقلل قدرة الدولة على استشعار الأزمات قبل تفاقمها. ويزداد التحدي مع فقدان الأرشيف الإعلامي، الذي يمثل سجلًا للشرعية ومرجعًا للوقائع وحصانة ضد تزييف التاريخ، إذ إن ضياعه يضعف حماية السردية الوطنية.
وفي ظل البيئة الرقمية المتسارعة، حيث تترسخ الرواية الأولى بسرعة ويتفاعل الجمهور لحظيًا، أصبح تحديث الإعلام الرسمي والتحول الرقمي ضرورة أمن قومي، لا مجرد تطوير إداري. فكلما كان الإعلام مهنيًا وموثوقًا وسريعًا، تعزز الاستقرار الوطني، وكلما ضعف أو تأخر، اتسعت فجوة الهشاشة في منظومة الأمن القومي.المعادلة تقول :
إعلام رسمي مهني + ثقة مجتمعية + شفافية معلوماتية = استقرار وطني مستدام.
وفي المقابل:
إعلام ضعيف أو مسيس + فقدان ثقة + فراغ معلوماتي = هشاشة أمنية قابلة للاختراق.
مستقبل الإعلام الرسمي في السودان:
مستقبل الإعلام الرسمي في السودان لم يعد مسألة تطوير إداري عادي، بل أصبح تحديًا وجوديًا حقيقيًا؛ فهو اليوم أمام معادلة أن يكون أو لا يكون. فإفرازات ما بعد الحرب وضعت هذه المؤسسات أمام اختبار تاريخي حاسم، حيث لم تعد الخيارات متعددة أو مفتوحة على احتمالات واسعة، بل باتت محدودة ومصيرية.
فإما أن ينجح الإعلام الرسمي في إعادة تعريف دوره، واستعادة ثقة الجمهور، والتحول إلى إعلام خدمة عامة مهني ورقمي قادر على حماية الفضاء المعلوماتي الوطني؛وإما أن يظل أسير النموذج التقليدي، فيتآكل تأثيره تدريجيًا، ويفقد حضوره في المشهد العام، ويترك المجال الإعلامي مفتوحًا لقوى خارجية وسرديات موازية.وعليه، فإن الأزمة الحالية ليست أزمة أداء ظرفي، بل أزمة مسار واستراتيجية. وهي لحظة فاصلة تفرض على صانع القرار الإعلامي تبني إصلاحات جذرية، لأن هامش المناورة أصبح ضيقًا، وخيارات البقاء محدودة، والرهان لم يعد على تحسين الصورة فحسب، بل على حماية الدور والوظيفة والشرعية في آنٍ واحد…وبالتالي فان الخيارات تتمثل فى تصورين ليس الا وهي :

