Popular Now

سلامة اللغة واللغويات من أذى وقذا اللسانيات .. الرئيس الأمريكي ترمب نموذجًا للكذب والخداع .. د. بابكر عبدالله محمد علي

مسارات .. حين يصبح العلماء هدفًا… من يطارد أعضاء هيئة علماء السودان؟ د.نجلاء حسين المكابرابي

نتائج استطلاع رأي عام حول أثر الرسوم الحكومية والجبايات على حياة المواطنين في السودان

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. السودان … وطنًا لمواطنين أم ساحة لإدارة التوازنات؟ .. محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

بقدرٍ ثقيل من التأمل والحزن، أكتب هذه السطور من #أصل_القضية، لا لأن السودان يمر فقط بأزمة حرب، بل لأن السؤال الذي يطارد هذا البلد اليوم أصبح أعمق بكثير من صوت البنادق، وأخطر بكثير من مجرد صراع على السلطة.
فالحروب مهما طالت قد تتوقف، لكن الكارثة الحقيقية تبدأ حين يصبح الوطن نفسه عاجزًا عن تعريف:
● لمن تُدار الدولة أصلًا؟
● هل تُدار باعتبارها وطنًا لمواطنين؟
● أم باعتبارها مجرد ساحة مفتوحة لإدارة التوازنات بين القوى السياسية والعسكرية والقبلية والإقليمية؟
ذلك هو السؤال الذي يقف اليوم في قلب المأساة السودانية.
لأن ما يحدث في السودان لم يعد مجرد أزمة حكومة، ولا حتى مجرد حرب بين جيش وقوة متمردة، بل تحوّل تدريجيًا إلى أزمة معنى…
معنى الدولة، ومعنى السلطة، ومعنى الوطن نفسه.
في الدول التي تمتلك مشروعًا وطنيًا واضحًا، تكون الدولة مشغولة ببناء الإنسان والمؤسسات والمستقبل.
تكون أسئلتها الكبرى:
● كيف نُنتج؟
● كيف نُعلّم؟
● كيف نحفظ كرامة المواطن؟
● كيف نصنع هوية جامعة تتجاوز القبيلة والجهة والحزب؟

