Popular Now

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد موسم جديد من تسكت بس ؟!.. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

الراستا .. الراستفاريون والراستات .. بقلم/ الصادق عبدالله أبوعيّاشة .. خبير ومستشار في السياسات العامة والإدارة الاستراتيجية والتنمية المستدامة

سلسلة الخيرية(11) .. مكارم لا تفنى: دروس خالدة في بناء الإنسان المؤمن ..بقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

الراستا .. الراستفاريون والراستات .. بقلم/ الصادق عبدالله أبوعيّاشة .. خبير ومستشار في السياسات العامة والإدارة الاستراتيجية والتنمية المستدامة

في منتصف السبعينيات اجتاحت موجة استرسال الشعر الأفرو (الخنفس) جيل الشباب في السودان، بالتزامن مع انتشار ملابس الشارلستون وأغاني الجاز. وفي السنوات الأخيرة ظهر نمط آخر لتصفيف الشعر، يقوم على تضفيره أو تعبيكه في خصل طويلة متدلية، عُرفت باسم الراستا (تجمع إلى راستات). وقد ارتبط هذا المظهر في أذهان كثيرين بحركة فكرية وثقافية تسمى الراستفارية أو الراستا.
ولأن الظاهرة تجاوزت كونها مجرد تسريحة شعر، حاولت التعرف إلى جذورها الفكرية والتاريخية. فوجدتُ أن الراستفارية حركة دينية وسياسية نشأت في جامايكا في ثلاثينيات القرن العشرين، ثم انتشرت بين جماعات من أصول إفريقية في أنحاء مختلفة من العالم. وهي أيديولوجية تمزج بين عناصر من المسيحية البروتستانتية واليهودية وبعض الروحانيات الإفريقية، إضافة إلى بُعد سياسي مرتبط بتحرر السود من العبودية واستعادة كرامتهم.
تستند حركة الراستا إلى تفسير خاص لبعض نصوص العهد القديم، ولا سيما قصة خروج بني إسرائيل من العبودية. ويرى أتباعها أن السود من أصل إفريقي عاشوا تجربة مشابهة من الاستعباد والاضطهاد، وأن الله يختبرهم عبر هذه المعاناة قبل أن يأتي وقت الخلاص والتحرير. ولهذا يؤمن كثير من الراستافاريين بأن مصيرهم النهائي هو العودة إلى إفريقيا، التي يسمونها الأم إفريقيا (Mother Africa). وتحتل إثيوبيا لديهم مكانة خاصة في هذا التصور؛ إذ يرونها أرضاً مقدسة ورمزاً للسيادة الإفريقية، بل ويعدها بعضهم الوطن الروحي لجميع الأفارقة في الشتات.