أولاً: سيناريو التحول والإصلاح … مسار الاستقرار والبناء
يقوم هذا السيناريو على استثمار مرحلة ما بعد الحرب في إصلاح مؤسسي عميق للإعلام الرسمي، بحيث يتحول من مجرد منبر حكومي إلى إعلام خدمة عامة يؤدي دورًا وطنيًا جامعًا. في هذا المسار يصبح الإعلام منصة لتعزيز السلم الاجتماعي والوحدة الوطنية. وأداة داعمة لإعادة الإعمار والتنمية. ومرجعية رسمية موثوقة في مواجهة الشائعات والحرب النفسية. ويرتكز هذا التحول على استقلال مهني وإداري نسبي، وتحديث تقني شامل والتحول إلى إعلام رقمي متعدد المنصات، وإعادة بناء شبكة مراسلين فاعلة في جميع الولايات، إضافة إلى اعتماد ميثاق مهني يعزز الشفافية والتعددية. وهذا السيناريو يمنح الإعلام الرسمي فرصة حقيقية لاستعادة الثقة المجتمعية، ويجعله شريكًا في بناء الدولة وحماية الأمن القومي، لا مجرد ناقل لخطاب السلطة.
ثانياً: سيناريو الجمود … مسار الهشاشة والتراجع
يجمع هذا السيناريو بين حالتي الجمود المؤسسي والتسييس، حيث تكتفي الدولة بإعادة تشغيل المؤسسات دون إصلاح حقيقي، أو يُوظف الإعلام في خطاب تعبوي أو استقطابي. في هذه الحالة:يظل الإعلام تقليديًا ومحدود التأثير. ويفقد مزيدًا من الجمهور لصالح المنصات الرقمية والإقليمية. وتتآكل شرعيته الرمزية تدريجيًا ويؤدى الى .تعميق أزمة الثقة المجتمعية. وهذا المسار يُبقي المؤسسة قائمة شكليًا، لكنها فاقدة للتأثير الحقيقي، ويجعلها عنصر هشاشة في البيئة الإعلامية بدل أن تكون عنصر تماسك.
العوامل الحاسمة بين المسارين
يتحدد الاتجاه الذي سيسلكه الإعلام الرسمي وفق مجموعة عوامل رئيسية هي :الإرادة السياسية للإصلاح الحقيقي. – تطوير وتغيير السياسات الاعلمية -إعادة بناء الثقة المجتمعية. – التحول الرقمي والتكنولوجي. – استعادة وتأهيل الكفاءات المهنية.- تطوير نموذج تمويلي مستدام وشفاف. وبذلك يتوقف مستقبل الإعلام الرسمي في السودان على قدرته على اختيار مسار التحول والبناء بدل مسار الجمود والتراجع، لما لذلك من انعكاسات مباشرة على الاستقرار الوطني والأمن القومي.
رؤية مستقبلية للنهوض بالإعلام الرسمي في السودان في مرحلة ما بعد الحرب
تشير القراءة التحليلية لواقع الإعلام الرسمي السوداني بعد الحرب إلى أن مسألة النهوض لم تعد مرتبطة بإعادة تأهيل المباني أو استعادة البث فحسب، بل تتعلق بتحول نوعي شامل في السياسات والإدارة والوظيفة والهوية. فالإعلام الرسمي اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء نفسه بوصفه إعلامًا وطنيًا يخدم الدولة والمجتمع معًا، لا مجرد منصة حكومية تقليدية..وتقوم الرؤية على المرتكزات التالية .
الإرادة السياسية : تبقى الإرادة السياسية العامل الحاسم. فنجاح الإصلاح يتطلب قناعة رسمية بأن الإعلام المهني المستقل نسبيًا لا يهدد الدولة، بل يحميها، ويعزز الأمن القومي عبر بناء الثقة المجتمعية وإدارة السردية الوطنية بكفاءة. من دون إرادة إصلاح حقيقية، ستظل أي محاولات تطوير شكلية وغير مستدامة.
السياسات العامة والإطار التشريعي :النهوض يبدأ من تبني سياسات إعلامية واضحة تعيد تعريف دور الإعلام الرسمي باعتباره إعلام خدمة عامة. ويتطلب ذلك تحديث التشريعات المنظمة، وضمان استقلال مهني وإداري نسبي، وإنشاء آليات حوكمة تضمن الشفافية والمساءلة. كما ينبغي توحيد الخطاب الرسمي ضمن رؤية اتصال وطني متكاملة تُدار باحترافية في أوقات الأزمات.
الإدارة المؤسسية وإعادة الهيكلة: تحتاج المؤسسات الإعلامية إلى إعادة هيكلة إدارية حديثة تقوم على الكفاءة لا على الولاء، وعلى التخطيط الاستراتيجي لا الإدارة اليومية التقليدية. ويشمل ذلك إنشاء غرف أخبار رقمية متكاملة، وتفعيل وحدات الرصد والتحليل، وإعادة بناء شبكة مراسلين مهنية تغطي مختلف الولايات، بما يعزز الحضور الميداني ويقوي وظيفة الإنذار المجتمعي المبكر.
الدعم والإمكانيات والتمويل المستدام: لا يمكن تحقيق تحول نوعي دون توفير دعم مالي وتقني كافٍ. المطلوب نموذج تمويلي مستدام يوازن بين الدعم الحكومي والموارد الذاتية، مع حوكمة مالية شفافة تضمن الاستدامة والاستقلال. كما يجب الاستثمار في البنية التحتية التقنية، ومعدات الإنتاج، والبث الرقمي، والأنظمة الإلكترونية الحديثة.
التحول الرقمي ومواكبة الإعلام الجديد : في بيئة إعلامية مفتوحة وسريعة، أصبح التحول الرقمي ضرورة لا خيارًا. ويتطلب ذلكإطلاق منصات رقمية احترافية متعددة الوسائط ، الاستثمار في صحافة البيانات والذكاء الاصطناعي،إنتاج محتوى قصير وجذاب يناسب الأجيال الشابة، وإنشاء وحدات تحقق من الأخبار لمواجهة الشائعات. غير أن الإعلام الجديد لا ينبغي أن يُنظر إليه كبديل عن الإعلام الرسمي، بل كشريك تكاملي ضمن نموذج يجمع بين المؤسسية والمهنية الرقمية.