لكن في الدول التي تدخل مرحلة الهشاشة، تتغير طبيعة الأسئلة تمامًا.
تصبح الدولة مشغولة لا بالبناء، بل بمنع الانهيار، وتمون اسئلتها:
○ كيف نمنع سقوط العاصمة؟
○ كيف نمنع انقسام المؤسسة العسكرية؟
○كيف نُبقي التحالفات قائمة؟
كيف نُدير التناقضات دون انفجار شامل؟
○كيف نحافظ على الحد الأدنى من الاعتراف الخارجي؟
وهنا يبدأ التحول الخطير:
> حين تنتقل الدولة من مشروع بناء إلى مشروع بقاء.
وفي تقديري، إن السودان يعيش هذه اللحظة منذ سنوات خلت، ليس فقط بسبب الحرب الحالية.
فالأزمة السودانية لم تكن يومًا فقط أزمة سلطة، بل أزمة دولة لم تستطع حسم سؤالها المركزي:
> هل هي دولة مواطنة… أم دولة توازنات؟
لقد ظل السودان لعقود يتحرك داخل دائرة معقدة من التسويات المؤقتة، وإدارة التحالفات، وشراء الوقت، وإطفاء الحرائق، وتأجيل الانفجارات.
حتى أصبحت السياسة السودانية أقرب إلى “إدارة أزمة مستمرة” منها إلى صناعة مشروع وطني متكامل.
ولهذا نلاحظ أن الحكومات تتغير، والتحالفات تتبدل، والشعارات تتبدل، لكن الأزمة الجوهرية تبقى كما هي:
> غياب الدولة التي يشعر المواطن بأنها بُنيت لأجله.
وهنا تحديدًا تظهر المعضلة الأخطر.
ففي السودان كثيرًا ما يُستخدم مفهوم “الشعب” بوصفه أداة تعبئة:
شعب يصطف، يقاتل، يثور، يتحمل، يُطلب منه الصبر.
لكن قليلًا ما يتم الحديث عن “المواطن” باعتباره جوهر الدولة نفسها. وهنالك فرق عميق بين المفهومين.
فالشعب في الخطابات السياسية يمكن أن يتحول إلى كتلة عاطفية تُستخدم في الحشد والاستقطاب،
أما المواطن فهو إنسان له حقوق، وكرامة، وأمن، وفرصةحياة، وعلاقة متوازنة مع الدولة.
ومن هنا يمكن فهم جانب كبير من الأزمة السودانية الحديثة.
إذ يبدو وكأن أغلب المشاريع السياسية — على اختلاف اتجاهاتها — تعاملت مع المواطن لا باعتباره غاية الدولة، بل باعتباره
وقودًا للصراع، أو رقمًا انتخابيًا، أو امتدادًا لهوية قبلية، أو تابعًا لتنظيم أيديولوجي، أو موردًا للتعبئة في لحظات الحرب.
ولهذا تآكل الإحساس الوطني تدريجيًا.
فحين يفقد المواطن شعوره بأن الدولة تمثله وتحميه وتراه، يبدأ تلقائيًا في البحث عن انتماءات بديلة: القبيلة، المنطقة، الجماعة، السلاح، أو حتى الهويات العابرة للحدود.
وهنا يتحول الوطن من “فكرة جامعة” إلى “مساحة تنازع”.
وفي السودان يبدو هذا المشهد مؤلمًا بصورة يصعب إنكارها.
الجميع يتحدث باسم الوطن،
لكن الوطن نفسه ينزف في الجغرافيا والاقتصاد والنسيج الاجتماعي والذاكرة الجماعية.
النخب السياسية تتصارع على السلطة، والحركات المسلحة تتصارع على النفوذ، والفاعلون الإقليميون يديرون مصالحهم،
بينما المواطن السوداني — ذلك الإنسان البسيط الذي يريد فقط حياة طبيعية — يقف في منتصف هذا الركام محاولًا أن يفهم:
● أين موقعه من كل ما يحدث؟
● هل هو شريك في الدولة؟
● أم مجرد رقم داخل معادلة التوازنات؟
وهنا ربما نصل إلى أخطر ما في الأزمة السودانية وهو أن الدولة حين تُدار فقط بمنطق منع الانهيار، فإنها تتحول تدريجيًا إلى دولة خائفة لا دولة حاملة لمشروع.
والدولة الخائفة غالبًا تؤجل الحلول، وتُدير التناقضات بدل معالجتها، وتبحث عن الولاءات أكثر من بحثها عن الكفاءة، وتُنتج تحالفات مؤقتة بدل إنتاج عقد وطني دائم.
ومع الزمن يصبح “البقاء” هو السقف الأعلى للطموح السياسي.
وهذا أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة.
لأن الأوطان لا تنهار فقط حين تسقط الجيوش أو تتوقف المؤسسات، بل تنهار حين يفقد المواطن إيمانه الداخلي بأن هذا الوطن بُني من أجله أصلًا.
إن السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى تسوية سياسية، ولا إلى حكومة جديدة، ولا حتى إلى وقف الحرب وحده.
بل يحتاج إلى إعادة تعريف كاملة لفكرة الدولة نفسها.
● دولة يكون مركزها: المواطن،
لا التوازنات.
● دولة تُبنى على: العدالة، لا إدارة الخوف.
● وعلى: المواطنة، لا التحشيد.
● وعلى: المشروع الوطني، لا التحالفات المؤقتة.
فالسؤال الحقيقي لم يعد فقط من يحكم السودان؟
بل أصبح:
> هل ما يزال السودان قادرًا على العودة ليكون وطنًا يُدار لأجل مواطنيه… لا مجرد ساحة تُدار فيها توازنات القوى؟
فالوطن الذي يفقد مواطنيه معنويًا… قد لا تنقذه الخرائط وحدها.
وهنا بالضبط… #أصل_القضية.

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | الخدمة المدنية على المقصلة.. إبراهيم شقلاوي

المقالة التالية

منشورات د. أحمد المفتي ، رقم 6063 .. نحن لا نقف علي مسافة واحدة ، من الكيانات السياسية !!

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *