مقدمة
يستوحي هذا الموضوع مفرداته ومفاهيمه الأساسية من كتاب الفريق عمر أحمد قدور المسمى (شكل الدولة). وليقرأ هذا الموضوع مع مقالاتي عن الديمقراطية، وعن فلسفة وطبيعة عمل الحكومة. ولا زلت أستهدف الشباب بهذه الموضوعات التنويرية.
إذا اتفقنا على أن الدولة تتكوّن من ثلاثة عناصر أساسية: الأرض، والشعب، والعقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة بينهما ويُعرف بالحكم أو الحكومة؛ أو السيادة (حكم الشعب بنفسه، دون وصاية من جهة أخرى). وإذا اتفقنا كذلك على أن الحكومة في أصل نشأتها خادمة للشعب، تبدأ وظيفتها من الحاجة إلى تحقيق الأمن، ثم تتفرع مهامها إلى مجالات متعددة تتصل بتنظيم الحياة العامة؛ فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الشكل الذي ينبغي أن تتخذه الدولة السودانية؟
السودان، كغيره من دول العالم، يمتلك العناصر الأساسية لقيام الدولة: إقليم جغرافي محدد، وشعب يعيش فوقه، ونظام حكم ينظم شؤون المجتمع. ويبلغ عدد الدول في العالم اليوم نحو مئتي دولة، تختلف في أنظمتها السياسية والقانونية، لكنها تشترك في الهدف الأساسي للدولة وهو تحقيق الاستقرار والرفاه لشعوبها. ومن هنا تأتي أهمية النظر في تطور شكل الدولة السودانية عبر التاريخ لفهم واقعها الحاضر واستشراف مستقبلها.
قاموس مفهوم الدولة
تتداخل في الخطاب السياسي عدة مصطلحات مثل: القطر، والدولة، والحكومة. ويقصد بالقطر الكيان الجغرافي والسياسي المعروف بحدوده وشعبه ونظام حكمه، مثلما يقال: قطر السودان أو دولة إثيوبيا أو مملكة البحرين. أما الدولة فهي مفهوم أوسع يشمل الإقليم والشعب ونظام الحكم والمؤسسات والرموز السيادية التي تمثل الكيان السياسي في المجتمع الدولي.
وبذلك فإن الدولة ليست مجرد حكومة، بل منظومة متكاملة من الأرض والسكان والسيادة والنظام السياسي. وعندما تضعف المبادئ التي تقوم عليها هذه المنظومة أو يفقد الناس احترامها، تتعرض الدولة للاهتزاز وتغيب ملامحها خلف الصراعات والاضطرابات.
الشكل السياسي والقانوني للدولة
يتناول علم السياسة والقانون الدستوري شكل الدولة من زاويتين أساسيتين: الشكل السياسي، والشكل القانوني. فالدولة، في تعريفها الكلاسيكي (أي القديم) ، هي مجتمع إنساني يعيش على إقليم محدد، يتمتع بالسيادة والاستقلال، وتديره سلطة سياسية نابعة من المجتمع نفسه. وقد تطورت فكرة الدولة عبر التاريخ حتى استقرت في صورتها الحديثة التي تقوم على مبادئ أساسية أهمها: التشاور أو المشاركة السياسية، والعدل، والمساواة بين المواطنين.
ومن حيث بنيتها القانونية، قد تكون الدولة بسيطة (موحدة)، وهو النموذج الأكثر انتشاراً في العالم، أو مركبة كما في الدول الاتحادية. كما يختلف شكل الحكم فيها بحسب مصدر السلطة، فقد تكون ملكية أو جمهورية، ويترتب على ذلك اختلاف النظم السياسية وأساليب إدارة الحكم. وحتى النظام الجمهوري له أكثر من شكل.
كما ارتبط تطور الدولة الحديثة بظهور مجموعة من الحقوق السياسية، مثل حق اقتراح القوانين، وحق الاعتراض عليها، وحق الاستفتاء الشعبي، وحق عزل الحكام أو محاسبتهم. وهذه الحقوق تشكل الأساس الذي تمارس من خلاله الشعوب سيادتها على مؤسسات الحكم.