سادساً: التحول من إعلام الحكومة إلى إعلام الوطن: جوهر الرؤية المستقبلية يتمثل في إعادة تعريف وظيفة الإعلام الرسمي. فبدل أن يكون مجرد ناقل لخطاب الحكومة، يجب أن يتحول إلى إعلام الوطن، أي منصة جامعة تعبّر عن المصالح الوطنية العليا، وتتيح التعددية، وتدير الاختلاف باعتباره تنوع وتعدد، وتخاطب المواطن بوصفه شريكًا لا متلقيًا سلبيًا.
استعادة الثقة كرأس مال رمزي : الثقة هي رأس المال الرمزي الأهم في مرحلة ما بعد النزاع. ولا تُستعاد بالشعارات، بل عبر الاعتراف بالأخطاء السابقة، والشفافية، وإتاحة مساحة للرأي الآخر، والالتزام بميثاق مهني واضح. فكلما تعززت الثقة، تعزز معها الاستقرار السياسي والاجتماعي.
الكادر البشري بوصفه رأس المال الاستراتيجي: فأي تحول حقيقي يبدأ بالإنسان. فالإعلام لا يُبنى بالمباني والتقنيات فقط، بل بالكفاءات المهنية القادرة على التفكير والتحليل وصناعة المحتوى المؤثر. وتشمل الرؤية:استعادة الكفاءات التي غادرت أو نزحت. وبرامج تدريب متخصصة في صحافة الأزمات وصحافة السلام. وصناعة بيئة عمل آمنة ومحفزة للإبداع.
توصيف الإعلام كجزء الأمن القومي: إعادة تعريف الإعلام الرسمي كجزء من منظومة الأمن القومي، عبر: حماية الفضاء المعلوماتي الوطني من الاختراق والشائعات. وإدارة السردية الوطنية باحتراف. وتوحيد الخطاب الرسمي في أوقات الأزمات فالإعلام القوي يحمي الدولة من الحرب النفسية ويعزز التماسك الداخلي، بينما الإعلام الضعيف يفتح ثغرات أمنية خطيرة.
التحول من المحلية إلى الدولية: لم يعد الإعلام الرسمي مخاطبًا للجمهور الداخلي فقط، بل مطالبًا بتقديم رواية السودان إلى العالم. وتشمل الرؤية: تطوير منصات ناطقة بلغات متعددة. وبناء شراكات مع وكالات أنباء إقليمية ودولية. وتقديم محتوى احترافي يعكس صورة الدولة بصورة متوازنة. والانتقال من خطاب دفاعي إلى خطاب تواصلي مبادر. فالانطلاق من المحلية إلى الدولية يعزز الحضور الدبلوماسي والإعلامي للدولة.
الحضور الدائم والسيطرة على الرواية الأولى: في الع صر الرقمي، من يمتلك الرواية الأولى يمتلك جزءًا كبيرًا من التأثير. لذلك من الضرورى إنشاء وحدات استجابة سريعة للأخبار العاجلة وتطوير آليات رصد لحظي للأحداث. وتقليل الفجوة الزمنية بين الحدث والبيان الرسمي. وضمان حضور دائم على المنصات الرقمي لأن الحضور المستمر يمنع الفراغ المعلوماتي ويعزز المصداقية
القدرة على التأثير في الرأي العام : الهدف النهائي للإعلام ليس البث فقط، بل التأثير الإيجابي الواعي. ويتحقق ذلك عبر:إنتاج محتوى تحليلي عميق وجذاب. وتوظيف أدوات الإعلام الرقمي والتفاعلي. وإشراك الجمهور في النقاش العام بما يؤدى الى بناء علاقة ثقة مستدامة. فالتأثير المسؤول يعزز الاستقرار ويقوي شرعية الدولة.

خلاصة الرؤية:
تقوم رؤية النهوض بالإعلام الرسمي في السودان على تحول بنيوي شامل لا يقتصر على إعادة التأهيل الإداري أو التقني، بل يمتد إلى إعادة تعريف الدور والوظيفة والهوية. فهذا التحول يقتضي الانتقال من إعلام حكومي ضيق الوظيفة إلى إعلام وطني جامع يخدم المصالح العليا للدولة والمجتمع، ومن مؤسسة تقليدية محدودة الأدوات إلى منظومة رقمية متكاملة متعددة المنصات، ومن خطاب أحادي الاتجاه إلى خطاب مهني تعددي يعزز الثقة والتماسك، ومن حضور محلي محدود التأثير إلى فاعلية إعلامية ذات بعد إقليمي ودولي.
إن تحقق هذا التحول كفيل بأن يجعل الإعلام الرسمي ركيزة للاستقرار الوطني، وأداة استراتيجية لحماية الأمن القومي، ومنصة فاعلة لإعادة بناء الدولة وترميم النسيج الاجتماعي في مرحلة ما بعد الحرب. أما في حال غياب الإرادة السياسية للإصلاح، وضعف الاستثمار في الكادر البشري والتحول الرقمي، فإن الإعلام الرسمي سيظل على هامش المشهد الإعلامي المتحول، فاقدًا للتأثير والقدرة على أداء دوره التاريخي في هذه اللحظة المفصلية من مسار الدولة السودانية.
التوصيات:
التوصية الاستراتيجية: يوصى بضرورة عقد ورش عمل قطاعية وفنية متخصصة تضم صناع القرار، والقيادات الإعلامية، والخبراء الأكاديميين، وممثلي الكادر المهني، بهدف صياغة رؤية مستقبلية متكاملة للإعلام الرسمي تستند إلى تقييم واقعي للتحديات وإمكانات التطوير.كما تؤكد التوصية على أهمية توفير الدعم السياسي الواضح والإسناد اللوجستي والمالي الكافي لضمان تنفيذ مخرجات هذه الورش وتحويلها إلى خطة عمل قابلة للتطبيق، وفق جدول زمني محدد وآليات متابعة وتقييم مستمرة، بما يضمن استدامة الإصلاح وتحقيق الأهداف الاستراتيجية المرجوة.
توصيات إجرائية:
تبني إصلاح مؤسسي شامل يعيد تعريف الإعلام الرسمي كإعلام خدمة عامة يعبر عن الوطن لا الحكومة.
تحديث الإطار التشريعي وتعزيز الاستقلال المهني والإداري لضمان المصداقية والثقة.
الاستثمار الجاد في الكادر البشري عبر التأهيل والتدريب واستعادة الكفاءات المتأثرة بالحرب.
تنفيذ تحول رقمي متكامل يواكب تطورات الإعلام الجديد ويعزز الحضور الدائم والسيطرة على الرواية الأولى.
إنشاء منظومة فعالة للرصد والتحقق وإدارة الأزمات لحماية الأمن المعلوماتي.
تطوير نموذج تمويلي مستدام قائم على الحوكمة والشفافية.
تعزيز الخطاب الوطني الجامع لدعم المصالحة المجتمعية ومعالجة آثار ما بعد الحرب.
توسيع الحضور الإعلامي خارجيًا والانطلاق من المحلية إلى الفضاءين الإقليمي والدولي بخطاب مهني متوازن

خاتمة
يمثل الإعلام الرسمي في السودان، في مرحلة ما بعد الحرب، أكثر من مجرد مؤسسة خدمية أو جهاز لنقل الأخبار، إنه أحد أعمدة بناء الدولة وإعادة تشكيل الوعي الوطني. لقد كشفت الحرب عن هشاشة البنية، وتحديات الثقة، وحدود النموذج التقليدي، لكنها في الوقت ذاته فتحت نافذة تاريخية لإعادة التأسيس على أسس أكثر مهنية واستقلالا وفاعلية.
إن مستقبل الإعلام الرسمي لم يعد خيارا إداريا يمكن تأجيله، بل استحقاقا وطنيا يرتبط مباشرة باستقرار الدولة وأمنها القومي وقدرتها على إدارة المجال العام. فإما أن يتحول إلى إعلام وطني جامع، رقمي، مؤثر، قادر على السيطرة على الرواية الأولى وصياغة خطاب متوازن يخاطب الداخل والخارج، وإما أن يبقى أسير الأطر القديمة، فيفقد تدريجيا حضوره وتأثيره في بيئة إعلامية متسارعة وعابرة للحدود.
إن لحظة ما بعد الحرب هي لحظة تأسيس لا ترميم، ولحظة رؤية لا معالجة جزئية. والنهوض بالإعلام الرسمي، إذا ما اقترن بالإرادة السياسية الصادقة، والاستثمار في الكادر البشري، والتحول الرقمي الشامل، يمكن أن يجعله ركيزة للاستقرار، ومنصة لإعادة بناء الثقة، وأداة استراتيجية لحماية الأمن القومي وترسيخ السلم المجتمعي. وعليه، فإن السؤال لم يعد: هل يحتاج الإعلام الرسمي إلى إصلاح؟ بل أصبح: هل ستغتنم هذه اللحظة التاريخية لإعادة بنائه بوصفه إعلام الوطن، أم ستفوت الفرصة فتتكرس الهشاشة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي سترسم ملامح المشهد الإعلامي السوداني في السنوات القادمة.

المقالة السابقة

دراسة عن التضليل الإعلامي في السودان بعد حرب 15 أبريل 2023:الأنواع والأنماط والدوافع وتأثيراته على المشهد السوداني

المقالة التالية

دراسة عن: السكن الاضطراري في السودان من منظور الرأي العام: تحديات الأمن القومي والتعايش الاجتماعي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *