يطرح واقع الحال الثقافي المعاصر في عالمنا العربي سؤال مهم ومصيري على النخب الفكرية والمؤسسات الثقافية وهو …
هل أدواتنا الثقافية العربية الحالية جاهزة لخوض رهان الذكاء الاصطناعي _ أم أننا لا نزال في مرحلة الاستهلاك من المنصات الجاهزة
الإجابة على هذا التساؤل تقتضي فحص العلاقة القائمة بين التكنولوجيا والقوة الناعمة ، حيث لم تعد الدبلوماسية الثقافية حبيسة البعثات التقليدية كما هو معلوم ، بل انتقلت ايضاََ إلى فضاء المنصات الرقمية التي يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيلها .
وهنا يتجلى الدور المحوري للذكاء الاصطناعي في تعزيز القوة الناعمة عبر أكثر من مسار أولهما رقمنة التراث ، التي تتيح للكنوز الثقافية والمعالم التاريخية تجاوز الحدود الجغرافية عبر تقنيات الواقع المعزز … ما يمنح العالم تجربة حية للمتاحف والارث الوطني من أي مكان .
أما المسار الثاني فهو كسر حواجز اللغة _ حيث تسهم الترجمة الفورية الدقيقة في التعريف بالإنتاج الفكري والأدبي وكذلك توصيل المخزون القيمي والمعرفي للأمة إلى شعوب الأرض بلغاتهم الأم .. مما يسهل عملية المثاقفة والحوار .
واذكر هنا ما اشرت إليه في مقالات سابقة من تحكم للخوارزميات بما نراه ونسمعه _ وما نتج عن ذلك من ضرورة الانخراط في الحوار الخوارزمي وضبط وتوجية ايقاعاتة .
والدبلوماسية الثقافية اليوم مطالبة بمواجهة هذه التحيزات الثقافية الكامنة في النماذج الرقمية المعلبة التي غالباً ما تتبنى وجهات نظر غربية .
لذا _ فانه لم يعد تبيتة و تدريب الذكاء الاصطناعي على فهم الخصوصية المحلية ترف تقني بل هو ضرورة لإنتاج و تخصيص ثقافي واعٍ يتجاوز هذة القوالب الجاهزة ، باعتبار ان هذا الربط بين دقة الخوارزمية وعمق الهوية يحول الرسالة الثقافية من مجرد محتوى عابر إلى خطاب إنساني مؤثر يمتلك القدرة على ملامسة الجمهور في كل مكان بصدق وتأثير _ ويحقق التوازن الدقيق بين الحفاظ على الأصالة والانتشار الواسع .
ومع ذلك لا يخلو هذا التقدم من مخاطر ، إذ تفرض مفاهيم السيولةالثقافية تحدي حقيقي حول الأصالة ، فهل يمكن للآلة أن تجسد روح الهوية الوطنية في انتاجها ؟
والخطر يكمن هنا في هذا التنميط للثقافات وتذويبها في بيانات جامدة تغفل الروح الإبداعية للإنسان ، مما قد يؤدي إلى تحويل التراث إلى قوالب رقمية باهتة تفتقر للعمق التاريخي .
في ختام مقالي هذا يتأكد عندي الزعم بان امتلاك تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لم يعد ترف تقني ، بل هو جزء لا يتجزأ من السيادة الوطنية ، فالدولة التي تنجح في تلقين الآلة قيمها وتراثها هي التي ستضمن حضور صوتها في المستقبل الرقمي .
ويجدر بي القول كذلك هنا بان الذكاء الاصطناعي هو مرآة مكبرة للدبلوماسية الثقافية _ فإما أن يكون جسراً لنشر التراث بذكاء وعمق ، أو يتحول إلى أداة لمحو الخصوصيات ، مما يجعل استعادة المبادرة في هذا المجال واجب قيمي وحضاري يتجاوز مجرد الاستهلاك التقني .