هيلاسيلاسي والرمزية الإثيوبية
ارتبطت حركة الراستا ارتباطاً وثيقاً بالإمبراطور الإثيوبي هيلاسيلاسي الأول (1892–1975) . فقد اعتقد بعض أتباع حركة الراستا أن تتويجه إمبراطوراً عام 1930 يمثل تحقيقاً لنبوءة دينية، وأنه المجيء الثاني للمسيح الذي سيقود السود إلى الخلاص. وقد أخذت حركة الراستا اسمها من الاسم الذي كان يحمله الإمبراطور قبل التتويج، حيث كان اسمه الراس تفاري مكونن. حيث اتخذ الإمبراطور بعد تتويجه لقب هيلاسيلاسي، أي “قوة الثالوث” باللغة الأمهرية، كما حمل ألقاباً ذات دلالات توراتية مثل: الأسد القاهر من سبط يهوذا وملك الملوك. ومعلوم كان رمزه الاسد ونجمة داوود. وقد ساهمت هذه الألقاب، إلى جانب رمزية إثيوبيا التاريخية، في تعزيز مكانته الروحية لدى أتباع الراستا.
الجذور الفكرية لحركة الراستا
نشأت الراستفارية بين أحفاد الأفارقة الذين نُقلوا عبيداً إلى جزر البحر الكاريبي والأمريكتين. وكان الكتاب المقدس من المصادر الفكرية التي أثرت في وعيهم، رغم أنه وصل إليهم عبر مؤسسات دينية ارتبطت أحياناً بنظام العبودية. ومع ذلك وجد فيه هؤلاء المستعبدون نصوصاً ملهمة تمنحهم الأمل في التحرر والعودة إلى الوطن.
كما لعبت إثيوبيا دوراً رمزياً قوياً في مخيلتهم. فقد كانت الدولة الإفريقية الوحيدة تقريباً التي حافظت على استقلالها في مواجهة الاستعمار الأوروبي في القرن التاسع عشر، خاصة بعد انتصارها على إيطاليا في معركة عدوة عام 1896. وقد جعل ذلك منها رمزاً للمقاومة الإفريقية وللكرامة السوداء.
ممارسات الراستا وثقافتهم
يتميز الراستافاريون بعدد من الممارسات الدينية والثقافية. فهم يلتزمون، وفق تفسيرهم للكتاب المقدس، بعدم قص الشعر أو اللحية، وهو ما يفسر تسريحة الشعر المجدول الذين عرفوا به، كما يتجنبون بعض الأطعمة، ويميل كثير منهم إلى النظام الغذائي النباتي. كما يرتبط بهم أيضاً استخدام ألوان رمزية هي الأخضر والأصفر والأسود، وهي ألوان مستوحاة من العلم الإثيوبي. كما اشتهروا بموسيقاهم واحتفالاتهم التي تعتمد على قرع الطبول والغناء الجماعي.
ومن أبرز مظاهر ثقافتهم موسيقى الريغي التي انتشرت عالمياً، وكان أشهر من قدمها المغني الجامايكي بوب مارلي، الذي حملت أغانيه رسائل الحرية والكرامة ومقاومة الظلم، مثل أغنيته الشهيرة: “انهض ودافع عن حقوقك
Get up for your right
Don’t leave the fight
حلم العودة إلى إفريقيا
قد شكل حلم الرجوع إلى إفريقيا أحد أهم مبادئ الراستا. وقد تحولت الفكرة من حلم روحي إلى محاولات عملية. ففي عام 1955 منح الإمبراطور هيلاسيلاسي أرضاً تبلغ مساحتها نحو مئتي هكتار (نحو 00 فدان) في منطقة شاشميني بإثيوبيا للاتحاد الإثيوبي العالمي، تقديراً لدعم السود حول العالم لإثيوبيا خلال الحرب ضد إيطاليا. أصبحت هذه الأرض رمزاً لتحقيق حلم العودة. وفي أواخر الستينيات بدأت مجموعات من الراستا من جامايكا والولايات المتحدة في الانتقال إلى إثيوبيا والاستقرار في شاشميني. مشهورة قصة الراستا الذي جاء راجلاً عبر أوروبا والسودان، حيث اعتقل لفترة في السودان، ثم اطلق ليواصل مسيره إلى أرض الميعاد.
مستوطنة شاشميني
وصلت أولى مجموعات الراستا إلى شاشميني في نهاية الستينيات، وبنوا منازلهم وبدؤوا العمل في الزراعة والتجارة. ومع مرور الوقت أصبحت المنطقة مجتمعاً صغيراً يجمع أشخاصاً من خلفيات مختلفة، معظمهم من أصول إفريقية في الشتات.
غير أن حياتهم لم تكن سهلة. فقد واجهوا صعوبات اقتصادية وثقافية، كما تعرضت أوضاعهم لاهتزاز كبير بعد الثورة الإثيوبية عام 1974 التي أطاحت بالإمبراطور، وأعقبها تأميم الأراضي عام 1975. وبسبب ارتباطهم الرمزي بالنظام الإمبراطوري فقد كثير من الراستا ممتلكاتهم.
ورغم ذلك بقي بعضهم في شاشميني، واستمر آخرون في القدوم إليها خلال العقود اللاحقة، حتى أصبحت المنطقة تضم أفراداً من جنسيات متعددة. ويُعرف أحد أحيائها اليوم باسم “جامايكا سيفر”.
الراستا في العالم المعاصر
انتشرت حركة الراستا عالمياً منذ سبعينيات القرن العشرين، خاصة بفضل موسيقى الريغي. وأصبحت ثقافتها جزءاً من الثقافة الشبابية العالمية، حتى بين أشخاص لا ينتمون إلى الحركة نفسها. وفي إثيوبيا ما زال مجتمع الراستا صغيراً، لكنه يتمتع بحضور ثقافي واضح. فقد ساهم بعض أفراده في إنشاء مدارس وعيادات ومشروعات صغيرة، كما شاركوا في الترويج السياحي والثقافي للبلاد. ومع ذلك فإن اندماجهم الكامل في المجتمع الإثيوبي لم يكن سهلاً، حيث ما زالت أوضاعهم القانونية والاجتماعية غير مستقرة في كثير من الأحيان.
خاتمة
لم تعد الراستا مجرد تسريحة شعر أو ظاهرة شبابية عابرة، بل هي حركة فكرية وثقافية ذات جذور تاريخية عميقة، نشأت من تجربة العبودية والاغتراب، وسعت إلى إعادة الاعتبار للهوية الإفريقية والكرامة السوداء. وقد جمعت بين مفهوم الدين والسياسة والثقافة، وربطت خلاصها الرمزي والروحي بإثيوبيا بوصفها أرضاً للحرية والسيادة. ومع انتشار موسيقى الريغي وثقافة الراستا في العالم، تحولت الحركة إلى رمز عالمي للمقاومة الثقافية والبحث عن الهوية.

الصادق عبدالله أبوعيّاشة
6مارس 2026

المقالة السابقة

سلسلة الخيرية(11) .. مكارم لا تفنى: دروس خالدة في بناء الإنسان المؤمن ..بقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

المقالة التالية

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد موسم جديد من تسكت بس ؟!.. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *