Popular Now

حين يكتب ابن المقفع عن خطاب حميدتي الأخير تحت عنوان (باب الطبل والمعنويات المنكسرة) .. د. محمد حسن فضل الله

وجه الحقيقة | دولة النزاهة أم دولة الملاحقة؟ .. إبراهيم شقلاوي

جذور و أوراق .. مرافئ الحنين … القضارف في رحاب الدوحة .. موفق عبدالرحمن محمد

علاقة دولة جنوب السودان بالسودان: عتمة استراتيجية أم مستقبل مشرق؟ (1) .. السودان الحديث وتكوين المجال الجيوسياسي (1821–1956) .. د. إسماعيل الناير عثمان .. باحث استراتيجي .. عضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية

قال المفكر الجيوبوليتيكي البريطاني هالفورد ماكيندر إن “الجغرافيا هي أكثر عناصر السياسة ثباتاً”، بينما رأى المؤرخ الفرنسي فرناند بروديل أن الدول لا تُفهم من خلال الأحداث العابرة، بل عبر “التاريخ الطويل” الذي يُعيد تشكيل المجتمعات والسلطات والهويات عبر القرون. أما المفكر الإسلامي مالك بن نبي فقد أشار إلى أن الأزمات الكبرى في العالم ما بعد الاستعمار لا تنبع فقط من التدخل الخارجي، بل من هشاشة البناء الداخلي للدولة وفشل النخب في إدارة التنوع التاريخي والثقافي.

وفي الحالة السودانية، تبدو هذه المقاربات الفكرية شديدة الارتباط بمسار تشكل الدولة الحديثة، خصوصاً العلاقة المعقدة بين شمال السودان وجنوبه، وهي العلاقة التي لم تولد مع انفصال دولة جنوب السودان عام 2011، بل تعود أصولها العميقة إلى لحظة تأسيس السودان الحديث منذ العام 1821 حين بدأت عملية دمج فضاء جغرافي واسع ومتعدد الأعراق والثقافات داخل كيان سياسي مركزي واحد.
قبل العام 1821، لم يكن السودان دولة موحدة بالمعنى الحديث، بل كان فضاءً واسعاً تتوزعه سلطانات وممالك وقبائل متعددة، أبرزهاالسلطنة الزرقاء بسنار، وسلطنة دارفور وممالك تقلي والمسبعات فى كردفان، أما الجنوب فتسودة انظمة ذات طابع قبلي واثني متنوع. وكانت العلاقة بين هذه الكيانات تتراوح بين التجارة والحرب والتحالفات المؤقتة، دون وجود مركز سياسي قادر على فرض سيطرة كاملة على المجال السوداني الممتد من وادي حلفا شمالاً حتى أعالي النيل جنوباً.
لكن دخول قوات محمد علي باشا إلى السودان عام 1821 شكّل نقطة التحول الكبرى في تاريخ السودان الحديث. فالحملة التي انطلقت بدوافع عسكرية واقتصادية لم تهدف فقط إلى توسيع النفوذ المصري، بل إلى بناء مجال استراتيجي جديد يخدم مشروع محمد علي الإقليمي، خاصة في ما يتعلق بتأمين منابع الثروات والرجال والموارد الطبيعية.
ومنذ تلك اللحظة بدأ لأول مرة تشكيل “الدولة المركزية” في السودان، حيث أُعيد رسم المجال الجغرافي والإداري بصورة أكثر انتظاماً، وتم ربط أجزاء واسعة من السودان بسلطة مركزية في الخرطوم. غير أن هذا التشكيل الجديد لم يكن متوازناً، إذ تركز النفوذ الإداري والتجاري والعسكري في شمال ووسط السودان، بينما ظل الجنوب يُنظر إليه باعتباره فضاءً طرفياً وغامضاً ومصدراً للموارد البشرية عبر تجارة الرقيق.
وقد لعبت تجارة الرقيق دوراً بالغ الخطورة في تشكيل الذاكرة التاريخية بين الشمال والجنوب، إذ ارتبطت حملات جمع العبيد في المخيال الجنوبي بصور العنف والاستغلال، الأمر الذي ساهم لاحقاً في تعميق مشاعر العزلة وعدم الثقة تجاه السلطة المركزية القادمة من الشمال. ولم تكن هذه المسألة مجرد حادثة تاريخية عابرة، بل أصبحت جزءاً من البنية النفسية والسياسية للعلاقة بين الطرفين.
ومع اندلاع الثورة المهدية في أواخر القرن التاسع عشر بقيادة الإمام المهدي دخل السودان مرحلة جديدة من إعادة تشكيل السلطة. فقد نجحت الدولة المهدية في توحيد أجزاء واسعة من السودان تحت مشروع إسلامي، إلا أن سيطرتها على الجنوب ظلت محدودة وهشة بسبب الطبيعة الجغرافية المعقدة والاختلافات الثقافية والإثنية العميقة.
وعقب سقوط الدولة المهدية واعادة احتلال السودان وقيام الحكم الثنائي البريطاني–المصري عام 1898، بدأت واحدة من أخطر المراحل في تشكيل العلاقة بين الشمال والجنوب. فقد تبنت الإدارة البريطانية استراتجية ، سياسة “المناطق المقفولة”، و التي هدفت عملياً إلى عزل الجنوب عن الشمال ثقافياً وإدارياً وتعليمياً.
وبموجب هذه السياسة، جرى الحد من التواصل بين الشمال والجنوب، ومنع انتشار اللغة العربية والإسلام في أجزاء واسعة من الجنوب، بينما فُتحت الأبواب أمام البعثات التبشيرية ونشر المسيحية والتعليم الغربي باللغة الإنجليزية. وبذلك لم يكن الاستعمار البريطاني يدير السودان كوحدة سياسية متجانسة، بل كفضاءين منفصلين داخل دولة واحدة؛ شمال يرتبط بالعالم العربي والإسلامي، وجنوب يُعاد تشكيله ضمن المجال الأفريقي المسيحي والأنجلوسكسوني.
هذه السياسة الاستعمارية لم تكن مجرد إجراء إداري، بل أستراتجية ماكرة اسست عملياً لما يمكن وصفه بـ”الازدواج الجيوسياسي” داخل السودان. فبدلاً من بناء هوية وطنية جامعة، جرى تعميق الفوارق الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية بين الشمال والجنوب، الأمر الذي زرع بذور الصراع المستقبلي داخل بنية الدولة نفسها.

