مقدمة
لم تعد التحولات السياسية في الشرق الأوسط مجرد أحداث داخلية معزولة، بل أصبحت جزءاً من إعادة تشكيل واسعة للنظام الإقليمي والدولي، تتداخل فيها مصالح القوى الكبرى مع الصراعات الأيديولوجية والاقتصادية والأمنية.
ومن بين أهم النماذج التي تستحق الدراسة والمقارنة، يبرز نموذجا السودان و إيران باعتبارهما تجربتين مختلفتين لأنظمة حكم ذات طبيعة أيديولوجية وأمنية معقدة، واجهتا ضغوطاً داخلية وخارجية هائلة، لكنهما سلكتا مسارين مختلفين في إدارة الأزمة ومآلات التحول السياسي.
ففي السودان، انتهى نظام الإنقاذ إلى ما يشبه “الهبوط الناعم النسبي”، عبر عملية انتقال معقدة حافظت جزئياً على بنية الدولة رغم سقوط رأس النظام.
أما في إيران، فإن المؤشرات الإقليمية والدولية الحالية تفتح الباب أمام احتمالات أكثر خطورة، قد تقود إلى “سقوط خشن” تتداخل فيه المواجهة الداخلية مع الصراع الإقليمي والدولي.
أولاً: الشرق الأوسط بين إعادة التشكيل وصراع النفوذ
تشهد المنطقة منذ سنوات تحولات كبرى بدأت مع موجات الربيع العربي، لكنها تطورت لاحقاً إلى صراع أوسع على النفوذ والطاقة والممرات البحرية وإعادة رسم خرائط التوازنات الإقليمية.
وقد أصبحت عدة دول ساحات لإعادة هندسة سياسية وأمنية، سواء عبر:
– الضغوط الاقتصادية.
– العقوبات الدولية.
– الحروب غير المباشرة.
– إدارة الفوضى.
– أو مشاريع إعادة تشكيل الأنظمة السياسية.
وفي هذا السياق، برز الدور المحوري لكل من الولايات المتحدة و إسرائيل في إدارة العديد من ملفات المنطقة، خاصة تلك المرتبطة بإيران ومحور النفوذ الإقليمي.
ثانياً: السودان كنموذج للهبوط الناعم
شهد السودان خلال السنوات الأخيرة من حكم الإنقاذ تراكماً حاداً للأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تمثل في:
– الانهيار الاقتصادي.
– اتساع الاحتجاجات الشعبية.
– العقوبات الدولية.
– الانقسامات داخل مراكز السلطة.
– تراجع الحاضنة السياسية للنظام.
لكن رغم ذلك، لم يتجه السودان نحو انهيار شامل للدولة، بل حدث انتقال تدريجي نسبياً عبر:
– تدخل المؤسسة العسكرية.
– التفاهمات السياسية المرحلية.
– الضغوط الدولية المحسوبة.
– غياب التدخل العسكري.
– الخارجي المباشر.
وقد سمح ذلك بإزاحة الرئيس عمر البشير مع بقاء أجزاء كبيرة من مؤسسات الدولة والأجهزة السيادية.
ثالثاً: إيران واحتمالات السقوط الخشن
على خلاف السودان، تمثل إيران دولة محورية في معادلات:
– أمن الطاقة العالمي.
– الخليج العربي.
– التوازنات العسكرية الإقليمية.
– ملفات العراق وسوريا ولبنان واليمن.
كما أن النظام الإيراني يقوم على بنية عقائدية وأمنية أكثر تماسكاً، تقودها مؤسسات مثل الحرس الثوري الإيراني الذي يمثل لاعباً عسكرياً، واقتصادياً وأيديولوجياً في آن واحد.
ولهذا، فإن أي محاولة لإسقاط النظام الإيراني لا يمكن أن تكون مجرد عملية سياسية داخلية، بل قد تتحول إلى صراع إقليمي واسع تتداخل فيه مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، و إسرائيل، و روسيا، و الصين ودول الخليج العربي.
رابعاً: هل تختلف الاستراتيجية الأمريكية بين السودان وإيران؟
تشير القراءة الاستراتيجية إلى أن واشنطن تتعامل مع السودان وإيران بمنطقين مختلفين:
في السودان:
ركزت السياسة الأمريكية على:
– تفكيك النظام تدريجياً.
– إدارة الانتقال السياسي.
– الحفاظ على مؤسسات الدولة.
– منع الانهيار الشامل.
أما في إيران:
فتبدو الاستراتيجية أكثر تعقيداً، لأنها ترتبط بـ:
– تقليص النفوذ الإيراني الإقليمي.
– حماية أمن إسرائيل.
– تأمين الملاحة والطاقة.
منع تحول إيران إلى قوة نووية – كاملة التأثير.
لكن في الوقت نفسه، تدرك واشنطن أن انهيار إيران بصورة فوضوية قد يؤدي إلى:
– حرب إقليمية واسعة.
– إغلاق أو تهديد في مضيق هرمز.
– أزمة طاقة عالمية.
– تصاعد قوى أكثر تشدداً.
خامساً: تل أبيب ورؤية “الاحتواء بالقوة”
ترى إسرائيل أن المشروع الإيراني يمثل التهديد الاستراتيجي الأكبر لها في المنطقة، ولذلك تعتمد سياسة تقوم على:
– الاستنزاف الأمني والعسكري.
– الضربات غير المباشرة.
– الحرب السيبرانية.
– استهداف شبكات النفوذ الإقليمي الإيراني.
وفي المقابل، يبدو أن واشنطن أكثر ميلاً إلى “إدارة الأزمة” وليس الانفجار الكامل، بسبب تعقيدات المصالح الدولية المرتبطة بإيران.
خاتمة
تكشف المقارنة الأولية بين السودان وإيران أن إدارة التحولات السياسية في الشرق الأوسط لم تعد تعتمد فقط على إسقاط الأنظمة، بل على كيفية إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية المحيطة بها.
ففي السودان، بدا الهدف هو الوصول إلى انتقال سياسي يقلل من احتمالات الانهيار الكامل.
أما في إيران، فإن الصراع لا يتعلق فقط بمستقبل النظام، بل بمستقبل التوازنات الإقليمية والدولية بأكملها.
البريد الإلكتروني: bshair057@gmail.com


