ما درسناه في علم التخطيط الاستراتيجي أن الدول لا تعتمد في حماية مصالحها على القوة العسكرية وحدها بل على قدرتها في امتلاك أوراق ضغط تجعل خصومها يعيدون حساباتهم قبل الذهاب بعيدا في التصعيد والدولة الذكية ليست هي التي تستخدم كل أدواتها دفعة واحدة وإنما التي تحسن التلويح بها في التوقيت المناسب بحيث يتحول مجرد احتمال استخدامها إلى عامل ردع مؤثر ومن هذا المنطلق فإن السودان يمتلك عددا من كروت الضغط المهمة التي يمكن للحكومة السودانية التلويح بها في مواجهة أي توتر مع الحكومة الإثيوبية خاصة في ظل التعقيدات السياسية والأمنية التي تشهدها المنطقة ويأتي في مقدمة هذه الأوراق ملف المجال الجوي السوداني وهو من أكثر أدوات الضغط حساسية وتأثيرا فالموقع الجغرافي للسودان يجعل أجواءه ممرا مهما للطيران الإثيوبي نحو شمال أفريقيا والشرق الأوسط وبعض الوجهات الدولية ولذلك فإن مجرد التلويح بإغلاق المجال الجوي أو تقييد حركة العبور يمثل رسالة سياسية واقتصادية قوية لأن ذلك يعني زيادة تكاليف الرحلات وإجبار الطيران الإثيوبي على استخدام مسارات أطول وأكثر تكلفة ولا يقف الأمر عند الطيران فقط فالسودان يمتلك أيضا ورقة الحدود والتبادل التجاري فالكثير من المناطق الإثيوبية الحدودية تعتمد بصورة أو بأخرى على الأسواق السودانية في حركة السلع والمواد الغذائية والمنتجات الأساسية وبالتالي فإن الخرطوم تستطيع التلويح بتشديد الإجراءات الحدودية أو تقليص الحركة التجارية كوسيلة ضغط تدفع أديس أبابا إلى مراجعة مواقفها
ومن الأوراق المهمة كذلك الموقع الجيوسياسي للسودان فإثيوبيا بحكم كونها دولة حبيسة تحتاج دائما إلى بيئة إقليمية مستقرة وعلاقات متوازنة مع محيطها وأي توتر كبير مع السودان يضيف عبئا جديدا على الحكومة الإثيوبية التي تواجه أصلا تحديات داخلية وأزمات ممتدة في أكثر من إقليم ولهذا فإن الخرطوم تدرك أن استقرار علاقتها مع أديس أبابا ليس مصلحة إثيوبية فقط بل ورقة يمكن استخدامها لإعادة ضبط التوازن السياسي بين البلدين كما تستطيع الحكومة السودانية التحرك دبلوماسيا عبر المؤسسات الإقليمية والدولية لتوضيح موقفها وكسب التأييد لقضاياها خاصة إذا قدمت الأزمة باعتبارها مرتبطة بحماية السيادة الوطنية واحترام الأعراف الدبلوماسية وفي السياسة الدولية فإن عزل الخصم سياسيا أحيانا يكون أكثر تأثيراً من أي مواجهة مباشرة لكن في المقابل فإن الحكمة السياسية تقتضي أن يظل استخدام هذه الأوراق في إطار التلويح المدروس لا الاندفاع غير المحسوب لأن السودان وإثيوبيا بحكم الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة لا يستطيعان تحمل كلفة صراع مفتوح طويل الأمد. فالمعادلة الأذكى ليست في إحراق الجسور وإنما في إظهار القدرة على التأثير دون الوصول إلى نقطة الانفجار الكامل
وفي النهايه فإن الرسالة التي يمكن أن تبعث بها الخرطوم هي أن السودان ليس دولة بلا خيارات وأن لديه من أوراق الضغط ما يكفي لحماية مصالحه وصيانة سيادته وأن إدارة هذه الأوراق بعقلانية وقوة قد تكون أكثر فاعلية من استخدامها بصورة متسرعة