ومع نهاية الحرب العالمية الثانية وتصاعد حركات التحرر الوطني، بدأت بريطانيا تعيد النظر في إدارة السودان، خاصة مع تصاعد الدعوات نحو الاستقلال. وفي هذا السياق جاء مؤتمر جوبا عام 1947 بوصفه محاولة لإدماج الجنوب ضمن مشروع السودان الموحد. غير أن المؤتمر كشف بوضوح حجم الفجوة بين النخب الشمالية والجنوبية، حيث عبّر الجنوبيون عن مخاوفهم من هيمنة الشمال سياسياً وثقافياً بعد الاستقلال.
ورغم تلك المخاوف، اتجهت التطورات السياسية نحو قيام دولة سودانية موحدة عند الاستقلال في الأول من يناير 1956، لكن الدولة الجديدة ورثت تركة ثقيلة من الانقسامات البنيوية التي لم تُحل، بل جرى تأجيلها فقط تحت شعارات الوحدة الوطنية والاستقلال.

لقد خرج المحتل البرطاني بينما ظل السؤال الجوهري معلقاً: هل السودان دولة موحدة فعلاً أم مجرد مساحة جغرافية واسعة جمعتها السلطة السياسية أكثر مما جمعتها الهوية المشتركة؟
وهنا تكمن المعضلة الأساسية التي ستنفجر لاحقاً في شكل حروب وصراعات ممتدة. فالدولة السودانية الحديثة تأسست جغرافياً قبل أن تتأسس اجتماعياً وثقافياً، ولذلك بقي الجنوب ينظر بعين الريبة إلى مركز السلطة في الخرطوم، بينما تعاملت النخب الشمالية مع قضية الجنوب بوصفها ملفاً أمنياً وإدارياً أكثر من كونها سؤالاً تاريخياً متعلقاً بطبيعة الدولة نفسها.
ومن منظور استراتيجي، يمكن القول إن السودان منذ 1821 وحتى 1956 لم يكن يبني فقط دولة حديثة، بل كان يصنع أيضاً تناقضاته الداخلية العميقة. فالجغرافيا وحدت المجال السياسي، لكن التاريخ والسياسات الاستعمارية والاختلالات الاقتصادية والثقافية ظلت تدفع في الاتجاه المعاكس.
ولهذا فإن فهم العلاقة الحالية بين السودان ودولة جنوب السودان لا يمكن أن يتم عبر قراءة أحداث الانفصال وحدها، بل عبر العودة إلى لحظة التكوين الأولى للدولة السودانية الحديثة، حيث بدأت منذ ذلك الوقت معادلة معقدة ما تزال تلقي بظلالها على حاضر البلدين ومستقبلهما.
فالعلاقة بين الخرطوم وجوبا ليست مجرد علاقة بين دولتين جارتين، بل هي امتداد لتاريخ طويل من التداخل العميق، والمصالح المشتركة، والهواجس المتبادلة والصراع على تعريف الهوية والمركز والهامش داخل واحدة من أكثر مناطق أفريقيا حساسية وتعقيداً من الناحية الجيوبوليتيكية.

المقالة السابقة

سلسلة الحرب على السودان (35) | السودان بين التصعيد الإقليمي والتحولات الدبلوماسية .. هل بدأت موازين الحرب والسياسة في التغيّر؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي

المقالة التالية

جذور و أوراق .. مرافئ الحنين … القضارف في رحاب الدوحة .. موفق عبدالرحمن محمد

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *