إذا انتقلنا من التأمل الفلسفي إلى الواقع السياسي في السودان، نجد أن مفهوم الحياد قد انطلي علي البعض عند بداية الحرب .وأصبح شعاراً يرفعه كثير من الفاعلين في الساحة العامة منذ اندلاع هذه الحرب المخطط لها بعناية ودقة .
فالبعض يرى أن هذه الحرب مجرد صراع بين جنرالين، او انها حرب عبثية كما صرح قائد الجيش البرهان في اوائل تصريحاته التي ادلي بها عند بداية الحرب .وبالتالي أن أفضل موقف هو الابتعاد عنها وعدم الانحياز لأي طرف. غير أن هذا التصور في تقديري يحتاج إلى مراجعات عميقة.
اولا هل هذه الحرب كما يدعي البعض انها حرب اهليه ؟ او انها حرب بين جنرالين ؟ او انها حرب عبثية كما تدعي وتكرر بعض وسائل الاعلامية الاعتباطية والقسرية من جانب انها تدعم الطرف المعتدي وهو [[ الدعم السريع ]] علي الشعب السوداني ؟ او ليس هو الطرف الذي اعتدي علي القوات المسلحة في يوم 13 ابريل 2023م حينما احتل مطار مروي في الشمال ودمر الطائرات في مطار مروي ؟ وهل هذه الحرب حرب اهلية كما تزعم بعض وكالات الانباء المنحازة الي التمرد ؟ لا ومليون الف لا …وكما تدعي بعض الجهات التي تخوض الحرب من جانب الدعم السريع ومن عاونهم وتطالب في نفس الوقت بوقف الحرب فورا وفتح مسارات لتقديم الدعم الإنساني ام تقديم الاسلحة المؤن للدعم السريع ؟ ، وفي نفس الوقت ترفع شعار لا للحرب ..وتطالب في نفس الوقت الدخول في عمل سياسي والحرب لم تضع اوزارها بعد …وذلك بغرض اعطاء الخصم [[ الجيش ومساندوه ]] جرعة مسكن ومخدر ويستعد من يقف بجانب العدو لا ستئناف الحرب بطريقة اقوي واشد بغرض السيطرة علي البلاد كليا.
مع العلم أن الحروب الأهلية والعبثية عبر التاريخ والتي لا يكون لها اهداف واجندات واضحة علي مر العصور نادراً ما تنتهي فقط بانتظار الزمن، بل تحتاج غالباً إلى مواقف واضحة من القوى الاجتماعية والسياسية والفكرية في المجتمع.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للأمم والدول في أوقات الأزمات هو أن يتحول المجتمع إلى كتلة من المتفرجين، يراقبون الأحداث دون أن يسهموا في توجيهها أو إصلاح مسارها.
وفي الفكر الاستراتيجي الحديث يتحدث بعض الباحثين عن أن الفراغ في الموقف السياسي يخلق دائماً قوى أخرى تملأ هذا الفراغ. ولذلك فإن الحياد الكامل في لحظات التحولات الكبرى قد يفتح الباب لتدخلات خارجية أو لتمدد قوى لا تسعى بالضرورة إلى مصلحة الوطن.
إن السودان اليوم يمر بمرحلة دقيقة من تاريخه، ولا يمكن الخروج من هذه المرحلة إلا بوضوح الرؤية وصدق النية والعودة إلى منظومة القيم التي تحفظ للمجتمع تماسكه وعدالته.
ولعل الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذه التأملات هو أن الحياد عبارة عن نفاق بين وواضح وليس دائماً موقفاً آمناً، بل قد يكون أحياناً أحد الأسباب الخفية التي تطيل عمر الأزمات والحروب والاستحواذ علي الشعب والدولة .
نسأل الله أن يحفظ السودان وأهله، وأن يهيئ له من أمره رشداً.
والله من وراء القصد.
دكتور
بابكر عبدالله محمد علي