الإقليم والسكان وأثرهما في شكل الدولة
يُعد الإقليم أحد العناصر الأساسية للدولة، وهو المجال الجغرافي الذي تمارس فيه سيادتها. وقد يكون هذا الإقليم أرضاً قارية، أو جزراً، أو مناطق نهرية أو صحراوية أو جبلية. أو جمع بين أكثر من صفة طبيعية. ويتأثر شكل الدولة وموقعها السياسي بعوامل جغرافية واستراتيجية عديدة، مثل الموقع الجغرافي والموارد الطبيعية وعلاقات الجوار.
كما يترتب على الموقع الجغرافي للدولة شبكة من العلاقات الدولية والإقليمية، تشمل حقوق الملاحة الجوية والبحرية، وحركة التجارة والعبور، وتنقل الأشخاص والبضائع، إضافة إلى اتفاقيات التعاون أو التكتلات الإقليمية.
أما السكان فهم أصحاب المصلحة الحقيقيون في الدولة، وهم مصدر السلطة فيها. وتختلف المجتمعات في تركيبها السكاني من حيث التعدد الثقافي والديني واللغوي، كما قد تتوزع الكثافة السكانية بين مركز واحد قوي أو عدة مراكز إقليمية، وهو ما ينعكس بدوره على شكل النظام السياسي وإدارته.
وظيفة الدولة
ترتبط وظيفة الدولة بطبيعة وجودها السياسي وموقعها الاستراتيجي. ويقوم مفهوم الأمن القومي في الدولة على حماية كيانها السياسي وضمان استقرارها الداخلي والخارجي. ويتحقق ذلك عبر منظومة من السلطات والمؤسسات التي تمارس القوة الشرعية من خلال القانون.
وتتمثل الوظائف الأساسية للدولة في الآتي:
– حماية الدولة والمجتمع من العدوان الخارجي.
– حماية الأفراد من الاعتداءات الداخلية.
– حماية الملكية الخاصة وصيانة الحقوق الفردية.
– حماية المال العام وممتلكات الدولة.
– تنظيم الأنشطة السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بما يحقق الصالح العام.
ولتنفيذ هذه الوظائف تعتمد الدولة على السياسات العامة، وهي منظومة من الإجراءات والقرارات التي تهدف إلى تحقيق الأهداف الاستراتيجية للمجتمع.
شكل الدولة السودانية الحديثة
يعتبر العهد التركي (1821188) هو بداية الدولة السودانية الحديثة، ليشهد السودان عبر تاريخه الحديث تحولات متعددة في شكل الدولة ونظام الحكم. بدأت ملامح الدولة السودانية الحديثة مع دخول محمد علي باشا السودان في القرن التاسع عشر. وقد قسم البلاد إلى مديريات إدارية، وعلى رأس كل مديرية حاكم مسؤول عن إدارة الأمن والضرائب وتنظيم الإدارة.
كما أُنشئت الحاميات العسكرية لحفظ النظام في أنحاء البلاد. غير أن هذا النظام اعتمد بدرجة كبيرة على إداريين أجانب، الأمر الذي أدى في النهاية إلى سقوطه على يد الثورة المهدية. وقد تواترت الأسباب التي جعلت من السودانيين يهبوا ويقوا على ذلك النظام الأجنبي.
دولة المهدية
أعادت الدولة المهدية تنظيم البلاد إدارياً، حيث قُسمت المديريات إلى «عمالات» يدير كل منها عامل يعينه الإمام. كما صدرت العديد من المراسيم واللوائح التنظيمية التي تناولت شؤون الإدارة والنظام العام والصحة والسكينة العامة.
الحكم الثنائي
في فترة الحكم الثنائي (الإنجليزي المصري) أصبحت السلطة الفعلية بيد الإدارة البريطانية، حيث قُسمت البلاد إلى مديريات يديرها ضباط بريطانيون. واعتمد النظام لاحقاً على الإدارة غير المباشرة عبر الزعامات القبلية فيما عُرف بنظام الإدارة الأهلية. كما شهدت هذه الفترة تطوراً في المؤسسات الحديثة مثل الشرطة والإدارة المدنية، إضافة إلى إنشاء المجلس الاستشاري والجمعية التشريعية في أربعينيات القرن العشرين.
عهد الاستقلال
بعد استقلال السودان عام 1956 تبنى نظاماً جمهورياً برلمانياً (ينتخب الرئيس وحكومته من داخل البرلمان). يقوم النظام على الفصل بين السلطات. فالسلطة التشريعية بيد البرلمان المنتخب، والسلطة التنفيذية بيد مجلس الوزراء، بينما تتولى السلطة القضائية الفصل في النزاعات باستقلال تام. ويمثل السلطة الأعلى رأس الدولة مجلس سيادة منتخب من البرلمان.
عهد الفريق إبراهيم عبود (1958ـ 1964)
في عام 1958 وقع أول انقلاب عسكري في السودان بقيادة الفريق إبراهيم عبود حيث أُوقف العمل بالدستور وحُل البرلمان، وتولت القوات المسلحة السلطة عبر المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي جمع السلطات التشريعية والتنفيذية. لكنه أبقى على نظام المديريات القائمة، ربما عد تعديل طفيف.
عهد جعفر نميري (1969ـ 1985)
مع انقلاب مايو 1969 أصبح مجلس قيادة الثورة هو السلطة الحاكمة، وتولى جعفر نميري رئاسة الدولة والسلطة التنفيذية. لاحقاً تم إقرار دستور 1973 الذي نص على أن الشعب مصدر السلطات، لكنه اعتمد نظام الحزب الواحد ممثلاً في الاتحاد الاشتراكي. كما شهدت هذه الفترة تطبيق نظام الحكم الإقليمي وتقسيم البلاد إلى عدة أقاليم تتمتع بسلطات إدارية واسعة.
عهد عمر البشير (1989ـ2019)
بعد انقلاب عام 1989 تم تعليق العمل بالدستور وحظر النشاط الحزبي وتشكيل مجلس قيادة الثورة. ثم تطور النظام لاحقاً إلى نظام اتحادي يقوم على الولايات، مع إنشاء مجالس تشريعية قومية وولائية، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متكررة. وشهدت هذه المرحلة أيضاً توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005 التي أدت في النهاية إلى انفصال جنوب السودان عام 2011. وقد شهدت البلاد إعادة تنظيم واسعة في إنشا ودمج الولايات. وقد تم إعادة ترتيب مستويات السلطة بين المركز (السلطات الاتحادية)، والولايات (المستوى الثاني للحكم) والمحليات (الحكم المحلي).
خاتمة
يظهر من استعراض تاريخ الدولة السودانية أن شكل الحكم فيها ظل يتغير بين النظم المدنية والعسكرية، وبين المركزية واللامركزية. وقد تأثرت هذه التحولات بالظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي مرت بها البلاد.
واليوم يقف السودان أمام مرحلة جديدة من تاريخه السياسي، تطرح سؤالاً جوهرياً حول الشكل الأمثل للدولة: هل يكون نظاماً اتحادياً متوازناً يحقق مشاركة الأقاليم؟ أم نظاماً مركزياً قوياً يضمن وحدة القرار؟ أم صيغة تجمع بين الاثنين؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تكون نظرية فقط، بل ينبغي أن تنبع من واقع السودان وتنوعه الثقافي والجغرافي، ومن إرادة شعبه في بناء دولة تحقق الاستقرار والعدل والتنمية.
شكل الدولة السودانية .. بقلم: الصادق عبدالله أبوعيّاشة .. خبير مستشار في السياسات العامة الإدارة الاستراتيجية والتنمية المستدامة
المقالة السابقة


